قضايا
عبد الهادي عبد المطّلب: حين تنتهي صلاحية الإنسان!
على سبيل التقديم: تنعتق اللغة من قواعد كهنتها وسدنتها، ومن حرّاس الأبواب العالية، لتلج ببساطتها وعفويتها عمق الجرح الإنساني وهي تحتفظ بسعتها وسلاستها البليغة والعميقة، وقوتها النّافذة، وتعبيراتها الرّصينة، وتلتقط من الخبايا ما ووريَّ عن البال والنّظر، لتبني مدناً من الألم والهامش والنسيان. تنعتق اللغة، إذن، لتُعاش بين الفاصلة والفاصلة، بين الدّلالة والغموض، بين الصّوت والمعنى، لتتكشّف حياة منسية بين دروب الإنسانية المقهورة أو التي مَرَدَتْ على القهر والإقصاء، لتُعيد رسم خرائط الوجع الإنساني، ولتُرصِّص حروف الألم في محاولة لصناعة الأمل الهارب بين المُقل والأيادي والأمنيات.
نسرّجُ صهْوَة اللغة العامرة بالأحاسيس، العابرة للأفكار والأصوات والإشارات، المسكونة بأسرار القول والمعاني، نركب صهوتها، ونُحسُّ، رهافتها وقوتها، نُروّض الإشارات والتّلميحات، نُشكِّلُ خباياها بلهجةٍ شديدة كوصايا الآباء، لكنّها صادقة كبَلَجِ الصُّبْح، نغوص في الذّات الإنسانية، نُساءلُ «الإنسان لا بما هو كائنُهُ، وإنّما ما يجب أن يكونه، أي تحديد الإنسان لا من حيث هو «واقع» حاصل، وإنّما حيث هو «أفق» ، «فالإنسانية أفق، والإنسان متحرّك إلى أفقه بالطّبع، ودائر على مركزه» ، إلاّ أن يكون ذا خُلقٍ مُنْكَر، «كشيء على مسلاخ إنسان ».
إشارات وتلميحات..
فتحتُ للإشارات جرحا صعبٌ اِلْتِئامُه، يزداد اتّساعا كلّما اتّسع الوقت، حملتُ اللغة مبضعاً، أشذِّبُ، أزيل، أقطع، وتصرخ من الألم الإشارات، قلتُ كما قالت الحكمة قديما: «للتّعافي ثمن، ومن يريد خياطة الجرح عليه تحمّل وخز الإبر»، اتَّسَع على الرّاتق الجرح، حتىّ فاض على جوانبه الشقاء والانكسار والخيبة.
ليست صوراً ساخرة، إنما هي بحثٌ في الحال علَّ المآل ينصلح، إنها ضوءٌ نسلّطه على زمن دائخ بين القيل والقال، وكثرة الأسئلة الفارغة من معناها، هي أيضا تلميحات وإشارات ضوئية تنفتح على معيوش النّاس البسطاء والمهمشين الذين استسلموا طوْعاً للقدر واستكانوا إلى الواقع البئيس حين هربوا إلى الكلام غير المباح يأكلون به أوقاتهم، وقد بَنَوْا سدّاً يحول بينهم وبين إنسانيتهم واكتمال وجودهم.
قد تأخذ هذه الصّور بعداً تراجيديا تتحرّك داخله شخوص يعيشون بيننا، وقد نكون نحن أنفسنا، فالإنسان هنا، موضوعٌ، لا كلام عابر، خصوصا حين وقفتُ عند قولة العالم الصّوفي يحيى بن معاذ «إنّي وجدتُ أمر الإنسان أمراً عجيباً»، في شقائه، كأنّه يدفع صخرة إلى شاهق عنيدٍ شاقّ، وهو يعرف أنّ الصّخرة، عاجلا أم آجلا، ستسقط عليه لتهشّم رأسه، وترديه قتيلا، في صبره على الذُلّ، كأنه يجلد ذاته إن هي حنّت للانعتاق، فيرتاح حين يعيش بين الأرجل والحفر، وفي ابتساماته البليدة، كأنّه ارتاح للسّقوط، وارتاح حين تنازل عن المعنى، وعن الحق، الحقّ في المواجهة، الحق في التّغيير والحقّ في قول «لا»، وحين سقط فقد قبِل الاستكانة والإقصاء ووجد لهما مبرّرات، فتعايش معهما كقدر ملازم لا مفرّ منه، لكنه مُصِرٌّ أن يسير في صراعه مع القهر والشقاء والتهميش والإقصاء، يقاوم، بمفهومه هو، يعتاش على اليأس حيث أصبح حاله البائس قدراً مقبولا، يُحقّر ذاته وينظر إليها كأنّها لم تعد ذات نفعٍ، فتمسّك بالصبر، وسكن إلى الاستسلام والخنوع، وثوى سراديب المعاناة والعزلة، ونسي ترميم ذاته المشروخة قبل أن يحمل الصّخرة على كتفيه ويستسلم لها صعودا وهبوطاً دون هدف.
كثيرون منّا، وهم المعنيون بهذه الإشارات، جالسون على هامش الزمن، يمر بطيئا من تحتهم ومن حولهم، يفتلون حبل الأيام البليدة، يسُبّون الزمن، لا شيء يتحرّك فيهم سوى ألسنتهم، ولا ينشغلون بالحياة ولا بتفاصيلها، ولا يشاركون في إعطاء معنى لوجودهم، لم يكن القطار السريع هو ما فاتهم، بل المحطّة والطريق معا، قد خسروا السباق مبكّراً، لم يفقدوا إنسانيتهم فقط، ولم يفقد الواحد منهم، «إرادته فقط، بل كيانه ذاته بكل ما فيه من حيوية ونزوع إلى الانطلاق والإمساك بزمام المصير، [هذا الحصار] هو الذي يعاق ويُقهر بل يُهدر. إنه يدفع بالإنسان إلى النّكوص إلى مستوى حاجات السلامة والمعاش، والجري وراء توفيرها والحفاظ عليها، ولا يعود معها سيد ذاته، ولا هو سيد في وطنه. حتى مواطنيته ذاتها تتحول في الكثير من الأحيان إلى نوع من المنّة التي يُمَنُّ بها عليه، مادام يستكين إلى البقاء في القمقم» .
هؤلاء المنسيون المهمّشون الهَضَرَةُ يضيعون وسط الزّحام والتيه، لا يعرفون كيف يسكنون أوقاتهم حين انسحب المعنى من حياتهم ووجودهم، تحاصرهم العطالة والإقصاء وانسداد الأفق، وغياب السؤال المشرع على الوجود، الهاربون إلى الوراء للاختفاء والخنوع وتقَبُّلِ الأمر والحال.
تراهم داخل المقاهي الهامشية الرّابضة خارج الأحياء، العامرة بالصراخ، والنكت والضحكات، والأدخنة الكثيرة، والأغاني الركيكة، والمُزاح والسُّعال، والقيل والقال، ناسٌ يأكلهم الفراغ، يلوكون أمنياتهم وأحلامهم التي اعتاصت عن التّحقّق، اختلّت وجهاتهم، تشابكت طرقهم، لم تعد لهم وجهة إلاّ الجلوس لساعات عالقين بين الكراسي المهترئة وكؤوس الشاي الرخيص والبارد، يتفرّجون على وقتهم يمرُّ ثقيلا كسولاً، متكدّسين كأشياء منسية في زوايا منسية، ضاق بهم العالم واتّسعت لهم المقاهي، وجوههم يأكلها الغياب رغم ثرثراتهم، كأنّهم يساقون إلى مشانق وهمية تسحب أعمارهم ببطء شديد إلى الضّياع، يراقبون وقتهم يتآكل، أحلامهم ليس كأحلام النّاس، طموحهم انحصر في مخدّر رخيص أو سيجارة أو عقبها، أو كأس شاي بارد بلا طعْم، لا معنى للُغَتهم التي تحاصر ما تبقّى من إحساسهم بالوجود وإنسانيتهم. في لجج هذا الحضور/الغياب، يعيشون بلا توقّف داخل دوامة تُعطّلُ أحاسيسهم وتُفقدهم سر المواجهة، وتسكنهم خانات الصّمت والاستكانة والرضى بالواقع.
وآخرون ينشرون أجسادهم في الشمس، عيونهم جاحظة في رقعة مقسمة إلى مربعات صغيرة «ضاما» ، يراقصون بين أصابعهم، هبوطا وصعودا، يمينا ويساراً، بيادق مختلفة الألوان والأشكال، في بحثٍ عن انتصار، رغم أنهم هم الخاسرون في كل الجولات. يحرّكون القطع بتركيز كبير، كأنّهم يستعيدون أوهاماً أمنياتٍ خاطوها على مقاسهم في انتظار ربحٍ تافه، كأس شاي أو قنينة مشروب أو تفكُّهٍ على خاسر. يتقاذفون كلاما لا معنى له، مستهلَكٌ ومكرور، كلامٌ فارغٌ من المعنى لقتل الوقت والذات والسؤال، كلامٌ كأنه الستار الحاجبُ لخيباتهم وسقوطهم وهزيمتهم.
يحرّكون البيادق ويبعثرون الكلام، ويبنون أحلاما من قشّ سريعا ما تتهاوى عند أرجلهم، يخطّطون وهم ينقلون البيادق من مربع إلى آخر، وحياتهم عن التّخطيط بعيدة لا تستجيب، كأنّ الأرض التي اقتعدوها تشدّهم إليها شدّاً لا انفكاك لهم منها.
وآخرون، قريباً منهم، اقتعدوا الأرض، يتقاذفون أوراقا بأرقام مختلفة، يروّضونها، يقرأون أوراقهم ويحسبون أوراق منافسيهم، يتهامسون، ويتنابزون بالألقاب، في انتظار انتصار يتكلل بأس شاي أو قنينة مشروب غازي بالمجّان، أناسٌ مضحكون ذوو عاهات مؤسفة، اكتسبوها من كثرة جلوسهم على الأحجار أو الكراسي المهترئة. وآخرون يراقبونهم يتابعون بعيونٍ تَعِبَة مسار الأوراق، يعجبهم التّكوّم في جلابيبهم الصوفية، يفركون خصياتهم، ينتظرون متّكئين على الحيطان التي رسمت ظلّهم وحفرت وجودهم، يربّون في الانتظار الطويل واليومي، الأوهام والأحلام والأمنيات، وجوههم تتشابه، يتناسلون العادات السيئة، والمعاناة البائسة والأحلام السوداء، توقّف عندهم الزمن، لا يحدث شيء، يدور الوقت بينهم بطيئا، ينتظرون من السماء، معجزة تنقذهم مما هم فيه، لعلّ «سيدنا قْدَرْ» ، كما يتوهّمون، ينزل يوما، ويحقق لهم الأمنيات ويأخذ بيدهم نحو تغيير حالهم، يحمل في جرابه كل الأمنيات. على أحر من الجمر، ينتظرون انفلاق قبة السماء وخروج الملاك مبتسما بوجه عامر بالحب، يُنير ظلمة ليلهم. يطول بهم العشق وهم ينتظرون الإشارة، ويطول الانتظار، فتضيق بهم الأمنيات، تتعب الأجساد، وتنامون على أمنيات تعلقت بين السماء والأرض، في انتظار أن يُحقّقها «سيدنا قدر».
كأنهم سجناء، يبْرون، في نوادي عطالتهم، ألسنتهم بالنّميمة والبهتان لتشحيم الكلام اللئيم الجارح حين يخوضون في الأعراض، مشدودون بشيء غير بادٍ للعيان، يدورون يلجمهم الكلام كبغال مربوطة إلى ناعورة، يدورون ويدورون حتى التّعفّن أو الموت أو الانتحار.
يلبسون أقنعة تُخفي سَوْءاتهم عن النّاس، يتشابهون حين يتقاسمون الهواء والمكان والزمان، والكلام المباح وغير المباح، يتكلّمون بهمّة، بجنون، بتشفٍّ يسابقون السّراب، يترصّدون بآذانهم، في خضم الكلام، أخباراً يزيدون فيها ويملأونها بالتّشهير والقذف لتكون أقرب للصدق، كل شيء من حولهم تغيّر، البلاد والعباد، حتى الهواء تغير، والعالم من حولهم اختطّ له نمطا من الحياة مُمِلاًّ حين رآهم لا يسعون إلى تغيير ما بأنفسهم، فمضى وتركهم يلوكون نفس الأسئلة، عن الله والعطالة، عن الألم والموت، عن الحال والمآل، نفس الأحلام، نفس الأمنيات التي لن تتحقّق.
انتهت صلاحيتهم..
تلك بعض الإشارات والتلميحات لأناس فاض بهم الزمن، وفاض عن وقتهم الوقت، حكموا على أنفسهم بالتهميش والإقصاء، إذ «كيف يرقى من يذوب بين الأحذية، يُعفر وجهه التراب، ينظر إلى السماء فيتيه في عليائها، لا ينال غير انكسار وانحسار النظر، وينظر عند قدميه فيرى التراب يشده إلى الأرض شدا. تنأى به المسافات وتتشعّب الطرقات والمسارب والمنعرجات، وتتلوى عند قدميه الخائرتين المنعطفات والمسالك، وتضيع منه البوصلة، وتتلاشى الاتجاهات سرابا فيتيهُ دائخاً ويقف حيث هو، لا يدري أين الاتجاه. خيبات وانكسارات، يعيشها داخل سجن محكم الإغلاق اسمه الجسد، [والمقهى، وجنبات الطرق] ميّتٌ يتنفس فقط، نفْس طالع وآخر نازل، ولا حياة، لا صرخ، لا مقاومة، لا تمرد، يبحث عن الظل تحت حائط شديد الارتفاع، يعيش وجع الاغتراب داخل سجونه. استحلى التراب والتمرغ فيه والحياة بين الأحذية. يحاول جهده بلوغ المدى وهو منه على مرمى كرامة، أو وقوف أو مواجهة أو رفض. كبقّة يلتصق بالتهميش والإقصاء، لا يُجيد إلا الحك والهرس الضحك البليد، يبحث عن كلمات للمضغ اليومي يجترها، يُعيدها، نفسها، بصياغات مختلفة، ركيكة، مكرورة، ممجوجة، ارتضى الذل فأصابه العَطَل حتى أصبح غير صالح للحياة، على ملامح وجهه الكئيب تكاد تقرأ بخط عريض واضح فاضح: "انتهت صلاحيته" ».
يتسلَّلُ بين أعمارهم العمر، يمرّ بلا أثر، ينتظرون لا شيء، فُرص لن تأتي، يحلمون، يشتكون، يلهون، ينسحبون في صمت ولا مبالاة، أفرغوا ذواتهم من المعنى، لا أفق، يغيب صوتهم، حياتهم صورٌ عابرة تموج عند أطراف الحياة، بلا ضمان، بلا إنسانية، يضيق بهم القوس، يزحمهم، يحاصرهم الصمت والتقاعس والاتِّكال، وقتهم انتظار، أحلامهم وأمنياتهم انتظار، يتآكلون من الدّاخل، يفقدون علاقتهم بأنفسهم، يبتعدون إلى الوراء، في غير انشغالٍ بالحال والمآل.
***
عبد الهادي عبد المطّلب
الدار البيضاء - المغرب







