قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة الشاعرة سلمى المليزي "حديثُ الفجرِ"
تُمثّل قصيدة «حديثُ الفجر» للشاعرة الجزائرية سلمى المليزي نصّاً شعريّاً ينهض على تخوم التأمل الوجودي والوجداني، حيث يتحوّل الفجر من كونه لحظة زمنية عابرة في تعاقب الليل والنهار إلى كيان رمزي كثيف الدلالة، يُستدعى بوصفه مخاطَباً أنطولوجيّاً، وحاملاً لمعنى الخلاص، والتطهّر، وإمكان البدء من جديد. ففي هذا النص، لا يتجلّى الفجر بوصفه ظاهرة طبيعية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليغدو مساحة تأويلية مفتوحة، تتقاطع فيها أسئلة الذات، وقلق الوجود، وحنين الذاكرة، مع توقٍ إنساني عميق إلى الضوء بعد العتمة.
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية هيرمينوطيقية، تسعى إلى تفكيك البنية الظاهرة للنص، والولوج إلى طبقاته الدلالية العميقة، من خلال قراءة مركّبة تستند إلى تحليل الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، فضلاً عن الأبعاد النفسية، والسوسيولوجية، والسيميائية التي ينهض عليها الخطاب الشعري. وتقوم هذه القراءة على افتراض أن النص الشعري ليس معطًى مغلقاً، بل كياناً مفتوحاً على تعدّد المعاني، وقابلاً لإنتاج دلالات تتجاوز قصدية الشاعرة المباشرة.
وإذ تشتغل القصيدة على مناجاة الفجر بوصفه وسيطاً بين الأرض والسماء، وبين الخطيئة والغفران، فإنها تُفصح عن رؤية فنية تتكئ على الانزياح الجمالي، وتشخيص الطبيعة، واستثمار الإيقاع الداخلي والتكرار، لبناء خطاب شعري مشحون بالحنين والرجاء والقلق الوجودي. من هنا، تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن كيفية تضافر الشكل والمضمون في النص، وعن موقع «حديثُ الفجر» ضمن مسار قصيدة النثر العربية المعاصرة، بوصفها نصًّا يوازن بين شفافية اللغة وعمق الرمز، ويؤسس لعلاقة حوارية بين الذات الشاعرة والعالم.
أفق القراءة ومنهجها
تندرج قصيدة «حديثُ الفجر» ضمن شعرية التأمل الوجداني–الكوني، حيث يتحول الفجر من ظاهرة طبيعية إلى كيان خطابي، ومخاطَب أنطولوجي، يُستدعى بوصفه وسيطًا بين الأرض والسماء، بين الجرح والأمل، وبين الذاكرة والولادة الجديدة.
وتقوم القراءة الهيرمينوطيقية هنا على تفكيك سطح القول للنفاذ إلى البنية العميقة للمعنى، عبر مقاربة لغوية، جمالية، فلسفية، نفسية، وسيميائية، مع استحضار السياق الثقافي والوجداني للنص.
أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب
تتميز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، وخلوٍّ شبه تام من الاضطراب النحوي أو الترهل التركيبي. تعتمد الشاعرة على جمل فعلية إنشائية قائمة على فعل الأمر:
«حدّثني، أيها الفجر»
وهو أمر لا يحمل دلالة سلطوية، بل التماس وجودي، أقرب إلى المناجاة الصوفية.
الانزياح الأسلوبي يظهر في تشخيص الفجر وإلباسه صفات إنسانية/روحانية:
١- يحمل أدعيتنا
٢- يمسح خطايانا
٣- يطرّز الحب على القلوب
وهي انزياحات ترفع اللغة من الإخبار إلى الاستعارة الكلية.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
الألفاظ منتقاة بعناية، وتنسجم مع الحقل الدلالي للفجر:
(الانبلاج، الشفق، الندى، الخمائل، الخيوط، التلألؤ).
ويتحقق توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف زخرفي، ولا فقر تعبيري. اللغة هنا ملائمة لموضوعها: شفافة، رقيقة، ذات نفس تعبّدي–وجداني.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي:
القصيدة نثرية، لكنها مشبعة بـ:
١- التكرار: (حدّثني… حدّثني) بوصفه لازمة إيقاعية ودلالية.
٢- الجرس الصوتي الناتج عن التوازي التركيبي.
٣- الموسيقى الداخلية المتأتية من تناسق الأصوات (الفجر/الشفق/الخيوط/الخمائل).
٤- الإيقاع هنا نفسي–دلالي أكثر منه وزني، يخدم حالة التضرّع والتأمل.
ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية
1. البنية الفنية للنص:
النص قائم على بنية مناجاة تصاعدية:
١- من مخاطبة الفجر
٢- إلى استحضار الكون
٣- إلى الذاكرة والطفولة
وهو ما يمنح القصيدة معماراً حلزونياً لا خطياً.
المنهج الوصفي يتجلى في رسم مشاهد الطبيعة، بينما يتدخل المنهج التحليلي في تفكيك ثنائية (الأمل/الألم).
2. الرؤية الفنية:
ترى الشاعرة العالم من زاوية الجرح المؤجَّل:
«لتولد المواجع والأفراح… التي تُغتال في منتصف الحلم»
إنها رؤية لا تحتفي بالولادة الجديدة بوصفها خلاصاً مطلقاً، بل خلاصاً هشّاً، مهدداً بالاغتيال.
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي
تُنتج القصيدة دهشتها عبر:
١- تشخيص الزمن.
٢- أسطرة الفجر.
٣- الجمع بين البراءة (الطفولة) .
٤- والخذلان (المواجع).
وهو ما يمنح النص فرادة وجدانية دون الوقوع في التكرار المألوف لصورة الفجر.
ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية
1. الموقف الفكري
القصيدة مشبعة بأسئلة:
١- التطهّر
٢- الغفران
٣- إمكان البدء من جديد
وهي أسئلة ذات طابع وجودي–أخلاقي، تضع الإنسان بين خطيئة الماضي وأمل الفجر.
2. الأفق المعرفي.
يحيل النص ضمنياً إلى:
١- التراث الصوفي (المناجاة، التطهير)
٢- الرؤية الرومانسية للطبيعة
٣- الحس الحداثي في وعي هشاشة الحلم
3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):
الفجر ليس فجراً زمنياً، بل:
١- فجر الوعي
٢- فجر الروح
٣- فجر الذاكرة المستعادة
والطفولة هنا ليست زمناً ماضياً، بل فردوسًا مفقوداً، لا يُستعاد إلا شعرياً.
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
1. سياق النص:
كُتبت القصيدة في لحظة عالمية مضطربة (2020)، حيث:
١- القلق الإنساني
٢- الخوف الوجودي
٣- الحاجة إلى الخلاص
وهو ما يفسر هذا التعلق الرمزي بالفجر.
2. تطوّر النوع الأدبي:
تنتمي القصيدة إلى قصيدة النثر التأملية، التي تمزج بين الشعرية والوجدانية دون سرد حكائي مباشر.
3. العلاقة بالتراث:
تحضر البلاغة العربية في:
١- النداء
٢- التشخيص
٣- الاستعارة مع انفتاح على حساسية شعرية حديثة.
خامساً: الأسس النفسية:
1. البنية الشعورية
النص مشبع بـ:
١- الحنين
٢- القلق
٣- الرغبة في التطهير
وهو ما يكشف ذاتاً مثقلة بالزمن.
2. تحليل الشخصية (ضمنياً)
الفجر هو الأنا الأعلى، أو صورة الخلاص التي تلجأ إليها الذات المبدعة.
3. النبرة النفسية:
النبرة الغالبة:
حنينٌ ممزوج برجاءٍ حذر.
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي
تلميحات إلى:
١- حقد البشر
٢- قسوة السنين
وهي إشارات إلى عالم اجتماعي مأزوم.
2. الخطاب الاجتماعي
القصيدة تمارس نقداً ناعماً للواقع دون مباشرة أيديولوجية.
3. الشاعرة كفاعل اجتماعي:
تحضر الشاعرة بوصفها صوتاً وجدانياً لا مصلحًا مباشرًا، لكنها تطرح بديلًا: الجمال كخلاص.
سابعاً: الأسس السيميائية
1. الرموز.
١- الفجر: الولادة/الوعي.
٢- الشمس: الحقيقة.
٣- الندى: الطهارة.
٤- الطفولة: البراءة الأولى.
2. الثنائيات.
١- الليل / الفجر.
٢- الحلم / الاغتيال.
٣- الذكرى / الفقد.
3. النظام الرمزي العام:
النص مشيّد على سيمياء الضوء بوصفه نقيض العتمة الوجودية.
ثامناً: الأسس المنهجية
القراءة تستند إلى:
١- المنهج الأسلوبي.
٢- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)
٣- المنهج النفسي–الرمزي
مع قدرٍ عالٍ من الاتساق والصرامة.
- خاتمة:
تشكل قصيدة «حديثُ الفجر» نصًا شعريًا ناضجًا، يجمع بين جمال اللغة، وعمق الرؤية، وكثافة الرمز، ويعبّر عن ذات أنثوية واعية بالجرح والضوء معًا.
إنها قصيدة لا تكتفي بوصف الفجر، بل تسائله، وتحمّله عبء الخلاص الإنساني، في كتابة تُحسن الإصغاء إلى الداخل كما تُحسن مخاطبة الكون.
تخلص هذه الدراسة الهيرمينوطيقية إلى أن قصيدة «حديثُ الفجر» لسلمى المليزي تشكّل نصًّا شعريًّا ذا كثافة دلالية وجمالية عالية، يتجاوز حدود الوصف التأملي للطبيعة ليغدو خطابًا وجوديًّا مفتوحًا على أسئلة المعنى والنجاة والبدء المتجدّد. فقد نجحت الشاعرة في تحويل الفجر من لحظة زمنية إلى رمز كوني مركزي، تتقاطع عنده ثنائيات الليل/الضوء، الخطيئة/الغفران، الذاكرة/الطفولة، والحلم/الخذلان، بما يمنح النص أفقًا تأويليًّا واسعًا وقابلًا لتعدّد القراءات.
وقد أظهرت القراءة النقدية أن البنية اللغوية للقصيدة تقوم على سلامة التعبير، ورهافة التراكيب، والانزياح البلاغي المنتج للدهشة، مع اعتماد إيقاع داخلي قائم على التكرار والتوازي، أسهم في تكثيف النبرة المناجاتية وإبراز الشحنة الوجدانية للنص. كما تبيّن أن الرؤية الفنية للشاعرة تنطلق من وعي هشاشة الأمل الإنساني، حيث لا يأتي الفجر خلاصًا مطلقًا، بل وعدًا مؤجَّلًا، محفوفًا بإمكان الاغتيال والانكسار، وهو ما يضفي على النص بعدًا فلسفيًّا وإنسانيًّا عميقًا.
ومن الناحية النفسية والسوسيولوجية، يعكس النص ذاتًا مبدعة مثقلة بقلق الزمن وقسوة الواقع الاجتماعي، تلجأ إلى الجمال والذاكرة والطفولة بوصفها ملاذًا رمزيًّا، دون السقوط في المباشرة أو الخطابية. أما سيميائيًّا، فقد تكشّف أن القصيدة تنتظم ضمن نظام رمزي محكوم بسيمياء الضوء، حيث تتوالد العلامات الطبيعية لتؤدي وظائف دلالية تتجاوز مرجعها الحسي إلى أفق روحي ومعرفي أرحب.
وعليه، يمكن القول إن «حديثُ الفجر» نصٌّ شعريٌّ ناضج، يرسّخ حضور سلمى المليزي ضمن سياق قصيدة النثر العربية المعاصرة، بوصفها كتابة واعية بأدواتها الجمالية، ومنفتحة على التأويل، وقادرة على مساءلة الوجود بلغة شفيفة، تجمع بين رهافة الإحساس وعمق الرؤية. إنها قصيدة تُنصت إلى الداخل الإنساني بقدر ما تُحاور الكون، وتؤكد أن الشعر ما يزال قادرًا على أن يكون فعل كشف، ومجالًا لإعادة إنارة المعنى في زمن العتمة.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
...........................
حديثُ الفجرِ
حَدِّثْني، أيُّها الفَجْرُ
المنبثقُ مِنْ شَرْنَقَةِ السَّماءِ،
حَدِّثْني كيفَ تتركُ اللَّيلَ يَنْجَلي
وتُعانِقُ أُفُقَ الصَّباح؟!
وتتركُ العُيونَ تَشْرَئِبُّ إلى مَنْظَرِكَ،
وأنتَ تَقْتَحِمُ السَّماءَ
وتُلوِّنُها بأجملِ ألوانِ الشَّفَقِ المُحَمَّرِ،
كَخُدودِ عَذْراءَ باتتِ اللَّيلَ تَتَوَعَّدُ،
وتُطَرِّزُ الحُبَّ على القُلوبِ.
حَدِّثْني، أيُّها الفَجْرُ،
وأنتَ تَحْمِلُ أَدْعِيَتَنا إلى السَّماءِ،
كيفَ تَهْفِهْفُ القُلوبُ إليها؟!
وتَمْسَحُ خَطايانا المجنونةَ
الطَّائِشَةَ… البائِسَةَ… المُتْعِبَةَ،
مِنْ جَفاءِ السِّنينِ،
مِنْ حِقْدِ البَشَرِ.
حَدِّثْني، أيُّها الفَجْرُ،
عن انْبِلاجِ الصُّبْحِ
وهو يَسْتَقْبِلُ أُولى خُيوطِ الشَّمْسِ،
ويَنْثُرُها بِرِفْقٍ على الدُّنْيا،
لِيُولَدَ يَومٌ جَديدٌ،
وتَلِدَ معه المَواجِعُ
والأفراحُ…
التي تُغْتالُ في مُنْتَصَفِ الحُلْمِ.
حَدِّثْني عن هَديلِ الحَمامِ،
حَدِّثْني عن فَرْحَةِ الطُّيورِ
وهي تُغَرِّدُ لكَ، تَسْبَحُ للسَّماءِ،
عن النَّدى وهو يُعانِقُ الخَمائِلَ،
عن خُيوطِ الشَّمْسِ وهي تَتَلألأُ في الأنهارِ،
عن بَسْمَةِ الوُرودِ وهي تَتَفَتَّحُ بلُطْفٍ.
حَدِّثْني عن خَفايا الكَوْنِ،
ومَجَرّاتِ الرُّوحِ
في مَدارِ القَلْبِ،
حين يَخْفِقُ لِجَمالِكَ الأخّاذِ.
حَدِّثْني… وحَدِّثْني
عن ثَوْرَةِ الياسَمينِ،
وعن أُرْجوحَتي…
وحُلْمِ الطُّفولةِ.
يا لَيْتَها تَعودُ الذِّكْرى!!
ويَعودُ فَرَحُ الصِّبا!!







