قراءات نقدية

زينب احمد: الانساق الثقافية في قصيدة "خذني الى المسجد الأقصى" لأيمن العتوم

أرتبط النقد الثقافي بالمجتمع ارتباطا وثيقاً، إذ إن لكل مجتمع ثقافة خاصة به، ويعد الفن الذي يعد الأدب وليداً له، وإحدى أهم التعبيرات لهذه الثقافة ومعبراً عنه ثم كاشف عن مدى تجذرها في البيئة التي ولدت فيها، حيث" إن القراءة الدقيقة للفن يمكن أن تكشف عن شكل الحياة للمجتمع، والفن فقط هو القادر على اعادة خلق حياة جديدة لها تعقيداتها الفنية وتنوعها" (i) .

انطلقت الاصول الرئيسة لنشأة النقد الثقافي من الرغبة الشديدة للانسان المعاصر بالتحرر من كل ماهو قديم والتعرف على ماهو جديد بكل الميادين الحياتية فأنطلقت الثورة الثقافية في ستينات القرن الماضي والتي كانت نتيجتها تتلخص في الحداثة والعولمة، والثقافة، فأما الحداثة فقد ارتبطت بحاجة الانسان المعاصر الى كل ما هو جديد، ونبذ ماهو قديم وهذا ما جعل الحداثة تظهر في الادب على شكل حركات أسهمت في اجراء تغبيرات مهمة في القصيدة العربية مثل حركة الشعر الحر، وشعر الومضة، وقصيدة النثر، على حساب نظام القصيدة القديم، لكن هذه الحركات المتطورة التي احدثتها الحداثة في الادب واكبه ركود من ناحية النقد ؛ لأن الناقد غالبا ما كان يقع في نقده للنصوص الشعرية في دهاليز ومتاهات المصطلحات والالغاز(ii)، أما العولمة فقد اسهمت بما تمتلكه من عدة الاتصال والاعلام بدفع حركة الثقافة نحو الالتحام والتداخل مع العالم كله مما ساعد على تأصيل الرابطة الثقافية عن طريق التكنولوجيا المتمثلة بأمور عدة أبرزها الكتابة الرقمية، والبحث عن التفاعلية الرقمية في الادب، إذ يمكن للنصوص الكبرى وللتعابير الثقافية أن تعبر الحدود اللغوية والسياسية والمدنية والثقافية، شرط ترجمتها الى لغة الجماعات المعنية بالوجهة (iii)، ثم الثقافة التي تمثل الاصل الثالث والاهم الذي أنطلق منه النقد الثقافي، إذ تعد " ممارسة لسانية أو حركة أو انتاج سمعي أو بصري، مجرد أو محس، ينطلق من فهم معين بوسائل مقصودة لغايات محددة " (iv)وللثقافة دور مهم في التعرف على مجتمع معين إذ إنه يساهم ببناء مدركات تساعد في الكشف عن سلوكيات اصحاب هذه الثقافة عند احتكاكهم بغيرهم من الناس وانشاء علاقات فيما بين بعضهم البعض، او خارج نطاق جماعاتهم (v)، غير إن الثقافة لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها الفاعلة والمؤثرة في المجتمع وأفراده عبر النص الا اذا كانت " تمتلئ بحمولات دلالية متشعبة ؛ مهمتها تغذية العقول المثقفة التي ترى بها وجهاً أخراً لاستمرار التطورات والتحولات التي من خلالها تصبح الثقافة عنصراً مهما لا ينبغي تجاوزه بأي شكل من الاشكال" (vi)، لذا يمكن القول: أن الدراسة النقدية انتقلت الى طور جديد من الغاية، إذ لم يعد النص هو الهدف من الدراسة بل أصبحت الغاية هي الانظمة الذاتية المتمثلة بالثقافة في فعلها الاجتماعي وبذا تكون قد كسرت مركزية النص، ولم تعد تنظر اليه بما أنه نص، والا الى الاثر الاجتماعي الذي قد يظن أنه من انتاج النص، لقد صارت تأخذ النص مادة خام يستخدم لاستكشاف انماط معينة من مثل الأنظمة السردية والاشكالات الايديولوجية، وأنساق التمثيل (vii) .

أرتبط نشوء النقد الثقافي بظهوره في أوربا، حسب تقدير بعض الباحثين، ويعود تأريخ هذا الظهور الى القرن الثامن عشر، لكنه لم ينل نقدياً مع بداية ظهوره القبول ايجابي، إذ عُد نقداً برجوازيا يمثل جانباً سلبيا من النقد إذ عد من مسلمات الثقافة السائدة ببعدها عن الروح الحقيقة للنقد، وهذه الفكرة في بدايتها عن هذا النقد برزت في مقالة الالماني اليهودي تيودور أدورنو عنوانها (النقد الثقافي والمجتمع)، ثم ظهر فنسنت ليتش الذي حدد طبيعة العلاقة بين النقد الادبي والنقد الثقافي، إذ أشار الى ان النقدين مختلفان، لكنهما يشتركان في بعض الاهتمامات، إذ يمكن لرواد الادب ومثقفيه أن يمارسوا النقد الثقافي دون أن يتخلوا عن اهتماماتهم الادبية (viii) وقد أضاف فينست اموراً أخرى منها تحديده لمعالم النقدالثقافي فقال: " إن اهتمام النقد الثقافي لا يتقصر على الادب المعتمد، أنه يعتمد على نقد الثقافة وتحليل النشاط المؤسسي بالإضافة الى اعتماده على المناهج النقدية والتقليدية، إنه يعتمد على مناهج مستقاة من اتجاهات ما بعد البنيوية كما تتمثل في اعمال الباحثين مثل: بارت ودريدا وفوكو " (ix) .

أعاد النقد الثقافي في رحلة تبلوره – بوصفه فعالية نقدية- للنصوص الادبية اهميتها الثقافية، بتبديل المعايير الجمالية بمعايير ثقافية، فصارت هي المفاتيح للولوج الى عوالم المعاني والانساق الثقافية في الخطابات الادبية (x)، غير إن ذلك لا يعني إن النقد الثقافي لا يعد نقداً تكاملياً أفاد بالكثير من المناهج النقدية الحداثية كالمنهج التكفيكي والاجتماعي والنسوية والنفسي والخطاب الاعلامي، ولاسيما البنيوي، إذ امست ابحاث سوسير في اللغة انطلاقة للعديد من الدراسات التي درست مفهوم النسق باعتباره مفهوما عاماً يتداخل في حقوق معرفية عدة ومختلفة، فالبنية عنده عبارة عن " نسق من العلاقات الباطنة له قوانينه الخاصة .. من حيث هو نسق يتصف بالوحدة الداخلية والانتظام الذاتي، على نحو يفضي فيه اي تغيير في العلاقات الى تغيير في النسق نفسه " (xi)، فضلاً عن ذلك شاع على مفهوم النقد الثقافي نوع من الخلط بينه وبين المناهج النصية السياقية التي تدرس النص عبر السياقات الخارجية التي تولد بها غير إن " المناهج السياقية ينصب اهتمامها على خارج النص أما النقد الثقافي فيولي اهتمامه بمعطيات النص، وما يتحقق فيه من أنساق ثقافية تشمل السياقات الداخل نصية التي تحيل الى السياقات الخارجية، وفرق بين أن تدرس النص وفق ظروفها المحيطة بها من دون التعمق بالظاهرة نفسها، وبين أن تدرس الظاهرة من داخلها ولتفسيرها والظروف المحيطة بها " (xii).

الانساق الثقافية في قصيدة خذني الى المسجد الاقصى

استطاعت القصيدة الفلسطينية أن تؤسس " للوجود بواسطة الكلام "(xiii)، لذا تكاد تكون جميع قصائد الشاعر الفلسطيني منطبعة بالأيدولوجية الفكرية للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني على وجه التحديد، وما يندرج تحتها من أفكار المقاومة التي تضم صورة الكفاح وصورة المحتل، فضلاً عن التساؤل المكتسي بالعتاب واللوم، والذي يكاد أن يكون عاماً، أين بلاد العرب اوطاني وكل العرب اخواني؟ لذا تعد القصيدة الفلسطيني بشكل عام، وقصيدة (خذني الى المسجد الاقصى) على وجه الخصوص مجرى لمجموعة من الانساق الفكرية والثقافية التي قد يتعمد الشاعر وبالوعي في نقلها احياناً، وقد تُنقل بمجرى اللاوعي احياناً اخرى لأنها جزء من هويته الثقافية، ومن خلال الاستقراء في القصائد الفلسطينية نجد انها تخبر عن الثقافة السياسية والدينية والتاريخية، ثم الربط بين هذه الانساق وقضية الارض التي تستمد قوتها مما سبق، وعليه نجد في قصيدة أيمن العتوم (خذني الى المسجد الاقصى) الانساق تنقسم على النحو الآتي:

الأنساق الدينية: اجتمعت كل الايدولوجيات الفكرية أن الصراعات تنبع من اسس معينة منها الجغرافية، والسياسية، والدينية، القومية .... الخ، ولعل الدين والقومية يحتل جزءاً كبيراً من هذه الصراعات لاسيما الدائرة بين اليهود، والشعب الفلسطيني وهذا ما تتحدث به أهم القيادات اليهودية " إذا كنا نملك التوراة، واذا كنا نعتبر أنفسنا شعب التوراة، فمن الواجب علينا أن نمتلك جميع الاراضي التوراتية " (xiv)، فهو قائم على الاحقية بالأرض المقدسة لليهود وبإقامة الهيكل المزعوم أنه مُبنى عليه المسجد الاقصى والذي يقتضي بطبيعة الحال الهدم للمسجد، وهو ما يهتك العقيدة الاسلامية التي ترى القدس ارضاً مقدسة تابعة لكل الاديان، لكن الاقصى هو جزء من الاحقية الاسلامية باعتبارها أولى القبلتين، ومسرى الرسول الى السماء، وقد وظف الشاعر الدين بسبل عدة متخذاً منها السبيل لمرور أنساقه، فأنقسم النسق الديني عنده الى قسمين:

أ – نسق الاستحقاق: أستمد الشاعر المعاني لأمداد نسقه الثقافي من القران الكريم ولاسيما قصة النبي موسى، فعمد الى التوظيف الكلي أو الجزئي لأجزاء الايات التي ذكرت القصة لوجود رابطة فكرية وموضوعية بين معنى الآية والسياق الذي يتحدث به الشاعر فضلاً عن رغبة الشاعر في إمداد فكرته بالقوة والاحقية المستمدة من آيات الذكر الكريم، إذ أنها " صلة قائمة بين نص ثابت بين أيدينا ونصوص سابقة، حيث تكون إما عضداً لهذه النصوص أو مناقضاّ لها، وذلك بتكثيفها وبتمطيطها أو أن يكون ممتصاً لهذه النصوص ويقوم بتكثيفها حتى تناسب مقاصده وتكون بذلك منسجمة مع بنائه " (xv)، فضلاً عن إن اللفظ القرآني " نص روحي مقدس ورؤية وقراءة مغايرتين للانسان والعالم، وكتابة جديدة غيرت طريقة الكتابة والتفكير لدى المتلقي " (xvi)، فقد أعاد الشاعر أيمن العتوم في أبياته صياغة الآية القرآنية بعد إخراجها من سياقها وتوظيفها في سياق تمده الآية بالقوة:

لا تَبرحِ الارضَ وأحمِ القدسَ والتحمِ 

وأنفث دماك على بوابةِ الحرم(xvii)

بني البيت الاول من الآية القرآنية (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ) (سورة الكهف 60 )، وجاء النسق الديني كاشفاً عن مدى الحضور القوي للثقافة الدينية في الفكر الاستحقاقي للمقاومة الفلسطينية والاصرار على الثبات وعدم بروح الارض المتمثلة بالقدس أولاً، وقد أراد الشاعر عبر التركيز على قصة النبي موسى العروج الى فكرة تكاد تمثل الثقافة لدى المجتمع الفلسطيني والمجتمع الإسرائيلي ككل، فكلاهما يريان أن الدين والنبوة يمدهم باستحقاق الارض، فاليهود يرون احقيتهم بفلسطين بحكم الاسبقية التاريخية لهم فيها وأن نبيهم قد عرج اليها واستقر، بل إن كتابهم الذي نزل على نبيهم موسى عليه السلام يعدهم بهذه الارض المقدسة، وهم على بهذا الاساس مستعدون لعمل أي شيء لكي يبسطوا سلطتهم ونفوذهم عليها وتحقيق هذه النبوءة، وفي مقابل هذه الصورة يرسم الشاعر فكرة البقاء نفسها وفكرة الثبات وعدم البروح والمقاومة عبر الثقافة ذاتها التي يدعيها اليهودي، وهو بذلك يكشف لنا عن الطبيعة الندية العنيدة التي تمثل المجتمع الفلسطيني من جهة، فاليهودي الذي يدعي قدسية هذه الارض، وأنها ملكه بحكم الاسبقية الدينية والتاريخية فيها، يرد عليه الشاعر أن له الحق كذلك بنفس الحكم وذلك عبر إيراد قصة نبيهم في كتاب المسلمين المقدس وفي هذا تحفيز غير مباشر من الشاعر لشعبه بأن يستمروا بالصمود كما صمد موسى ولم يبرح الارض وقد أيده القراين الكريم بذكره لهذه الواقعة، فضلاً عن ذلك عكست هذه الآية ثقافة معينة ايضاً وهي ثقافة الاستحقاق والثقة التي يشعر بها الفلسطيني والتي أبدت لليهودي عدم احقيته حتى بنبيه لا فقط هذه الارض، فهو مكرم عند المسلمين أكثر منهم، لذا فإن هذه الارض المقدسة مكرمة لدى المسلمين ويستحقونها أكثر .

وأخلع فؤادك بالوادي المقدس كي 

 يُقبلَ الارض من شوق ومن نهم (xviii)

يرجع بنا الشاعر بهذا البيت الى مشهد اسقاط النبوءة على موسى عليه السلام عندما أقترب من الوادي فوجد صوتاً يكلمه يقول: (إِنِّیۤ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَیۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوࣰى ) (طه ١١-١٢)، فالنبي موسى أُمر بخلع النعل لأنه سيدخل الى أرض مقدسة، وكذلك الحال مع الشاعر يأمر بني جلدته بخلع أفئدتهم لأن هذه الارض لا تُسترجع ألا بالأفئدة القوية التي تشتاق الى الحرية، وهذا انعكاس على نسق البطولة والتضحية المتمثلة بالبذل لكل ما هو نفيس .

ب: نسق الثبات والمقاومة: فضلاً عن توظيف الشاعر للآيات القرآنية في أيصال الايدولوجية الثقافية لشعبه، استعان أيضا بنسقه الديني بالاحاديث النبوية الصحيحة لبيان مدى صعوبة هذا التماسك وعدم الانفلات من الحبل الذي يصلهم بجذور هذه البلاد:

وأقبض على الجمر إن القابضين  

جمر البلاد أضاءوا عزة الامم(xix)

جاء التناص هنا من الحديث النبوية " والحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والترمذي (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر"(xx) يشبه الشاعر مدى الشدة والغربة التي يتعرض لها الفلسطيني في طريق الثبات بالقبض على الجمر الذي يحرق يديه مع الادراك بهذا الحرق لكنه غير ملتفت للألم فهو يصب جام تركيزه على الهدف بعدم ضياع الحق مهما كان الثمن، ولعله هنا يثير مدركاً صورياً أنياً عن ثقافة الغربة لفلسطين التي يبتعد عنها أغلب حكام العرب خوفاً أن تحرقهم نارها، فلا ناصر لهم غير الله فهم أصبحوا كالإسلام الذي أعطى لنا النبي الصورة الختامية لها، وهو الجمر الذي يبتعد عنه الكل لثقل الالم به، فالكل يجري وراء الهوى والملهيات حتى اصبح الدين كالنار التي تعيد الحقيقة المحرقة والثقيلة لنصب اعينهم وتحرق الآمال البعيدة لديهم.

كثيراً ما ارتبطت فكرة المقاومة لدى العرب بالخيل، فهو نسق وفكرة لبطولة المقاوم الفارس الذي يجيد احكام لجام خيله مع بطولة المقاتلة بيد أخرى، لكن صورة الخيل التي يتحدث عنها الشاعر صورة يشوبها نوع من النقص إذ لا فوارس تعلوها ولا لجام يحكمها فكيف بها ستحرر المسجد الاقصى:

كل الخيول بأوطاني بلا سرج  

فلا فوارس تعلوها ولا لجم

*

والخير بين نواصي الخيل منعقد

 إن قيل: يا خيل هذي الساح فاقتحمي

*

فمن يجيء بها للقدس عادية 

ضبحاً على صهوات العزم والهمم؟(xxi)

بدأ الشاعر صدر البيت بنسق ديني نبوي مستنداً الى الحديث النبوي الذي يذكر مناقب الخيل، إذ عن " عبد الله بن مسلمة: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (xxii)، يحاول الشاعر العودة بنا الى صورة الامجاد الاسلامية والفتوحات التاريخية التي ترأسها الكثير ممن تحرر القدس على ايديهم أمثال عمر بن الخطاب وصلاح الدين الايوبي، فكأن الشاعر يحاول عبر صورة الخيل التي بلا لجم ولا فارس لكن الخير بنواصيها منعقد أن يشير الى المسلمين الذين مازالت قلوبهم حامية للقضية لكنهم محتاجون للقيادة الصحيحة الرشيدة التي تبث بهم العزم والهمة .

الانساق السياسية: برز الدين كنسقٍ مهمٍ في توجيه كثير من المجتمعات الانسانية ومشاركته الثقافية لها في آدابها وفنونها، وتلاها النسق السياسي الذي لا يقل اهمية عن النسق الديني بفعل الوظيفة السلطوية له في توجيه المجتمعات الانسانية عبر سن القوانين والقرارات، لذا فهو " نسق وظيفي يدخل ضمن إطار الانساق الوظيفية ..... وتأتي هيمنة النسق السياسي في الحياة البشرية لاقترانه بنسق السلطة، فلا يمكن ان تكون السياسة نسقاً فاعلاً إلا حينما يكون هناك علاقة تبادلية بين السلطة والسياسة "(xxiii)، استمدت سياسة الاحتلال في فلسطين وظيفتها السلطوية عبر الاعتراف الصريح والواضح لها بالتأييد لحق الارض لها من السلطات المسيطرة على السياسة والاقتصاد العالمي، فضلاً عن سياسة التطبيع لبعض الدول العربية والتي أمدته بالشرعية أكثر ؛ وقد كانت الثقافة الفلسطينية واعية بهذا وتعرف طبيعة العدو التي تعاركه، فقد وجدنا الشاعر أيمن العتوم يشير الى ذلك عبر مجموعة من الانساق الفرعية التي تناولت:

نسق شخصية المحتل: استطاع الشاعر عبر توظيف الاتجاه النفسي التركيز على نقاط دقيقة في شخصية المحتل اليهودي، ولعله عبر هذه الطريقة يعبر عن ثقافة الادراك الواعي والتام بطبيعة العدو، فهو عبر معرفة تفاصيل شخصيته يستطيع التعامل بشكل مثالي معه ومعرفة نقاط ضعفه:

أطفالنا بصواريخ العدى سُحقوا 

على يدي حاقد بالقتل منتقم

*

هي الأفاعي إن أغراك ملمسها

 فليس تنفث غير السم في الدسم

*

لايسمعون سوى قرع السيوف

ولا يخاطبون بغير النار والضرم

*

وليس يرعبهم شجب بمؤتمر

 ولا اجتماع، ولا الف من القمم(xxiv)

نلاحظ عبر التركيز على الابيات تشخيص الشاعر لشخصية العدو بمجموعة من النقاط، أبرزها الحقد، الانتقام، الخداع، الجبن، وقد لا تخلو كل معركة من سقوط ضحايا ابرياء، لكن تعمد طرف معين بقتل هؤلاء الابرياء بغية الانتقام هذا ما تنافيه كل القوانين التي نص عليها حقوق الانسان، وهذا ما يعد اضطراباً نفسياً في شخصية العدو الذي أعمته نار الحقد وبادر الى قتل النساء والاطفال بغير حق يذكر، ولعل الحقد والانتقام من شيم الجبناء ولهذا ذكرهم تمهيدا للسمات الاخرى في شخصية العدو فهم ممن يتفقون على عهود السلام ثم ما يلبثون الا ان ينقضوها كالأفعى التي تبث سمها في الدسم، فقد تميزوا بالغدر والجبن، فليس لهم لغة غير لغة الحراب والسيوف يفهمونها، إذا لا يردعهم اي صلح سياسي يعقده العالم الا المواجهة والندية معهم.

نسق التطبيع مع المحتل: إن ظاهرة تطبيع بعض الدول العربية مع اسرائيل أثارت حفيظة الفلسطينين من جهة وحفيظة الدول العربية الاخرى من جهة، والتطبيع كمفهوم إنما هو " قبول دولة معايير دولة أقوى منها في تحديد ماهو الطبيعي، بمعاير المصلحية التي تراها طبيعية " (xxv)، إن هذا النسق عبر عن فكرة الجسد الواحد الذي تمسك به الفلسطينين بأتجاه البلدان العربية، وقد تفاجأ الفلسطيني عندما صار الاعلان واضحاً للدول المطبعة بهذا التطبيع، وشعر كأنه تُرك في وسط المعركة لوحده دون ناصر او نصير، فنرى أن نسق التطبيع عند الشاعر قد ساده شعور الخذلان، الخيبة، اليأس، واللوم، والخيانة، فكان واضحاً عندما يقول:

أم الشهيد وما فينا بطولته  

ولا لدى العرب غير الشجب والكلم

*

والله... والله.. ما في العرب لو حشدوا 

مليون مليون غير العد والرقمِ

*

لوكان فيهم رشيد واحد رشدوا 

 لكنهم كغثاء السائل العرم

*

والحالمون بترويض الذئاب كمن

  يروض الذئب في شعب من الغنم

*

نمد كفاً الى كفٍ ملطخة 

 وكم تصيح بمن هم عنك في صمم(xxvi)

يرسم الشاعر مجموعة من المشاعر والافكار التي تدور في المجتمع الفلسطيني، ونظرتهم التي تغيرت كثيراً عن سابقتها، وهذا التغيير ساده الاحباط فما عادوا ينتظرون ناصراً فكل الاعتماد أضحى على أنفسهم في مقاتلة العدو، فالشاعر يصور لنا عبر هذه الابيات مقدار الحرقة التي يشعر بها أتجاه المواقف المتمثلة بالشجب والانكار، والتي لا تناسب حجم المهول الواقع عليهم، ولعل الشاعر في ذكره الحلم التابع للعرب المطبعين يحاول بناء نوع من السخرية، إذ أن مبررات التطبيع التي ظهرت حال توقيعها والتي تمثلت بحجة السلام وأن الشعب الفلسطيني لن ينالها بالعراك والقتال، فيأتي الشاعر ليذكرهم أن الذئاب لا تروض بخاصة اذا كانت اطماعه في متناول يده ونصب عينه .

النسق التاريخي: تطرق الشاعر الى التاريخ ليبعث شخصيات كانت لها أثرها الواضح في تأريخ الامة الاسلامية وامجادها، فأتى التاريخ متجلياً على" مستوى الشخصيات المشهورة التي اغلبها لا تحتاج الى تعريف، ويهدف الشاعر من استدعائه للتاريخ الى تعرية واقع الخيبة والسواد الذي يخيم على الذات العربية " (xxvii):

غداً تعود الى ساحاتها ألقاً 

خيل المغيرين من أحفاد (معتصم)

*

ونلتقي (بصلاح الدين)، موعدنا 

حطين ثانية في ساحة الحرم(xxviii)

يوظف الشاعر تقنية الاسترجاع عبر إحياء شخصيات تاريخية كان لها الأثر الواضح في القضية الفلسطنيية قديماً، ولعله بذلك يحاول أن يُجري نسق طلب النصرة بعد فقدان الامل والخيبة التي عاشها ويعيشها من الخذلان التي ارانا اياه في نسق التطبيع، فضلاً عن احتفاظه ببصيص أمل عبر هذا الاسترجاع، فهو يريد التذكير بمن هم العرب وكيف كانوا سابقاً، ويبث من خلال شخصية المعتصم وصلاح الدين نسق شحذ الهمم لتنهض مجدداً وتدرك انها تستطيع اعادة معركة حطين معركة عمورية مجدداً التي انتصر بها المسلمون على الصليبين، إذ يستطيع عبرها مجدداً المسلمون الانتصار على اليهود .

***

م.م زينب احمد محمد علي

جامعة كركوك / كلية القانون والعلوم الانسانية

..........................

اقدم لك الدراسات الثقافية: فريدون ساردار وبوردين فان لون – تر . وفاء عبد القادر، المجلس الاعلى للثقافة، مصر، ط1، 2003 (i)

(ii)

ينظر: مقدمة في النقد الثقافي التفاعلي: أمجد حميد التميمي، كتَاب ناشرون، لبنان، 2010م، ط1، 16 (ii)

ينظر: م.ن: 25(iii)

: م.ن: 25(iv)

ينظر:: الأنثروبولوجيا الثقافية – علم الانسان الثقافي: ابراهيم ناصر، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، الاردن، ط1، 1982: 113 (v)

النسق الثقافي في خطاب المبرد النقدي، قراءة ثقافية في كتاب(الكامل في اللغة والادب): سامي شهاب احمد، مجلة جامعة كركوك/ الدراسات الانسانية، م 12، ع 3، 2017م: 11 (vi)

ينظر: م.ن: 27 (vii)

ينظر: دليل الناقد العربي: د. ميجان الرويلي، د . سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، ط1، 2002 م: 306ا (viii)

306 م.ن: (ix)

ينظر: رواية فرانكشتاين في بغداد دراسة من منظور النقد الثقافي: علي الملا: 15 (x)

عصر البنيوية من ليفي شترواس الى فوكو: أديث كروازيل، تر . جابر عصفور، دار افاق عربية للصحافة والطباعة، بغداد . د.ط، 1985: 289 (xi)

رواية فرانكشتاين في بغداد، دراسة من منظور النقد الثقافي: علي الملا، مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، بابل، العراق، ط1، 2022: 35.(xii)

الشعر والوجود – جدلية الحياة والموت دراسة تحليلية مقارنة لماهية الشعر بين مارتن هيدجر وغاستون باشلار: مثنى ياسين صالح، مجلة اكليل للدراسات الانسانية، ع 12، كانون الاول، 2022م: 1579(xiii)

الاساطير المؤسسة للسياسة اليهودية: رجاء جارودي، دار الغد العربي، القاهرة، ط1، 1996م: 35 (xiv)

ظاهرة التناص في الخطاب الشعري الحديث، ديوان عولمة الحب . عولمة الحب أنموذجا: مدلل نجاح، مجلة علوم اللغة العربية وأدابها، العدد 4، 2012 م: 164 (xv)

الذات والمجتمع، دراسة في الانساق الثقافية: موج يوسف، أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، العراق، بابل، ط1، 2022: 228 (xvi)

5 ديوان خذني الى المسجد الاقصى: ايمن العتوم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، دمشق، 2009: (xvii)

5م . ن: (xviii)

5 م. ن: (xix)

(xx)سنن الترمذي: ابو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1996م: ج3: 359

السابق: 11 م. (xxi)

الكافي: الشيخ الكليني، منشورات الفجر، بيروت، لبنان، ط1، 2007: ج5: 48: (xxii)

رواية فرانكشتاين في بغداد دراسة من منظور النقد الثقافي: علي الملا: 160، 161.(xxiii)

خذني الى المسجد الاقصى: 7، 8(xxiv)

زيارة القدس تحت الاحتلال: دعم للصمود أم تطبيع ؟: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يونيو 2012م: 3(xxv)

م . السابق: (xxvi)

الذات والمجتمع، دراسة في الانساق الثقافية: موج يوسف: 294 (xxvii)

. السابق: 11 م(xxviii)

 

في المثقف اليوم