قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية هيرمينوطيقية موسّعة لقصيدة "حكاية مدينة"
للشاعرة المغربية حفيظة الفائز
تنهض القصيدة الحديثة بوصفها فضاءً تأويليّاً مفتوحاً، تتقاطع فيه اللغة مع الذاكرة، والذات مع المكان، والرمز مع التاريخ، بحيث لا تعود الكلمات مجرد حوامل للمعنى، بل تصبح كينونات دلالية كثيفة تستدعي القراءة والتفكيك. ومن هذا المنظور، تأتي قصيدة «حكاية مدينة» للشاعرة المغربية حفيظة الفائز بوصفها نصّاً شعريّاً مشحوناً بالأسئلة الوجودية والرمزية، تتداخل فيه صورة المدينة مع مصائر ساكنيها، وتتحول فيه الأمكنة إلى شواهد نفسية وثقافية على التحوّل والاغتراب والانكسار والأمل.
وتسعى هذه الدراسة النقدية الهيرمينوطيقية إلى مقاربة النص من الداخل، عبر تحليل أسسه اللغوية والبلاغية وبنيته الأسلوبية، والكشف عن آليات تشكّل المعنى فيه، انطلاقًا من سلامة اللغة ودقة التراكيب، مروراً بالانزياحات التعبيرية وجماليات الصياغة، وصولاً إلى فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير والتوازن الدقيق بين الدال والمدلول. كما تهدف الدراسة إلى استجلاء أفق التأويل الذي يفتحه النص أمام القارئ، بوصفه شريكاً في إنتاج المعنى، لا متلقياً سلبيّاً، وذلك في ضوء المنهج الهيرمينوطيقي الذي يرى في النص كياناً حيّاً قابلًا لتعدد القراءات وتراكم الدلالات.
تنهض قصيدة «حكاية مدينة» على تخوم المأساة الإنسانية، حيث تتحوّل المدينة من فضاء عمراني إلى كيان وجودي جريح، يُروى لا بوصفه حدثاً عابراً، بل باعتباره نتيجة جدلية معقّدة بين القَدَر (الطبيعة، المطر، الغيث) والقَدْر (الإهمال، الغفلة، انسحاب الأيدي). النص لا يكتفي بالرثاء، بل يفتح أفقاً هيرمينوطيقياً يتجاوز الواقعة إلى تأويل المعنى العميق للمدينة بوصفها جسداً أخلاقياً وإنسانياُ.
أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب
تتميّز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، وبناء تركيبي متماسك يقوم على الجمل الاسمية بوصفها حوامل للثبات والمصير، مقابل الجمل الفعلية التي تحضر عند اشتداد الفعل التدميري (يتجشأ، يبتلع، تصير).
الانزياح البلاغي يتجلّى في:
إسناد الفعل الحيواني للماء: يتجشأ الماء حرقة.
تشخيص الدروب: تصير الدروب جرافات.
وهو انزياح دلالي يرفع الحدث من مستوى الوصف إلى مستوى الرمز.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:
الألفاظ مختارة بعناية، متناسبة مع ثقل الموضوع (الموت، الغرق، الشهادة، الفقد). لا حشو لغوياً، بل اقتصاد لغوي مكثّف يوازن بين اللفظ والمعنى. اللغة هنا ليست تزيينية، بل أداة كشف.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي:
النص ينتمي إلى قصيدة النثر الإيقاعية:
يعتمد على التكرار الدلالي: (قدر/قدر – الماء/المطر/الغيث)
الموسيقى الداخلية تتولّد من التوازي التركيبي والتدوير.
الجرس الصوتي يميل إلى الحروف المجهورة (الدال، الراء، القاف) بما ينسجم مع جو المأساة والاحتجاج.
ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية
1. البنية الفنية للنص:
القصيدة تقوم على سرد شعري مأساوي بلا شخصيات فردية، حيث تصبح المدينة هي الشخصية المركزية. الزمن غير خطي؛ بل زمن دائري تراجيدي يعيد إنتاج الجرح.
المنهج الوصفي يحضر في تصوير الخراب، بينما المنهج التحليلي يتكثف في تفكيك المسؤولية الأخلاقية.
2. الرؤية الفنية:
رؤية الشاعرة للعالم رؤية وجودية–أخلاقية:
المدينة بريئة، الضحية ليست الطبيعة بل الإنسان الغافل.
يتحقق انسجام عالٍ بين الشكل والمضمون؛ فالتشظي البنيوي يعكس تشظي الواقع.
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي
الدهشة لا تُنتج عبر الغموض، بل عبر قلب المألوف:
المطر ليس خلاصاً
الغيث يتحوّل إلى طاحونة حداد
وهذا تجاوز جمالي لثنائية الخير/الشر التقليدية.
ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية
1. الموقف الفكري للنص
القصيدة تطرح أسئلة وجودية حادة:
من المسؤول عن الكارثة؟
هل الطبيعة فاعل أم الإنسان؟
ما معنى الشهادة حين تموت المدينة جوعًا؟
2. الأفق المعرفي
يتقاطع النص مع:
الفكر الوجودي (البراءة، العبث، المصير)
النقد الأخلاقي للحداثة الهشّة
المرجعية القرآنية الضمنية (الماء، الشهادة، السماء).
3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)
- على المستوى التأويلي:
١- الماء: رمز مزدوج للحياة والموت
٢- المدينة: جسد الأمة
٣- الغيث: الوعد المخذول
٤- المعنى العميق للنص هو إدانة الإنسان حين يفشل في حماية الحياة.
رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية
1. سياق النص:
القصيدة تنتمي إلى لحظة عربية معاصرة، موسومة بالكوارث الطبيعية المترافقة مع فشل إداري وأخلاقي.
2. تطوّر النوع الأدبي:
النص يندرج ضمن قصيدة المأساة المدينية في الشعر العربي الحديث، متجاوراً مع شعر المقاومة والرثاء الحضاري.
3. الارتباط بالتراث
يحضر التراث:
في صورة الشهادة
في ثنائية السماء/الأرض
في بلاغة الرثاء العربي الكلاسيكي ولكن برؤية حديثة
خامسًا: الأسس النفسية
1. البنية الشعورية
يسيطر:
الحزن العميق
الغضب المكبوت
الإحساس بالفقد الجماعي
2. تحليل الشخصية
الشخصية الوحيدة هي المدينة–الأم، التي تفقد أبناءها بلا إرادة.
3. النبرة النفسية:
نبرة النص مركبة:
١- رثاء
٢- احتجاج
٣- حزن نبيل غير صاخب
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي
القصيدة مرآة لواقع:
١- الفقر
٢- الهشاشة
٣- تهميش الإنسان البسيط
2. الخطاب الاجتماعي
إدانة واضحة:
للسلطة الغائبة
للأخلاق المنسحبة
للأعراف التي تبرر الكارثة
3. الشاعرة بوصفها فاعلًا اجتماعياً
الشاعرة تمارس دور الضمير الجمعي، لا الشاهد المحايد.
سابعاً: الأسس السيميائية
1. الرموز والعلامات
١- الماء: الحياة/الفناء
٢- الكفن: القداسة والبراءة
٣- الغربان: الخراب والانتهازية
2. شبكات الدلالة
تقابلات مركزية:
١- الحياة / الموت
٢- العلو (السماء) / السفل (الطين)
٣- البراءة / الخيانة
3. النظام الرمزي العام
القصيدة نظام رمزي مغلق ومتماسك، تتحول فيه الأشياء إلى شواهد أخلاقية.
ثامنًا: الأسس المنهجية
تلتزم الدراسة بمنهج:
هيرمينوطيقي تأويلي
مدعوم بالمنهج الأسلوبي والنفسي والسيميائي
مع وضوح في الرؤية وتحاشٍ للإسقاط الخارجي.
- خاتمة:
تمثّل قصيدة «حكاية مدينة» نصًا شعريًا ناضجًا، قادرًا على تحويل المأساة من حدث إلى سؤال وجودي وأخلاقي مفتوح. إنها قصيدة لا تكتفي بالبكاء على الخراب، بل تُدين أسبابه، وتمنح الضحايا كرامتهم الرمزية، وتضع القارئ أمام مسؤوليته الإنسانية.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
.......................
حكاية مدينة
حفيظة الفائز
بينَ ماءِ الحياةِ
ومياهِ الموتِ
حكايةُ مدينة،
حكايةُ قَدْرٍ وقدَرٍ؛
قَدْرٌ من تركٍ،
وانسحابُ أيادٍ
اختارت أن تكونَ مشلولة،
وقدَرٌ من أوجاعٍ مكتومة.
يتجشَّأ الماءُ حرقةً
برائحةِ الموت،
ويبتلعُ سلالتَه
كقِطَّةٍ تأكلُ صغارَها.
تصيرُ الدروبُ جرافاتٍ
للأجسادِ الطرية،
والأرواحِ العالقة
بينَ دعواتِ الأرض
وخواطرِ السماء.
ضاعت ملامحٌ،
كسرابٍ كانت هناك،
وبكت القلوبُ على مدينةِ الطين،
أُلبِسَت بياضَ الغيمِ كفنًا
لشهداءِ لقمةِ العيش.
لم يكنِ المطرُ وحشًا جائعًا،
والمدينةُ التي تهشَّمَ هيكلُها
لم تخترِ العِلَلَ التي سكنت أوصالَها،
ولا أن تكونَ حمامةً
تلقي فراخَها قرابينَ للنهر
كي لا تتعبَ الغربان.
ولكنه قَدْرٌ وقدَرٌ؛
قَدْرٌ من غفلةٍ بائسة،
وقدَرُ من عانقوا الغيثَ
حبيبًا مُنقذًا،
فإذا به طاحونةٌ
تديرُ لهفةَ الشوق
لِحدادٍ.
لكِ اللهُ يا حاضرةَ المحيط،
ولكِ عطرُ مسكٍ
من عرقِ المساكين،
ودعواتُ شهداء
رفعوا أصفياءَ
إلى حضنِ السماء.
***
حفيظة الفائز
16 | 12 | 2025







