قضايا
غالب المسعودي: جدلية الفراغ والهيمنة
الديمقراطية بين الأفق اليوتوبي وآليات الضبط في الديكتاتوريات الجديدة
تطرح ماهية الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين إشكاليةً فلسفيةً وسياسيةً بالغة التعقيد: هل لا تزال الديمقراطية تُمثّل "يوتوبيا" للخلاص السياسي، أم أنها استُحيلت إلى أداة تكنولوجية وأيديولوجية لترسيخ هيمنة "الديكتاتوريات الجديدة"؟ عبر تحليل دقيق لتيارات الفلسفة السياسية المعاصرة، يتكشف لنا أن الديمقراطية تعيش حالة من "الأبوري"" أي المأزق الوجودي المستعصي. فهي من جهة تمثل "المكان الخالي للسلطة" الذي يحول دون الاستبداد الكلي، ومن جهة أخرى، باتت ذريعة لتشريع "حالة الاستثناء" الدائمة و"الرأسمالية المراقِبة". يأتي هذا التحليل في سياق تفكيك استحالة الدولة الحديثة وفشل الانتقال الديمقراطي، باعتبارهما جزءاً من أزمة الحداثة السياسية العالمية، وليسا مجرد استثناء ثقافي عربي.
الديمقراطية في مواجهة طيفها
في المشهد الفلسفي والسياسي المعاصر، تقف الديمقراطية عند مفترق طرق حرج، تتأرجح بعنف بين كونها مثلاً أعلى متعالياً غير قابل للتحقق “يوتوبيا" وبين كونها آلية محايثة ومتطورة للسيطرة توظفها أشكال جديدة من السلطويّة. إن التساؤل الجوهري حول ما إذا كانت الديمقراطية وعداً جديداً أم وسيلة لسيطرة الديكتاتوريات المستحدثة، يضرب في عمق أزمة الشرعية السياسية الراهنة. إنه يفرض مواجهة حتمية بين الوعد "المسيحاني" بالحكم الذاتي، والواقع القاتم للديمقراطيات "المُدارة" أو "غير الليبرالية" التي باتت ترسم التضاريس الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين.
لقد انزاح مسار النظرية الديمقراطية بشكل دراماتيكي من نشوة ما بعد الحرب الباردة التي بشرت بـ "نهاية التاريخ" وعالمية الليبرالية إلى حالة عميقة من الميلانخوليا والشك. نحن نشهد اليوم صعود "الأنظمة الهجينة" حيث لا يتم تفكيك المؤسسات الديمقراطية (الانتخابات، مجالس النواب، الدساتير)، بل يتم تحويلها إلى أسلحة لترسيخ السلطة. وبالتوازي، تخضع الديمقراطية في مجال النظرية النقدية لتدقيق صارم، ليس كنظام معيب يُخفي عمليات رأس المال العالمي في الإدارة البيوسياسية.
لا يكتفي هذا الطرح بفهرسة الانتقادات، بل ينسجها في سردية متماسكة حول "مأزق" الديمقراطية؛ عابراً من "المكان الخالي للسلطة" عند كلود لوفورت، إلى "حالة الاستثناء" لدى جورجيو أغامبن؛ ومن "الديمقراطية القادمة" لجاك دريدا، إلى "السياسات النفسية" لبيونغ تشول هان؛ وصولاً إلى "الاستحالة" البنيوية للدولة في السياق العربي كما نظّر لها وائل حلاق وعزمي بشارة. يُشير التحليل إلى أن الديمقراطية ليست كذبة بسيطة ولا حقيقة خالصة؛ إنها "فارماكون"" دواء وسُمّ في آن واحد؛ أفق للانعتاق وقفص مخملي للاستبداد الجديد.
أنطولوجيا الفراغ: الديمقراطية كأفق يوتوبي ومستحيل
لفهم الطبيعة اليوتوبية للديمقراطية، يتحتم علينا استجواب وضعها الأنطولوجي، ففي الفلسفة السياسية الحديثة، نادراً ما تُعرَّف الديمقراطية كمجموعة ثابتة من المؤسسات، بل يتم تصورها كاضطراب، أو وعد طيفي، أو فراغ بنيوي يمنع انغلاق النظام الاجتماعي.
المكان الخالي للسلطة: لوفورت واللاحسم الديمقراطي
يُوفر كلود لوفورت القواعد التأسيسية لفهم الهشاشة الديمقراطية، مجادلاً بأن التحول الحاسم للحداثة يكمن في "تجريد" السلطة من التجسد. في النظام القديم، كانت السلطة متجسدة في الشخص المادي للملك، الذي لعب دور الوسيط بين الإلهي والاجتماعي، ضامناً وحدة الجماعة. لم تستبدل الثورة الديمقراطية جسداً بآخر، بل "أذابت" جسد السلطة بالكامل. في الديمقراطية، يصبح موقع السلطة "مكاناً خالياً"؛ لا يمكن لأي فرد أو حزب أن يدعي التطابق الجوهري معه. ورغم أن الشرعية تُستمد من "الشعب"، إلا أن "الشعب" يظل كياناً مجرداً يستحيل تمثيله كلياً. هذا الفراغ الهيكلي هو مصدر الديناميكية اليوتوبية للديمقراطية، ولكنه أيضاً مكمن ضعفها. ولأن مكان السلطة فارغ، فهو مفتوح للتنافس المستمر، مما يجعل الديمقراطية نظاماً "يُمأسس الصراع" ويعترف بالانقسام الرمزي للمجتمع.
ومع ذلك، يحذر لوفورت من أن هذا "اللاحسم" يخلق دواراً أو رعباً من الفراغ. وهنا تنشأ الشمولية كاستجابة لمحاولة "إعادة ملء" المكان الخالي بجسد جديد، الشعب، البروليتاريا، العرق، أو القائد. إذن، الديكتاتوريات الجديدة ليست نقيض الديمقراطية، بل ظلها؛ إنها "ثورة مضادة" تستخدم اللغة الديمقراطية لتدمير اللاحسم الديمقراطي.
معمارية الهيمنة: تحولات السيطرة في عصر ما بعد الحداثة
يفرض السؤال حول الديمقراطية كـ "وسيلة للسيطرة" الانتقال من النظرية المجردة إلى تشريح تقنيات السلطة المعاصرة، حيث تم استيعاب الأشكال الديمقراطية داخل أجهزة هيمنة متطورة.
حالة الاستثناء كنموذج للحكم: جورجيو أغامبن
يقدم أغامبن سرداً مرعباً لكيفية تحول "الديمقراطيات" إلى آلات شمولية دون تغيير دساتيرها. يجادل بأن "حالة الاستثناء" لم تعد إجراءً مؤقتاً، بل النموذج المهيمن للحكم. في هذه الحالة، يُعلّق القانون لـ "حماية" القانون، مما يخلق منطقة "لا-معيارية" تتصرف فيها السلطة بحصانة تجاه "الحياة العارية" للمواطن. اليوم، تُطبّع الأنظمة (الديكتاتورية والليبرالية على حد سواء) هذا التعليق عبر سرديات "الحرب على الإرهاب" أو "الأزمات الاقتصادية". في هذا المنظور، تصبح الديمقراطية "قناعاً" للإدارة البيوسياسية، وتذوب الفوارق بينها وبين الشمولية في "دولة الأمن" حيث الحق الوحيد هو الحق في أن تكون "محمياً" (أي مسيطراً عليك).
التسامح القمعي ووهم الاختيار: ماركوزه وجيجك
كيف يُصنع الإجماع دون عنف؟ يشرح هربرت ماركوزه عبر مفهوم "التسامح القمعي" كيف تُحيّد الديمقراطيات الليبرالية المعارضة عبر التسامح مع كل وجهات النظر، مما يُسطّح النقد الراديكالي ويغرقه في ضجيج "سوق الأفكار". ويذهب سلافوي جيجك أبعد من ذلك، واصفاً الديمقراطية بـ "الصنم" الذي يحفظ تماسك النظام. إنها تقدم "وهم الاختيار" (كوكا كولا مقابل بيبسي) بينما تظل إحداثيات الرأسمالية العالمية غير قابلة للمساس. بالنسبة لجيجك، "الديكتاتورية الجديدة" هي حكم السوق منزوع السياسة الذي يستخدم الطقوس الديمقراطية لمحاكاة الفاعلية.
من البيوبوليتيكا إلى السياسات النفسية: فوكو وهان
تجاوزنا اليوم "مجتمع الانضباط" الفوكوي (السجن، المصنع) إلى "مجتمع الإنجاز" كما يصفه بيونغ تشول هان، والذي تحكمه "السياسات النفسية" في هذا النظام، لا تُكره الذات من قبل "أخ أكبر"، بل تستغل نفسها طواعية واهمةً بأنها حرة. لا تحتاج الديكتاتوريات الجديدة إلى التعذيب، بل إلى "الإعجاب" و"المشاركة". من خلال "البيانات الضخمة"، نعري ذواتنا طواعية (الشفافية)، فنتحول إلى كائنات قابلة للحساب. تصبح الديمقراطية، كمداولة جماعية، مستحيلة حين يكون المواطنون رواد أعمال لأنفسهم، معزولين وتحكمهم "الوكزات الخوارزمية".
السياق الفلسفي العربي: دراسة حالة في "الاستحالة"
في العالم العربي، تصطدم "الديمقراطية القادمة" بـ "ديمقراطية البندقية"، مما يجعل الخطاب الفلسفي العربي نقطة مراقبة فريدة لهذه الجدلية.
الدولة المستحيلة (وائل حلاق): يرى حلاق أن الدولة الحديثة غير متوافقة بنيوياً مع الحكم الأخلاقي الإسلامي. فالدولة الحديثة، بمركزتيها واحتكارها للتشريع، "تلتهم" المجال الأخلاقي المجتمعي. لذا، فإن "الديكتاتوريات الجديدة" ليست انحرافاً، بل نتيجة طبيعية لإرادة الدولة الحديثة التي سحقت المجتمع المدني التقليدي.
الانتقال الفاشل (عزمي بشارة): يعزو بشارة تعثر الانتقال الديمقراطي إلى غياب "الثقافة الديمقراطية" لدى النخب وتسيس الهويات (الطائفية). تنجح الأنظمة السلطوية في استخدام "فزاعة" الفوضى لشرعنة عودتها، مصورة الديمقراطية لا كيوتوبيا، بل كديستوبيا تؤدي إلى التفكك.
الديمقراطية كشعار استعماري: يُنظر لخطاب الديمقراطية أحياناً كإملاء استعماري جديد، مما يضع الديموقراطي العربي في "عقدة مزدوجة": الدفاع عن الديمقراطية قد يبدو عمالة، ودعم المقاومة قد يعني الاصطفاف مع الديكتاتورية.
نحو ديمقراطية راديكالية أو "قوة معطلة
في مواجهة هذا الأفق المسدود، يطرح إرنستو لاكلاو وشانتال موف خيار "الديمقراطية الراديكالية" التي تعترف بالتناقض ولا تسعى لإجماع زائف، بل لتحويل الأعداء إلى "خصوم سياسيين". بينما يقترح أغامبن حلاً أكثر راديكالية يكمن في "القوة المعطلة"؛ أي سحب الموافقة وتعطيل أجهزة السلطة بدلاً من محاولة الاستيلاء عليها.
لقد استوعبت "الديكتاتوريات الجديدة" درس الحداثة جيداً: لا تُلغِ الديمقراطية، بل فرغها من محتواها. استخدم الصندوق لقتل القانون، والسيادة لقتل الحقوق، ووهم الاختيار لإخفاء الخوارزمية. لذا، فإن المهمة الفلسفية اليوم ليست رفض الديمقراطية ولا عبادتها، بل الانخراط في الجهد الشاق لإبقاء "المكان الخالي" للسلطة فارغاً حقاً. الديمقراطية ليست ملاذاً آمناً؛ إنها إبحار خطر في مياه مفتوحة. واليوتوبيا الحقيقية ليست وجهة نهائية، بل هي فعل "الانشقاق" المستمر ضد الليل الزاحف للديكتاتوريات الجديدة.
***
غالب المسعودي






