عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

حميد عقبي: قراءة نقدية في كتاب «النبراس في أسماء الناس»

للكاتب السرياني السوري جوزيف أسمر ملكي

يمكن النظر إلى كتاب «النبراس في أسماء الناس» للباحث السرياني السوري جوزيف أسمر ملكي باعتباره محاولة ثقافية شعبية تنطلق من محبة الكاتب الشخصية والواضحة للغة السريانية والرغبة في إحياء أسمائها وتشجيع أبناء المجتمعات السريانية على استخدامها. ومن هذه الزاوية، يحمل الكتاب قيمة لا ينبغي إنكارها؛ فهو يلفت الانتباه إلى الاسم بوصفه جزءًا من الذاكرة والهوية، ويحاول جمع عدد كبير من أسماء الأشخاص والشعوب والأماكن والكلمات التي يرى المؤلف أنها تصلح أسماء للأطفال.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من تقدير هذه النية الثقافية إلى تقييم الكتاب بوصفه عملًا معرفيًا. هنا يصعب وصف «النبراس في أسماء الناس» بأنه بحث أكاديمي أو دراسة معجمية بالمعنى العلمي. فالكتاب لم يقدم منهجًا محددًا يمكن للقارئ أن يتابعه، ولا يضع قواعد واضحة لاختيار الأسماء أو تحديد أصولها، كما لا يشرح الأدوات التي اعتمد عليها للوصول إلى عدد من الاستنتاجات اللغوية والتاريخية.

وهذه المسألة أساسية؛ لأن البحث في أصول الأسماء ليس لعبة تقوم على تشابه الأصوات. عندما نجد اسم مدينة أو شعب يشبه كلمة في السريانية، لا يمكن أن نستنتج مباشرة أن الاسم سرياني وأن معناه هو معنى تلك الكلمة. يجب أولًا معرفة أقدم ظهور موثق للاسم، وصورته في النقوش والمخطوطات، واللغة التي ظهر فيها، ثم دراسة تحولاته الصوتية عبر الزمن ومقارنته باللغات المجاورة.

مشكلة الاشتقاق بالتشابه

من أكثر الملاحظات التي يثيرها الكتاب ميله في مواضع متعددة إلى تفسير الأسماء من خلال مفردات سريانية قريبة منها في الصوت. هذه الطريقة قد تنتج أحيانًا تفسيرًا صحيحًا بالمصادفة، لكنها لا تصلح منهجًا عامًا.

فالشرق الأدنى عرف خلال آلاف السنين لغات وحضارات متداخلة: السومرية والأكادية والآرامية ولهجاتها المختلفة والعبرية والفينيقية والعربية الجنوبية القديمة والعربية والفارسية واليونانية وغيرها. وبعض أسماء المدن والبلدان والشعوب أقدم من السريانية الأدبية نفسها. لذلك فإن رد اسم قديم إلى كلمة سريانية حديثة نسبيًا يحتاج إلى برهان تاريخي ولغوي، وليس مجرد وجود تشابه في حرفين أو ثلاثة يجعل أصل أي اسم سرياني .

كان من الضروري أن يميز المؤلف في كل حالة بين «التفسير المؤكد» و«التفسير المرجح» و«الاحتمال» و«الاشتقاق الشعبي»ورأيه الخاص. لكن الكتاب يقدم في أحيان كثيرة المعنى بصورة مباشرة، بما قد يجعل القارئ غير المتخصص يعتقد أنه أمام حقيقة لغوية محسومة.3025 ALNBRASS

 الاسم السرياني والاسم الذي استعمله السريان

هناك مشكلة أخرى تتعلق بالخلط بين (الأصل اللغوي للاسم) و(استعمال الاسم داخل الثقافة السريانية). فقد استعمل السريان عبر تاريخهم أسماء ذات أصول يونانية وعبرية وفارسية وعربية وغيرها، وأخضعوها أحيانًا لنظام النطق والكتابة السريانيين.

لكن انتقال الاسم إلى السريانية لا يجعل أصله سريانيًا. وهذه قاعدة بسيطة لكنها شديدة الأهمية. فهناك فرق بين أن نقول: «هذا اسم سرياني الأصل»، وأن نقول: «هذه هي الصيغة السريانية لهذا الاسم»، أو «هذا اسم شاع استعماله بين السريان». عدم الفصل بين هذه المستويات يؤدي إلى بناء تاريخ لغوي غير دقيق.

وكان من الممكن للكتاب أن يكون أكثر فائدة لو صنف مواده إلى: أسماء سريانية موثقة، وأسماء آرامية أقدم، وأسماء كتابية عبرية، وأسماء يونانية أو فارسية انتقلت إلى السريانية، ثم أسماء حديثة مستحدثة أو مقترحة.

 «قاموس الأسماء السريانية للأطفال»

يشغل هذا القسم مساحة مهمة من النصف الثاني للكتاب، وربما يمثل المشروع الذي كان المؤلف أكثر حماسة له. غير أن تسميته «قاموسًا» تثير توقعات علمية لا تحققها مادته بصورة كافية.

الجداول مزدحمة، ولا يقدم الكتاب مفتاحًا منهجيًا واضحًا يساعد القارئ على فهم وظيفة كل خانة. نجد اللفظ الشرقي والغربي، وصيغًا للتصغير والجمع أو صيغًا أخرى، لكن العلاقات بينها ليست مشروحة بما يكفي. كما أن النقل إلى الحروف العربية لا يستطيع وحده التعبير بدقة عن جميع الفروق الصوتية بين تقاليد النطق السرياني.

والأكثر أهمية أن القارئ لا يستطيع دائمًا معرفة ما إذا كان أمام (اسم شخص موثق تاريخيًا) أم (كلمة سريانية اختارها المؤلف لأنها جميلة وتصلح، في رأيه، لتسمية طفل).

هناك فرق كبير بين الحالتين. فكلمات مثل «قمر» أو «وردة» أو «نسر» أو «حكمة» قد توجد في لغة ما، لكن وجود الكلمة لا يعني بالضرورة أنها كانت اسم علم مستعملًا تاريخيًا. ولو أعلن المؤلف أن مشروعه يتضمن «مفردات سريانية مقترحة لتسمية الأطفال»، لكان الأمر أكثر وضوحًا ودقة.

 أين المعاجم الكبرى؟

السؤال الذي يفرض نفسه أثناء قراءة الكتاب هو: أين التراث المعجمي الضخم للغة السريانية؟

لقد أُنجزت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وقبل ذلك وبعده، أعمال معجمية بالغة الأهمية. يأتي في مقدمتها «كنز السريانية» لروبرت باين سميث، وهو موسوعة معجمية ضخمة تستند إلى مادة نصية واسعة. وهناك «المعجم السرياني المختصر» لجيسي باين سميث، الذي أصبح من أكثر الأدوات العملية انتشارًا بين دارسي السريانية.

كما يمثل المعجم السرياني اللاتيني لكارل بروكلمان مرجعًا مهمًا في الدراسات السامية المقارنة، إلى جانب معجم توما أودو الذي يتمتع بأهمية خاصة في التقليد السرياني الشرقي، وأعمال لويس كوستاز التعليمية والمعجمية. وفي الدراسات الآرامية الحديثة تبرز معاجم مايكل سوكولوف التي تستفيد من التطور الكبير في دراسة اللهجات الآرامية والنصوص المنشورة حديثًا.

هذه المعاجم ليست مجرد قوائم تضع كلمة أمام معناها؛ فأفضلها يحيلنا إلى الشواهد والنصوص والسياقات، ويساعد الباحث على معرفة تاريخ الاستعمال والفروق الدلالية. ومع التطور الرقمي أصبحت موارد معجمية ونصية كثيرة متاحة إلكترونيًا، وأصبح الوصول إلى جانب مهم من التراث السرياني أسهل بكثير مما كان عليه قبل عقود.

لذلك فإن كتابة كتاب عن الأسماء السريانية من دون حوار عميق مع هذا التراث المعجمي تجعل العمل محدودًا وضعيفًا للغاية مهما كانت نيات صاحبه طيبة وجيدة وبحسب حديث الباحث فقد كانت الطبعة الأوى في عام 1999 ثم الثانية في 2024 ولكنه لم يٌحدث تطويرات هامة وظل الكتاب أقل من مئة صفحة ولم يستفد الكاتب من اقامته في السويد وإمكانيات البحث المتوفرة .

 مشكلة عربية أوسع من هذا الكتاب

ربما من غير المنصف تحميل جوزيف أسمر ملكي وحده مسؤولية ظاهرة أوسع بكثير. فالكتاب يكشف مشكلة ثقافية نراها في عدد من البيئات العربية والسريانية: نكتب أحيانًا بمعزل عن حركة البحث العلمي العالمية ون مكانها وزمانها، نكتب بعقلية قديمة، ثم نشتكي من ندرة المراجع.

الحقيقة أن الدراسات السريانية والآرامية والسامية ليست مجالًا ميتًا. هناك أقسام جامعية ومراكز ومشروعات بحثية منتشرة في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، وتصدر سنويًا كتب ودراسات ومقالات وتحقيقات للنصوص والمخطوطات. وتعمل جامعات ومراكز متخصصة في الدراسات الشرقية والمسيحية الشرقية واللغات السامية والآرامية والآشوريات وتاريخ الشرق الأدنى والإسلام واليهودية.

توجد عشرات المراكز والأقسام والمشروعات البحثية حول العالم أمر واقعي. والمشكلة ليست دائمًا غياب المعرفة، ولكن في تكاسلنا وعدم المتابعة والوصول إليها، ورغم توفر تقنيات حديثة أضعفت الحاجز اللغوي ويمكن أن نستعين بوسائل كيرة للفهم والترجمة إلى العربية.

نحن نحتاج إلى مراجعة علاقتنا بالمراجع. فليس من المعقول أن نعثر على كتيب عربي محدود المصادر، ثم نتعامل معه باعتباره المرجع النهائي لموضوع دُرس عالميًا طوال قرنين. احترام الباحث العربي أو السرياني لا يعني تضخيم قيمة عمله، بل وضعه في مكانه الصحيح داخل تاريخ البحث.

والأخطر أن الاعتماد المتكرر على الكتب الشعبية غير المحققة يؤدي إلى دائرة مغلقة: ينقل كاتب معلومة ضعيفة، ثم ينقلها عنه كاتب آخر، وبعد سنوات يصبح تكرارها دليلًا مزعومًا على صحتها. وهكذا لا ننتج معرفة جديدة، بل نعيد تدوير الأخطاء.

 استنتاجات هامة

 أولًا: يمتلك كتاب «النبراس في أسماء الناس» قيمة ثقافية شعبية واضحة؛ فهو يعبر عن رغبة طيبة في حماية الذاكرة السريانية وإعادة الأسماء إلى التداول، وهذه قيمة تستحق الاحترام.

 ثانيًا: يصعب تصنيف الكتاب بوصفه بحثًا أكاديميًا متخصصًا؛ لأنه لم يمتلك منهجًا لغويًا واضحًا، ولم يقدم جهازًا توثيقيًا كافيًا، ولم يبني استنتاجاته دائمًا على شواهد تاريخية قابلة للتحقق.

 ثالثًا: يمثل الاعتماد على التشابه الصوتي إحدى نقاط الضعف الأساسية. فالتأثيل يحتاج إلى قوانين صوتية وشواهد تاريخية ومقارنة بين اللغات، ولا يكفي العثور على كلمة سريانية تشبه اسم مدينة أو شعب.

 رابعًا: يحتاج الكتاب إلى تمييز حاسم بين الاسم السرياني الأصل، والاسم الذي استعمله السريان، والصيغة السريانية لاسم أجنبي، والمفردة السريانية الحديثة المقترحة لتصبح اسمًا.

 خامسًا: «قاموس الأسماء السريانية للأطفال» يحمل فكرة ثقافية جميلة، لكنه يحتاج إلى إعادة بناء معجمية كاملة، مع شرح الأعمدة والصيغ والنطق، وتوثيق الأسماء تاريخيًا، والفصل بين الأسماء الموروثة والأسماء المقترحة.

 سادسًا: تكشف قراءة الكتاب مشكلة أوسع في ثقافتنا البحثية، تتمثل في ضعف متابعة الإنتاج الأكاديمي العالمي. لدينا عشرات المعاجم والدراسات والمشروعات الرقمية والمراكز المتخصصة، لكننا قد نتجاهلها ثم نعلن أن المراجع قليلة أو معدومة.

 خاتمة

لا ينبغي أن تكون القراءة النقدية لكتاب «النبراس في أسماء الناس» هجومًا على مؤلفه أو تقليلًا من محبته للثقافة السريانية. الأفضل أن نضع الكتاب في حجمه الطبيعي: كعمل ثقافي شعبي يحمل حماسة واضحة لإحياء الأسماء السريانية، لكنه لا يمتلك المقومات الكافية ليكون مرجعًا أكاديميًا في علم الأسماء والتأثيل التاريخي .

وتكمن فائدته ربما في الأسئلة التي يثيرها أكثر من الإجابات التي يقدمها. يمكن العودة إلى أسمائه وفحصها واحدًا واحدًا في ضوء «كنز السريانية» لباين سميث، ومختصر جيسي باين سميث، وبروكلمان، وتوما أودو، وكوستاز، وسوكولوف، ثم مقارنتها بالنقوش والمصادر الأكادية والآرامية والعبرية والعربية واليونانية بحسب تاريخ كل اسم. إن خدمة التراث السرياني لا يمكن أن تتحقق بالمبالغة في نسبة كل شيء إليه، بل بالدقة في معرفة ما هو سرياني فعلًا، وما ورثته السريانية من لغات أقدم، وما استعارته من ثقافات أخرى، وما منحته بدورها للغات والشعوب المجاورة. وحين نضع الحماسة الثقافية إلى جانب المنهج العلمي، يصبح دفاعنا عن هذا التراث أكثر قوة ومصداقية. أما الاكتفاء بتكرار كتيبات محدودة، مع تجاهل المكتبات والمعاجم والأبحاث العالمية المتراكمة، فلا يحفظ التراث؛ بل قد يحول الجهل القديم إلى «مرجع» جديد.

***

حميد عقبي

........................

رابط مراجعة نقدية للكتاب

https://youtu.be/I5gsF8Y9qM4?si=SHH6E2Z68IsL3QTL

 

في المثقف اليوم