من وحي ندوة الدراسات التاريخية
هو الوهج الذي أشتعل قبيل انطفاء الشمعة
البارحة، في المعهد العالمي للتجديد العربي، ووحدة الدراسات التاريخية، حضرت ندوة نقاشية بعنوان: (من ابن خلدون إلى هابرماس: مقارنات في فلسفة المجتمع والتاريخ)، بهدف إبراز أوجه التشابه والاختلاف بين رؤيتيهما لفهم نشأة المجتمعات وآليات تماسكها وتطورها التاريخي وأسس السلطة والشرعية فيها. قدمت المحاضرة الدكتورة بولا أبي حنا، وعقب عليها الدكاترة: عبدالرحيم غانم، وبدر شحادة، وباب أحمد الشيخ، وأدار الندوة الدكتور عماد غزلي بكفاءة واقتدار.
وتربطني بالدراسات التاريخية علاقات طيبة منذ سنوات، فضلًا عن اهتمامي بابن خلدون وفلسفته، وإشارة الإعلان إلى فلسفة التاريخ والمجتمع عند ابن خلدون وهابرماس. استمعت وتداخلت، وأحسست بأهمية التعريف بابن خلدون وفلسفته ومنهجه وكيفية مقارناته، وإليكم ما أعرفه عنه في سبيل تخصيب النقاش وتأصيل العلاقة بين التاريخ والفلسفة، إذ إن قليلًا من الفلسفة ينعش قلب التاريخ! واليكم الحلقة الأولى في التعريف بابن خلدون ومنهجه وفلسفته.
إذا ما أردنا أن نقيم الثورة المنهجية الخلدونية تقييمًا صائبًا، فلا بد لنا من النظر إليها وتقييمها في سياقها التاريخي الفعلي، ذلك السياق الذي يشكل كامل الوسط الثقافي والعلمي والسياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي والحضاري والنفسي، وكل ما يتصل بالعصر الذي عاش فيه ابن خلدون وتعلم وفكر وكتب في فضائه.
فالمفكر أو المؤرخ هو كائن بشري فرد، وهو مثل غيره من الأفراد يشكل ظاهرة اجتماعية، وهو أيضًا الناطق الواعي أو غير الواعي باسم المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن الخطأ النظر إلى ابن خلدون بمعزل عن الواقع الذي عاش فيه وكأنه نسر يرقب المشهد من فوق قمة جبل عالية، بل النظر إليه بوصفه جزءًا من ذلك التاريخ الذي حاول تفسيره، ومن ثم فهو محدد بحدود عصره وزمنه.
وربما كانت أفضل طريقة لتحديد أهمية ابن خلدون وقيمة منهجه هي طريقة المنهج التاريخي، كما عرفت عند فيلسوف التاريخ الإنجليزي “كولنجوود” (1889–1943م) وفيلسوف التاريخ الإيطالي “كروتشه” (1866–1952م)، اللذين شددا على أهمية الفهم التصوري للماضي الذي ندرسه وتحقيق نوع من الاتصال مع أذهان أولئك الذين نكتب عنهم وتمثل حقيقة وضعهم التاريخي.
وبالقياس إلى عصره يمكن القول إن ما حققه ابن خلدون على صعيد المنهج النقدي العلمي التاريخي يعد، بكل المقاييس، ثورة حقيقية لا تختلف عن الثورة المنهجية الكبرى التي شهدها العلم الطبيعي الحديث على يدي الإنجليزي “فرنسيس بيكون” (1561–1626م)، والفرنسي “رينيه ديكارت” (1596–1650م).
وهذا ما جعل ابن خلدون متقدمًا على كل من جاء بعده من علماء الاجتماع وفلاسفة التاريخ الحديثين أمثال ميكافيللي، وبودان، وفيكو، وفولتير، ومونتسكيو، وكوندرسيه، وكارل ماركس، وأوغست كونت، وشبنجلر، وتوينبي، وغيرهم ممن درسوا الظاهرة التي درسها ابن خلدون: التاريخ والعمران البشري والاجتماع الإنساني ونظم السياسة وتعاقب الحضارات وأساليب الإنتاج وقوى الإنتاج وأسباب الحروب والصراع والتغلب بين الناس… إلخ.
وهذا ما شهد به كبار المفكرين والدارسين، أمثال المؤرخ “جورج سارتون” في كتابه (تاريخ العلم)، الذي كتب في معرض حديثه عن ابن خلدون:
“لم يكن أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخًا كعملاق بين قبيلة من الأقزام فحسب، بل كان من أوائل فلاسفة التاريخ، سابقًا ميكافيللي وبودان وفيكو وكونت وكورنو”.
ويذهب آرنولد توينبي إلى وصف مقدمة ابن خلدون التي اسماها (كتاب العِبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) ب«أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم»
وفي ذات السياق يذهب المؤرخ الإسباني (رافائيل ألتاميرا) في كتابه “آراء حول نظرية ابن خلدون التاريخية” إلى أن: “ابن خلدون قد صاغ مجموعة من الأفكار ولخصها بقوة عقلية جبارة، كمخترع عبقري يبني فوق سوابق ضئيلة عملًا جديدًا من نوعه”.
وبمثل ذلك كتب الفيلسوف الإسباني “خوسيه أورتيغا” عن نظريات ابن خلدون في المسائل الأفريقية:
“إن مقدمة ابن خلدون هي، من حيث الزمن، أول كتاب في فلسفة التاريخ”، وأن ابن خلدون “هو عقلية واضحة كلها ضوء، وأن ضوءه العقلي يمزق كل غموض، ويصل نقيًا إلى الأشياء ويستخرج منها كتابًا يبدو كأن الذي كتبه مهندس بارع، وهو في الوقت نفسه أول عالم اجتماع”.
ويكتب المستشرق الألماني “فون قيسنديك” في كتابه “ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربية في القرن الرابع عشر”:
“إن ابن خلدون أشاد حصنًا شامخًا من العلم المتين، الابتكار المطبوع، فهو عقل مبتكر ومثل أعلى في الآداب العربية، إذ يقف مؤرخ الحضارة الإسلامية العظيم وحيدًا في المشرق، لم يعقبه خلف ولم ينسج على منواله ناسج، وينطبق ما كان يشعر به أو يدعو إليه على أوروبا في القرن التاسع عشر أصح تطبيق وأتمه”.
ويرى المستشرق الأمريكي شميدت أن ابن خلدون “قد تقدم في علم الاجتماع إلى حدود لم يصل إليها الفيلسوف كونت نفسه في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فلو أن المفكرين الذين وضعوا أسس علم الاجتماع من جديد كانوا قد اطلعوا على مقدمة ابن خلدون في حينها، وعلى المنهج الذي أوجده ذلك العبقري العربي قبلهم بمدة طويلة، لاستطاعوا أن يتقدموا بهذا العلم الجديد بسرعة أعظم مما تقدموا به فعلًا”.
ويرى المؤرخ الفرنسي “إيف لاكوست” في كتابه “العلامة ابن خلدون” أنه عندما اكتشفت المقدمة وترجمت في الغرب، كانت أوروبا مهتمة بعلم الاجتماع، ولذا لفت نظر العلماء أوجه التشابه الموجودة بين طروحات ابن خلدون وبين المسائل التي كانوا يبحثونها، فلقبوه بالمؤرخ، وبعالم الاجتماع، وبفيلسوف التاريخ، وعالم الاقتصاد، ومفكر السياسة.
وكتب الفيلسوف والمؤرخ الإسكتلندي روبرت فلنت في كتبه المهم ( تاريخ فلسفة التاريخ) قائلا:" إنه لا العالم الكلاسيكي ولا النصراني الوسيط قد أنجب مثيلاً له في فلسفة التاريخ... أما كباحث نظري في التاريخ، فليس له مثيل في أي عصر أو قُطْر، حتى ظهر (فيكو) بعده بأكثر من ثلاثة قرون... لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها" ( ينظر، روبرت فلنت Robert Flint، تاريخ فلسفة التاريخ، دار نشر تشارلز سكريبنرز، 1894)
في الواقع، ثمة آراء عديدة قيلت في ابن خلدون ومقدمته ونظريته ومنهجه، وهي على كثرتها وتنوعها واختلافاتها تتفق في شيء واحد، هو التقدير الرفيع للمنهج الذي اكتشفه ابن خلدون في المقدمة.
ورغم تنوع الموضوعات التي عالجها ابن خلدون واختلاف أنساقها النظرية في العلوم الحديثة، كالتاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والدين والتصوف والجغرافيا والأنثروبولوجيا والعلم والأيديولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي طرق عتباتها ابن خلدون، فقد كانت رؤيته المنهجية هي الروح الخفية التي تسري في كل أجزاء هذا النسيج الفكري وتمنحه الوحدة والمعنى والقوة.
نظرية ابن خلدون ومنهجه:
من الأخطاء الشائعة في حياتنا الثقافية العربية الاعتقاد أن النظرية تأتي في الترتيب قبل المنهج، وأن المنهج هو تطبيق للنظرية، في حين أننا نجد من واقع الخبرة العملية أن العلاقة بين النظرية والمنهج هي على درجة شديدة من التعقيد والتداخل والتمازج، إذ يصعب الفصل الفعلي بين أنساقها المتداخلة وعناصرها، لا سيما في الدراسات التاريخية. فمن الخطأ الظن أن التفكير النظري يعد ترفًا فكريًا زائدًا عن اللزوم، لأن ممارسة النشاط النظري لم تكن لتحصل لولا وجود قضايا حقيقية تدفع البشر إلى اللجوء إلى النظرية، وهي قضايا نواجهها جميعًا في حياتنا اليومية، كسعينا لفهم ما يجري لنا وللآخرين من حولنا، وهذا هو بالضبط ما فعله ابن خلدون حينما فكر في شؤون مجتمعه ومشكلاته وحياة عصره، فأبدع نظريته في ضوء رؤية منهجية نقدية تاريخية ناضجة.
وإذا كان أبسط تعريف للنظرية هو أنها محاولة تفسير خبراتنا اليومية في الحياة، تلك الخبرات الشخصية اللصيقة بنا في ضوء تفاعلنا مع أناس آخرين، وخبراتنا السابقة، وعواطفنا المكبوتة، ومعارفنا المتحصلة من التعليم المنهجي والتقليد والنقل والتراث، فإن المنهج هو: طريقة الوصول إلى تكوين هذه النظرية وبنائها واستخلاص قوانينها.
ولا أهمية للتساؤل عن أيهما أسبق في العلوم الإنسانية: النظرية أم المنهج، فالعلاقة بينهما علاقة جدلية ديناميكية مرنة وضرورية؛ فلا نظرية متماسكة وعلمية من دون منهج علمي، ولا منهج من دون نظرية. إذ تبدو ضرورة المنهج عند ابن خلدون تعبيرًا عن مقتضى التعليل الناتج من تصوره لموضوع التاريخ، ولذلك ليس المنهج سابقًا لفكر ابن خلدون ولا لاحقًا له، أي إنه ليس ترتيبًا بعديًا لقواعد مطبقة انكشف خطها فجأة، وليس منظومة قواعد موضوعة بصورة مسبقة، بل ثمة ترابط شديد بين النظرية والمنهج، وهما متحايثان متضايفان.
فقد تمكن ابن خلدون من الجمع الخلاق بين المنهج والنظرية، وترك لنا إرثًا علميًا عظيمًا ما زال يتمتع بكامل قيمته وقوته وحيويته، وما زلنا نلتمس الخطى في سبيل فهمه واكتشاف ثيماته المتخفية. يقول المستشرق روزنتال: “باءت بالفشل كل محاولة لمعرفة النموذج الذي احتذاه ابن خلدون في تفكيره”.
ابن خلدون ونقد أوهام المؤرخين
حينما نقارن بين المنهج النقدي الخلدوني ومنهج الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561-1626م)، وفيلسوف التاريخ الإيطالي جيوفاني باتيستا فيكو (1668-1774م)، إذ حاول الأخير في نقده لأوهام المؤرخين في كتابه “العلم الجديد والطبيعة المشتركة للأمم” تطبيق منهج بيكون في نقد أوهام المعرفة، نجد أن ما حققه ابن خلدون، بالمقارنة مع ما تم إنجازه في أوروبا على يد هذين الفيلسوفين بعد قرابة ثلاثة قرون من الزمن، يبين لنا كم كان ابن خلدون عظيمًا وجديرًا بأن يوصف بأنه صاحب أول ثورة منهجية في الدراسات التاريخية.
إننا نغمط ابن خلدون حقه حينما نتناول منهجه النقدي التاريخي بالدرس والتحليل، ونمر مرور الكرام على طبيعة ذلك النقد الذي وجهه للمؤرخين. لقد دأب الدارسون العرب والأجانب على تبسيط الثورة المنهجية الخلدونية بالنظر إليها بأنها مجرد نقد لـ”عيوب” أو “أخطاء” أو “أغاليط” أو “هفوات” أو “هنات” أو “مثالب” أو “نواقص”، إلى غير ذلك من النعوت التي ننعت بها النقد الخلدوني للمعرفة التاريخية وللمؤرخين، والتي توحي في مدلولاتها المفهومية بالتقليل من شأن ما أنجزه ابن خلدون. ولعل ذلك هو ما حفزنا إلى استخدام لفظ “الأوهام” بدلًا من الأخطاء والعيوب، إذ إننا بعد فحصنا الدقيق لطبيعة الثورة المنهجية التي أحدثها الإنجليزي فرنسيس بيكون، الذي اشتهر أكثر ما اشتهر بنقده للأوهام الأربعة الشهيرة: وهم الكهف، ووهم القبيلة، ووهم السوق، ووهم المسرح، وكذا شهرة الإيطالي فيكو بنقده لأوهام المؤرخين، وجدنا أنه من غير الإنصاف النظر إلى ابن خلدون بعده ليس سوى ناقد لأخطاء المؤرخين العرب المسلمين فقط. وهذا الموقف لا يعني بأي حال من الأحوال أننا من هواة التشبه بالغرب، بل إن موقفنا هذا يجد كامل مبرراته في طبيعة الإنجاز النقدي المنهجي الذي حققه ابن خلدون ذاته، كما لاحظنا في دراستنا لنقده أوهام المؤرخين، الذي لم تكن أوهام بيكون وفيكو إلا نسخة باهتة منه.
إننا نسمي نقد ابن خلدون للمؤرخين نقد الأوهام، لأننا وجدناه في نقده لا يقتصر على نقد الأخطاء أو الهفوات التي وقع بها هذا المؤرخ أو ذاك، بل ينقد أوهام العقل وأوهام النفس الإنسانية التي هي، من حيث طبيعتها البشرية الناقصة، عرضة دائمًا للأوهام والخرافات والأخطاء بحكم الطبيعة، لا بسبب القصور المنهجي فحسب. فالأوهام جزء من كينونة الإنسان، بل إن الحياة الإنسانية مستحيلة من دون الأوهام، فالناس يعيشون على الأوهام كما يعيشون على الماء والهواء.
ويحدد ابن خلدون في نقده لأوهام المؤرخين أسباب هذه الأوهام، فيعدها طبيعة متأصلة في النفس البشرية لا في أذهان المؤرخين فقط، إذ يرى أن الناس محكومون بعاداتهم ومألوفاتهم وبشروط حياتهم في بيئتهم الضيقة المحدودة، ومن ثم فإن تصوراتهم لا تخرج عن نطاق مألوفهم وعوائدهم، ويصعب عليهم تصور ما ليس مألوفًا لديهم إلا بالقياس على المألوف، كما لاحظنا آنفًا في قصة “الولد المسجون” الذي تصور الغنم مثل الفأر. وهذا هو ما عرفه أفلاطون بالكهف، وهذا هو ما سوف يطلق عليه بيكون وهم الكهف.
وفي ذلك كتب ابن خلدون: “والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة، ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضيين ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الاختلاف بينهما كثيرًا، فيقع في مهواة من الغلط”.
هكذا إذن يعد ابن خلدون واحدًا من الأساطين الكبار الذين خرجوا من الكهف، وأولهم أفلاطون، وبعده أبو حامد الغزالي، وابن طفيل، وبيكون، وديكارت، وهيوم، وكانط في العصر الحديث.
لقد أدرك ابن خلدون أن الإنسان، من حيث هو مدني بالطبع، رهين المحبسين: محبس طبيعته المتناقضة المزدوجة، الجسدية والروحية، والغريزية والعقلية، والحيوانية والبشرية، التي منها أنه يحب ويكره، ويفرح ويحزن، ويهدأ ويغضب، ويجوع ويشبع، ويقاتل ويسالم، ويأمن ويفكر، ويخضع ويتمرد، وينام ويصحو، ويعمل ويكسل، ويعادي ويصالح، ويجشع ويقنع، ويخون ويوفي… إلخ. ومحبس أحواله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والتاريخية التي تشرط وجوده وتقيده بقيودها الضرورية الأسرية والعصبية والمعيشية والمذهبية… إلخ، التي لا يستطيع الفكاك منها. وفي ضوء هذا الأفق النقدي العقلاني الرحب ينبغي لنا النظر إلى نقد ابن خلدون لأوهام المؤرخين.
إذ مهد في نقده للأخطاء بنقد منهجي للمعرفة الإنسانية برمتها من خلال فحصه لقيمة أخلاقية متأصلة في الجبلة البشرية، وهي “الكذب”، بقوله: إن الكذب متطرق إلى الخبر بطبيعته، وله أسباب منها:
1- التعصب للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حصته من تمحيص النظر حتى يتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقه من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله. وهذا هو ما نسميه اليوم بالتعمية الأيديولوجية.
وواضح أن ابن خلدون هنا لا يبحث في الكذب من حيث هو قيمة أخلاقية مذمومة، بل يفحص شروط إنتاج الكذب وأسبابه اللاشعورية، إذ إن الناس يكذبون ليس بإرادتهم، بل لا يعرفون أنهم يكذبون، وربما اعتقدوا أنهم يقولون الحقيقة. أليس مثل هذا النقد هو ما صنع شهرة كارل ماركس في نقده للأيديولوجيا الألمانية؟
2- من أسباب الكذب في الأخبار الثقة بالناقلين، وتوهم الصدق الذي يعود إلى شهرة المنقول عنهم وذيوع صيتهم بوصفهم مؤرخين كبارًا ومفكرين تربعوا على مسرح التراث والتاريخ رموزًا موثوقة، وهذا ما يسميه بيكون وهم المسرح.
3- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، لأجل ما يداخلها من التلبيس والاختلاف، فينقلها المخبر كما رآها، وهي على غير الحق في نفسها.
4- تقرب الناس إلى أصحاب السلطة والسلطان بالثناء والمدح بهدف الكسب والجاه والحظوة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من حياة أو ثروة أو شهرة أو سلطة أو جاه.
5- حب الناس للغرائب والخرافات والمستحيلات من أخبار الجن والشياطين والكائنات الخرافية والأساطير التي تستهوي الناس لما فيها من سمة غرائبية، وتشبع فيهم نزوعًا نفسيًا لا يقاوم.
6- قياس الماضي على الحاضر قياسًا مطلقًا، اعتقادًا منهم بأن الماضي لا يختلف عن الحاضر الذي يعيشونه.
7- أهم الأسباب هو الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث، ذاتًا كان أو فعلًا، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحوال. فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض.
هذه هي الأسباب التي رصدها ابن خلدون ليكشف بها الأوهام التي تكتنف المعرفة عامة، والمعرفة التاريخية تحديدًا.
كما هو واضح، لم يبحث ابن خلدون في أخطاء أو هفوات وقع فيها المؤرخون عرضًا أو بسبب قصور مناهجهم أو تعمدوها بوعي منهم، بل جاء نقده جذريًا في شروط إنتاج المعرفة التاريخية وما يكتنفها من أوهام وأباطيل يصعب التحرر منها من دون امتلاك منهج نقدي عقلاني قادر على دراسة الظاهرة التاريخية في بنيتها الشمولية وصيرورتها المتغيرة وقواها المحركة وقوانينها الطبيعية الضرورية، الثابتة والمتحولة، والجوهرية والعرضية.
ومن هنا يجب القول: إن النقد عند ابن خلدون ليس لحظة عابرة في منهجه أو ضرورة إجرائية للشروع بعمله، بل هو النواة الجوهرية في منهجه، إنه البعد الثوري في مجمل النسق الفكري الخلدوني الذي يشتمل على ثلاث حركات متضايفة من حركات الوعي: حركة الوعي بالذات، وحركة الوعي بالمجتمع، وحركة الوعي بالتاريخ. وليس هناك من بديل عن المنهج النقدي التاريخي لمن أراد أن يفهم التاريخ وقواه التي هي الثقافة والحضارة والمدنية.
***
ا. د. قاسم المحبشي







