قراءات نقدية
طارق الحلفي: توطئة للعبور الى شجرة الأغاني..

قراءة تحليلية لـ "قراءة نقدية سيميائية لقصيدة" محارة عارية أنا"،
بقلم: سلوى علي – كردستان العراق"
للناقد كريم عبد الله
***
القراءة السيميائية (Semiotic Reading) تُعدّ منهجًا نقديًا حديثًا يهدف إلى فك رموز النصوص الأدبية واستكشاف دلالاتها العميقة عبر تحليل العلامات والرموز التي تحملها. تعتمد هذه القراءة على النظر إلى النص كنظام من العلامات المترابطة، حيث تتجاوز حدود اللغة التقليدية لتشمل الرموز البصرية، السمعية، وحتى الثقافية التي تشكل معًا شبكة معقدة من المعاني المحتملة. في هذا الإطار، تكتسب السيميائيات أهميتها من قدرتها على كشف الطبقات الخفية للنصوص، سواء كانت تلك الطبقات متعلقة بالرموز الصريحة أو الضمنية، أو بالإشارات الثقافية والاجتماعية التي قد لا تكون ظاهرة مباشرة.
تستند القراءة السيميائية إلى نظرية العلامات (semiotics) التي طورها فلاسفة مثل فردينان دي سوسير وشارلز ساندرس بيرس، والتي تركز على كيفية إنتاج المعنى وتداوله عبر العلامات. في مجال الشعر والأدب، تتيح هذه القراءة للنقاد استكشاف العلاقات بين الكلمات والصور البلاغية من جهة، وبين السياق الثقافي والاجتماعي الذي نشأ فيه النص من جهة أخرى.
فيما يتعلق بقصيدة "محارة عارية أنا"، تأتي القراءة السيميائية لتسلط الضوء على الرموز المركزية في النص، مثل "المحارة العارية" و"الأرواح العائمة" و"زنابق الطفولة"، وغيرها من العناصر التي تحمل دلالات متعددة المستويات. من خلال تحليل هذه الرموز والعلاقات بينها، يمكن الكشف عن الأبعاد النفسية، الوجودية، وحتى الاجتماعية التي يعالجها النص. كما تساعد القراءة السيميائية في فهم كيف تتفاعل هذه الرموز لإنشاء صورة شعرية متكاملة تعكس حالات إنسانية عميقة مثل الألم، الحنين، والبحث عن الذات.
وكجسر الى مرساة الفجر أجدل حبائل الندى مع زميلي د. كريم عبد الله.. معبدًا الطريق توطئة للعبور الى شجرة الأغاني..
الجوانب الإيجابية في القراءة النقدية:
1. تحليل الرموز والعلامات:
- الكاتب/ الناقد د. كريم عبد الله قدم قراءة دقيقة للرموز المستخدمة في القصيدة مثل "المحارة العارية"، "الأرواح العائمة"، و"زنابق الطفولة". هذه التحليلات أظهرت فهمًا عميقًا لدلالات هذه الرموز وكيف أنها تعكس حالات نفسية وعاطفية معقدة.
- على سبيل المثال، تفسيره للمحارة العارية كرمز للضعف والعجز عن حماية الذات كان منطقيًا ومتناغمًا مع النص.
2. التركيز على السيميائيات النفسية:
- الكاتب/ الناقد استخدم مفاهيم سيميائية لتوضيح التوتر النفسي والصراع الداخلي الذي تعاني منه الشاعرة. فالعبارة "أحلامي أحلام طفلة في سنوات الشوق" تم تحليلها بشكل مكين، كتعبير عن الحنين إلى الماضي والبحث عن السلام الداخلي.
3. التناول الزماني والمكاني:
- القراءة اهتمت بالانتقالات الزمنية في النص (من الطفولة إلى الحاضر) وكيف أن هذه الانتقالات تعكس حالة من عدم الاستقرار والبحث المستمر عن الأمان.
- هذا التحليل أضاف بعدًا جديدًا للنص وأظهر كيف يمكن للزمان أن يكون أداة للتعبير عن المشاعر المعقدة.
4. التوتر بين الذات والعالم الخارجي:
- الكاتب/ الناقد أشار إلى التوتر بين الذات المتألمة والعالم الخارجي، وهو موضوع أساسي في النص. فالأسئلة المتكررة مثل "من يجد لي شفتيه؟" و" من يجد لي شهد الاصطبار؟" تم تفسيرها بشكل جيد كتعبير عن الحاجة إلى الحب والقبول.
5. الختام والتعبير العاطفي:
- التركيز على الختام ودور الصدى والصرخة ("ياااايها الصدى") كان ملحوظًا.. فالكاتب/ الناقد تمكن من تسليط الضوء على أهمية هذه اللحظات في إيصال مشاعر الألم والحاجة إلى الخلاص.
الا ان قراءة د. كريم عبد الله النقدية انطوت على نقاط ضعف أو إخفاقات تجلت في:
1. الاعتماد المفرط على التفسير الشخصي:
- بينما كانت القراءة غنية بالملاحظات، إلا أنها اعتمدت بشكل كبير على تفسير شخصي للرموز دون تقديم أدلة واضحة من النص أو النظرية السيميائية التي تدعم هذا التفسير. على سبيل المثال، تفسير "الأرواح العائمة" كإشارة إلى "الفجوة بين الوعي واللاوعي" قد يكون مبالغًا فيه وغير مدعوم بشكل كافٍ من النص.
2. غياب التحليل الهيكلي:
- القراءة لم تتطرق إلى البنية الشعرية للنص بشكل كافٍ. لم يتم تحليل الإيقاع، التكرار، أو حتى الصور البلاغية من حيث دورها في بناء النص وتقوية رسالته.
3. إغفال البعد الاجتماعي والسياسي:
- النص مليء بالإشارات التي يمكن أن تُقرأ ضمن سياق اجتماعي وسياسي، خاصةً فيما يتعلق بالضياع والحنين إلى الماضي. ومع ذلك، فإن القراءة لم تستكشف هذه الجوانب بشكل كافٍ، مما أدى إلى تقليل العمق العام للتحليل.
4. الإسهاب في بعض النقاط:
- القراءة أحيانًا تميل إلى الإسهاب في تفسير بعض العناصر دون غيرها. على سبيل المثال، تم التركيز بشدة على "المحارة العارية" بينما تم تجاهل عناصر أخرى مهمة مثل "صوت يجلجل ما وراء الحدود" الذي يمكن أن يكون رمزًا قويًا للشعور بالعزلة والتشتت.
5. الافتقار إلى التنويع في النظرية السيميائية:
- القراءة اعتمدت بشكل كبير على تفسير الرموز من منظور نفسي فقط، دون استخدام نظريات سيميائية أخرى مثل التحليل الدلالي أو النسقي. هذا جعل التحليل أقل تنوعًا وأكثر تحديدًا.
6. الإغفال عن اللغة الشعرية:
- القراءة لم تركز بشكل كافٍ على اللغة الشعرية نفسها، مثل استخدام الكلمات والتراكيب الغريبة (مثل "عرائشي"، "دهشتي التّوّاقة") وكيفية تأثيرها على المعنى العام للنص.
ولكن..هل استطاع الكاتب قراءة النص بشكل سليم؟
نعم، الكاتب استطاع تقديم قراءة شاملة ومبنية على الفهم العميق للنص، لكنها ليست كاملة. القراءة كانت قوية في تحليل الرموز والصور الأساسية، ولكنها أهملت بعض الجوانب الأخرى مثل البنية الشعرية والبعد الاجتماعي والسياسي. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك اعتماد مفرط على التفسير النفسي دون استكشاف آفاق أخرى للنص.
اقتراحات لتحسين القراءة النقدية:
1. استخدام نظريات سيميائية متعددة:
- يمكن إدخال نظريات أخرى مثل التحليل النصّي أو التحليل البنيوي لفهم العلاقات بين العناصر المختلفة في النص.
2. التركيز على اللغة والأسلوب:
- يجب التركيز أكثر على اللغة الشعرية والصور البلاغية وكيفية تأثيرها على بناء المعنى.
3. لنظر إلى السياق الاجتماعي والسياسي:
- يمكن تحليل النص من منظور اجتماعي وسياسي، خاصةً إذا كان هناك أي إشارات في النص إلى قضايا تتعلق بالمجتمع أو السياسة.
4. تقليل الإسهاب:
- يمكن تقليص التركيز المفرط على بعض العناصر لجعل التحليل أكثر توازنًا وشمولًا.
عليه أجد ان القراءة النقدية لقصيدة "محارة عارية أنا" قدمت رؤية مثيرة للاهتمام حول الرموز والعلاقات داخل النص، بالرغم من محدودية في بعض الجوانب. بينما استطاع الكاتب فهم النص بشكل عام، إلا أن هناك حاجة إلى تعميق التحليل من خلال النظر إلى العناصر اللغوية والهيكلية والسياقية. إذا تم دمج هذه الجوانب، يمكن أن تكون القراءة أكثر شمولًا وإثراءً.
***
طارق الحلفي
................
رابط الموضوع
https://www.almothaqaf.com/readings-5/980111