وتحرير الذات من السلطات التي تسكنها
الحرية والإنسان: أسئلة الذات والمجتمع والوجود (4)
ليس كل من يرفض سلطة قد تحرر منها، وليس كل من يعلن استقلاله قادرا على أن يرى الخيوط التي ما تزال تحركه. فقد يخرج الإنسان من طاعة مكشوفة ليقع في أخرى أكثر خفاء، ويتمرد على أفكار نشأ عليها من غير أن يتخلص من الطريقة التي جعلته خاضعا لها، ويظن أنه استعاد حريته لأنه غير موقفه، بينما تظل حياته محكومة بالحاجة نفسها إلى الإعتراف، والخوف نفسه من الإختلاف، والبحث نفسه عن يقين يعفيه من عبء التفكير. إن السلطة لا تنتصر دائما حين تمنعنا من الفعل، بل في اللحظة التي تجعلنا نرغب فيما تريده، ونرفض ما تخشاه، ثم ننسب رغباتنا ومخاوفنا إلى طبيعتنا الخاصة.
من هذه المنطقة الملتبسة يبدأ السؤال النيتشوي. فريدريش نيتشه لم ينشغل بالحرية بوصفها حقا سياسيا أو قدرة على الإختيار بين بدائل متاحة فحسب، بل كان يريد أن ينفذ إلى ما يسبق الإختيار نفسه: إلى القيم التي نحكم بها على الأشياء، وإلى القوى التي تصوغ إحساسنا بالخير والشر، وإلى التاريخ الخفي الذي جعل بعض أشكال الحياة جديرة بالإعجاب، وجعل أشكالا أخرى موضع ازدراء أو شعور بالذنب. لم يكن سؤاله فقط، لماذا يطيع الإنسان؟ بل أكثر إرباكا: كيف حدث أن صار مطيعا وهو يعتقد أنه يفعل الصواب؟ وكيف تحولت أحكام نشأت في ظروف تاريخية محددة إلى حقائق تبدو أزلية، لا تحتاج إلى تفسير ولا تسمح لنفسها بأن تكون موضع مساءلة؟
اقترب نيتشه من الإنسان لا بوصفه كائنا يعرف نفسه معرفة مكتملة، بل بوصفه كائنا تحجب عنه دوافعه ركاما من التبرير والعادة والموروث.
قد يعلن المرء أنه يتصرف بدافع الفضيلة، لكن هذا الإعلان لا يحسم شيئا بشأن القوى التي تحركه. ربما كان يبحث عن القبول، أو يخشى العقاب، أو يهرب من رغبة لا يستطيع الإعتراف بها، أو يسعى إلى الشعور بالتفوق الأخلاقي على الآخرين. وليس معنى ذلك أن الفضيلة مجرد قناع للنفاق، بل أن فهم أفعالنا يقتضي أن نتجاوز التفسيرات التي نقدمها لأنفسنا، وأن نسأل عن تاريخ القيم التي نعيش بها، وعن المصالح والمخاوف والرغبات التي قد تتستر وراءها. لهذا لا تبدو فلسفة نيتشه مريحة لمن يبحث عن تأكيدات جديدة بقدر ما تبدو دعوة إلى زعزعة ما اعتدنا الإطمئنان إليه. إنه لا يمنح القارئ قاعدة جاهزة يستبدل بها القواعد القديمة، وإنما يدفعه إلى اكتشاف أن ما ظنه طبيعيا قد يكون تاريخيا، وما اعتقد أنه اختياره الشخصي قد يكون بصمة التربية طويلة، وما اعتبره ضميرا قد يحمل داخله صدى أصوات لم يتعلم قط أن يشكك فيها.
نحن لا نختار نقطة البداية التي ننظر منها إلى العالم. نولد داخل لغة سبقتنا، وفي مجتمع يملك تصورات جاهزة عن الفضيلة والعار، والنجاح والفشل، والكرامة والطاعة أيضا، وما ينبغي أن يطمح إليه الإنسان وما يجدر به أن يخجل منه. نحن نتعلم هذه التصورات قبل أن نمتلك الأدوات اللازمة لفحصها، ونستوعبها من خلال الثناء والعقاب والقبول والرفض والمرويات التي نسمعها عن الأبطال والخونة، والأقوال التي تتكرر حتى تكتسب سلطة الحقيقة. وعندما نبلغ القدرة على التفكير، نكون قد ورثنا بالفعل تركة من المعايير التي سنستخدمها في الحكم على أنفسنا وعلى الآخرين. لكن المألوف لا يصبح صحيحا لمجرد أنه مألوف، والقديم لا يكتسب المشروعية الأخلاقية لمجرد أنه قديم.
إن شيوع قيمة ما، قد يدل على رسوخها في التجربة الإنسانية، لكنه قد يدل أيضا على نجاح المؤسسات والتقاليد في حمايتها من الإعتراض. وقد يستمر عرف معين لأن الناس يرونه عادلا، وقد يستمر لأن الإعتراض عليه مكلف، أو لأن المستفيدين منه يملكون القدرة على تقديمه بوصفه جزءا من النظام الطبيعي للأشياء. وهنا تكمن أهمية السؤال الذي طرحه نيتشه في كتابه «في جينيالوجيا الأخلاق». فبدل أن يتعامل مع مفاهيم الخير والشر كما لو كانت معاني ثابتة خارج التاريخ، شرع في البحث عن الأصول التي نشأت فيها الأحكام الأخلاقية، وعن التحولات التي طرأت عليها، وعن أنماط الحياة التي عبرت عنها. لم يكن يريد أن يعرف ما تقوله القيم عن الإنسان فحسب، بل ما يكشفه تاريخها عن القوى التي صنعتها، وعن العلاقات التي ربطت بين القوة والضعف، والإمتياز والحرمان، والقدرة والعجز.
إن السؤال الجينيالوجي الذي يتتبع نشأة القيم وتحولاتها، يغير موقعنا منها. فحين نعتقد أن قيمة ما حقيقة أزلية، يبدو الإعتراض عليها خروجا على العقل أو الطبيعة أو الأخلاق نفسها. أما حين نكتشف تاريخها، فإننا نرى أنها نشأت في سياقات معينة، وأن معناها لم يكن دائما كما نفهمه اليوم، وأن ما نعتبره بديهيا قد يكون نتيجة صراع طويل انتصرت فيه رؤية معينة للعالم على رؤى أخرى.
إن اكتشاف الأصل التاريخي للقيمة لا يكفي وحده لإبطالها. فليس كل ما نشأ في ظروف تاريخية باطلا، ولا تصبح العدالة أقل أهمية لأن البشر احتاجوا إلى تاريخ طويل لصياغة مفاهيمها. أهمية البحث تكمن في أنه يحرر من الإعتقاد بأن القيم معطا خارج الزمن، ويعيد إلينا مسؤولية فحصها. فما الذي تحميه؟ وما الذي تطلبه منا؟ وهل تساعد الإنسان على أن يحيا حياة أكثر ثراء ووعيا، أم تجعله ينظر إلى رغباته وقدراته باعتبارها مصدرا دائما للريبة والذنب؟
بهذا المعنى، لا تبدأ الحرية عندما نرفض القيم المتوارثة جميعا، بل عندما نتوقف عن منحها حصانة تمنعنا من السؤال. فالقيمة التي لا تستطيع احتمال الفحص لا تصح بمجرد أن يحيط بها الإحترام، مثلما لا تصبح الفكرة باطلة لمجرد أنها أثارت غضب من اعتادوا الإيمان بها. المطلوب هو الإنتقال من وراثة الأحكام إلى فهمها، ومن الخضوع لسلطتها إلى تحمل مسؤولية الموقف منها.
***
عبد الرحيم الجرودي








