قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة الشاعرة السورية رجاء نور الدين "لا شيء يشغلني"

تقوم قصيدة «لا شيء يشغلني» على بنية وجدانية كثيفة، يتقاطع فيها الحنين مع الغياب، والحب مع الفقد، ضمن لغة مشحونة بالاستعارة والرمز. وهي قصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة/الحرّ ذي الإيقاع الداخلي، حيث تتقدّم الموسيقى النفسية على الوزن الخليلي الصارم. وتحاول هذه الدراسة تفكيك النص وفق مقاربة هيرمينوطيقية متعددة المناهج.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

القصيدة تقوم على جمل قصيرة متتابعة، يغلب عليها الفعل المضارع: (يشغلني، أمسك، يمسح، يسرق، يغفو...)، ما يمنح النص حركة زمنية مستمرة، ويخلق شعوراً بالديمومة العاطفية.

التركيب اللغوي سليم في أغلبه، مع ميل إلى البساطة الظاهرة التي تخفي عمقاً دلالياً، مثل:

١- «لا شيء يشغلني سوى حنين»

٢- «يمسح زخ المطر عن وجنتيك»

الانزياح البلاغي حاضر في تحويل المجرد إلى محسوس: الحنين يُمسك، الوله له شبابيك، القلب له وتين، الغياب له مهبّ.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الألفاظ واضحة غير معجميّة مغلقة، لكنها مشحونة إيحائياً. التوازن بين اللفظ والمعنى متحقق؛ فلا إسراف لفظي ولا فقر تعبيري.

أمثلة الإعراب الدال:

١- «لا شيءُ يشغلني»: لا نافية للجنس، شيءُ اسمها مرفوع، يشغلني خبرها.

٢- «سوى حنينٍ»: سوى أداة استثناء، حنينٍ مستثنى مجرور.

٣- «يمسحُ زخَّ المطرِ»: يمسح فعل مضارع، زخَّ مفعول به، المطر مضاف إليه.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

لا تعتمد القصيدة على قافية موحّدة، بل على تكرار تركيبي: «لا شيء يشغلني»، وهو لازمة إيقاعية ودلالية.

الجرس الصوتي قائم على الحروف الرخوة: النون، الميم، الواو، ما يناسب جو الحنين والانكسار.

الموسيقى الداخلية تتشكل من:

التكرار

التوازي التركيبي

التقفية الجزئية: (الغياب/العذاب/الدمع/الشوق)

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص.

القصيدة ذات بنية دائرية تبدأ بـ«لا شيء يشغلني» وتنتهي بمعناها، ما يرسّخ فكرة الانغلاق العاطفي حول المحبوب.

لا شخصيات سردية متعددة؛ هناك ذات متكلمة، ومخاطَب غائب/حاضر بالذكرى.

المنهج الوصفي حاضر في تصوير الحالات الشعورية، والمنهج التحليلي يظهر في تفكيك علاقة الذات بالمحبوب.

2. الرؤية الفنية:

ترى الشاعرة رجاء نور الدين العالم من زاوية وجدانية محضة؛ الأشياء لا قيمة لها إلا بقدر ما ترتبط بالمحبوب.

الانسجام بين الشكل والمضمون واضح:

١-  لغة رخوة = شعور حزين،

٢-  بنية مفتوحة = غياب نهائي.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الدهشة تتولّد من صور مثل:

١- «شبابيك الوله»

٢- «ناقوسك المسجّى»

٣- «زمرد الآه»

وهي صور تتجاوز المألوف دون أن تسقط في الغموض المفرط.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح أسئلة وجودية ضمنية:

١- ماذا يبقى من الإنسان بعد الرحيل؟

٢- هل الذاكرة بديل عن الحضور؟

٣- هل الحب خلاص أم عبء؟

2. الأفق المعرفي:

القصيدة تستفيد من التراث العاطفي العربي (الحنين، الفقد، الشوق)، لكنها تصوغه بلغة حديثة قريبة من شعر الحداثة الوجدانية.

3. البنية العميقة للمعنى:

في العمق، القصيدة ليست عن الحب فقط، بل عن الخوف من النسيان. كل الأسئلة: من سيغلق؟ من سيمسح؟ من سيطهو؟ هي مقاومة رمزية للمحو.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

ينتمي النص إلى سياق عربي معاصر مثقل بالغياب والمنفى والفقد، حتى لو لم يُصرّح بذلك سياسياً.

2. تطور النوع الأدبي:

النص يقع في منطقة وسطى بين القصيدة الوجدانية التقليدية وشعر الحداثة الحر.

3. علاقته بالتراث:

يتفاعل مع التراث العاطفي العربي، لكنه لا يستدعي أساطير أو رموزاً تراثية مباشرة.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

المشاعر المسيطرة: الحنين، القلق، الخوف من الفقد، التعلّق المرضي الجميل.

2. تحليل الشخصية:

الذات الشاعرة ذات عاطفية عالية، تميل إلى الاندماج الكلي بالمحبوب، ما يشي بنزعة وجدانية مطلقة.

3. النبرة النفسية:

النبرة الأساسية: حنين شفيف، مشوب بخوف صامت.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

يعكس أزمة التعلّق في عالم متقلّب، حيث الغياب صار قاعدة لا استثناء.

2. الخطاب الاجتماعي:

يوجد خطاب ضمني ضد التفكك العاطفي المعاصر.

3. الشاعرة رجاء نور الدين فاعلاً اجتماعياً:

تقوم بدور وجداني نقدي لا سياسي، يذكّر بأهمية العمق الإنساني.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- المطر: التطهير والذكرى

٢- الناقوس: النداء والإنذار

٣- الشبابيك: الانفتاح/الانغلاق العاطفي

2. العلاقات التقابلية:

١- الحضور / الغياب

٢- القلب / العالم

٣- الذاكرة / النسيان

3. النظام الرمزي

الفضاء كله يتحول إلى علامات: القلب، الورد، العطر، الزمن.

ثامناً: الأسس المنهجية

اعتمدت الدراسة منهجاً تركيبياً يجمع: الأسلوبي، النفسي، التأويلي، السيميائي، مع وضوح في الانتقال بين المستويات.

خاتمة:

قصيدة «لا شيء يشغلني» نص وجداني رفيع، يكتب الحب لا كزينة لغوية، بل كقلق وجودي. قوته في صدقه الشعوري، وهدوئه التعبيري، وقدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى إشارات كبرى عن الفقد، والذاكرة، والإنسان حين لا يشغله في العالم كله إلا قلب واحد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

لا شيء يشغلني

لا شيء يشغلني

سوى حنينٍ

أمسكُ بجبروتِ

حنايا القلب.

لا شيء يشغلني

سوى مَن سيمسحُ

زَخَّ المطرِ

عن وجنتيك بعد رحيلي.

مَن سيطهو رغيفَ اللقاء،

ويُحصي زمردَ الآه؟

مَن سيُغلقُ شبابيكَ الولهِ

في وتينٍ عافٍ،

طيفُك ولو للحظات؟

ويحدثُ أن لا شيء

يشغلني سواك.

ولا يحدثُ أبدًا

أن يغيبَ عني

ناقوسُك المُسجّى

في مهبِّ الغياب،

في ساعاتِ فوضى القلب،

حيثُ تغفو ملامحُ الورد،

ويسرقُ النبضُ وسمَ العطر

من وريقاتٍ مكتظّةٍ بالدمع،

مسحها جبروتُ منديلٍ

طرّزه الزمانُ وكفٌّ

مُضرّجةٌ بالشوق.

***

رجاء نور الدين

 

في المثقف اليوم