عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد غاني: من يقرأ نيابة عنا؟

كشاف نقدي في أحدث ما كتب عن القراءة، وأحدث النظريات في صلتها بالثقافة، مع مقترح بيداغوجي في تكوين القارئ

مدخل: سؤال اللحظة

لم يعد السؤال المطروح على المثقف اليوم: ماذا نقرأ؟ بل صار: هل ما زلنا نقرأ، وبأي معنى؟ فالمفارقة التي تحكم لحظتنا أن الإنسان المعاصر يمر يوميا على كم من النصوص لم يعرفه جيل قبله، ومع ذلك تتراجع قدرته على ملازمة نص واحد طويل حتى نهايته. نحن نقرأ أكثر ونقرأ أقل في الوقت نفسه: نقرأ أكثر بمقياس عدد الكلمات التي تمر أمام العين، ونقرأ أقل بمقياس العمق والاتصال والأثر. ثم جاءت الآلة التي تلخص وتستخلص وتجيب، فصار في وسع المرء أن يحصل على خلاصة كتاب من غير أن يفتحه، وأن يستشهد بما لم يقرأه. وهنا يصير عنوان هذه الورقة سؤالا حرفيا لا مجازيا: من الذي يقرأ نيابة عنا؟

وما يلي كشاف موجه، لا قائمة عناوين. الغرض منه أن يضع بين يدي القارئ العربي خريطة بما كتب حديثا عن فعل القراءة نفسه، ثم ينظم هذه الكتابات في مسار تعلمي متدرج ينتهي بمقترح عملي في تكوين القارئ. وقد اخترت أن أقدم لكل عنوان بموقعه في الجدل لا بمضمونه فحسب، لأن قيمة الكتاب في هذا الباب تقاس بما يحاور ويرد عليه.

أولا: تفكيك المفهوم قبل الحكم عليه

الخلط الشائع في نقاشاتنا حول القراءة أنها تعامل بوصفها فعلا واحدا، وهي في الحقيقة ثلاث طبقات متراكبة، ولكل طبقة شروطها ومقاييسها وأعطابها.

الطبقة الأولى هي فك الترميز، أي تحويل العلامة المكتوبة إلى صوت ومعنى. وهي مهارة مدرسية تقاس بالسرعة والدقة، وقد تكون سليمة تماما عند من لا يقرأ كتابا واحدا في السنة.

الطبقة الثانية هي القراءة العميقة، وهي الدائرة الذهنية التي تتشكل بالتمرين لا بالفطرة، وتضم الاستدلال والقياس والتمثل والتوقع والحكم النقدي. شرطها الأول الزمن، وعدوها الأول التشتيت، وهي الطبقة التي يدور حولها الجدل العلمي كله اليوم.

الطبقة الثالثة هي القراءة بوصفها ممارسة ثقافية، أي بوصفها فعلا اجتماعيا محكوما بمن يقرأ، وبما يعد جديرا بالقراءة، وبالمؤسسات التي تمنح صفة القارئ. وهنا تلتقي القراءة بالسلطة والذوق ورؤوس الأموال الرمزية.

والقاعدة البيداغوجية التي ينبغي الانطلاق منها أن الخلل في طبقة ينتقل إلى ما فوقها ولا يظهر فيها: فمن اضطربت عنده القراءة العميقة لن يشكو من ضعف في فك الترميز، بل سيشكو من ضجر أمام الكتب، وسينسب الضجر إلى الكتب لا إلى نفسه.

ثانيا: كشاف بأحدث ما كتب عن القراءة

المحور الأول: اقتصاد الانتباه بوصفه شرطا قبليا

كريس هايز، نداء صفارات الإنذار: كيف صار الانتباه أندر موارد العالم، بنغوين برس، 2025. أطروحته أن الانتباه صار موردا يستخرج ويباع كما تستخرج المعادن، وأن التمييز الحاسم ليس بين الانتباه وغيابه، بل بين انتباه إرادي نمنحه وانتباه لا إرادي ينتزع منا. والسوق المعاصرة قائمة على استنزاف الثاني وتجفيف الأول، والقراءة أول ضحايا هذه المعادلة لأنها لا تقوم إلا بالانتباه الإرادي المتصل.

نيكولاس كار، التفتح الهائل: كيف تمزقنا تقنيات التواصل، دار نورتن، 2025. عودة إلى مشروعه القديم في كتاب السطحيون، في صورة أوسع: الاستعارة المركزية مأخوذة من تفتح الزهور الموسمي الكاسح في وادي ووكر، وهي تصور حالنا في فيض دائم من الرسائل حولنا إلى محطات إرسال واستقبال لا تتوقف. وقيمة الكتاب في وصف البنية لا في وصف الشعور.

كريستين روزن، انقراض التجربة، 2024. تكملة ضرورية للكتابين السابقين، إذ تنقل السؤال من الانتباه إلى التجربة نفسها: ماذا يبقى من الإحساس المباشر بالعالم حين يمر كل شيء عبر وسيط؟

ملاحظة نقدية: هذه الكتب الثلاثة قوية في التشخيص ضعيفة في الوصفة، وتوشك أن تقع في حتمية تقنية تجعل الآلة فاعلا والإنسان مفعولا به. ويحسن أن تقرأ بمعية أعمال سوسيولوجية تعيد الاعتبار إلى الفوارق الاجتماعية بين القراء، فليست الشاشة واحدة عند من يملك وقتا وعند من لا يملكه.

المحور الثاني: الدماغ القارئ ومادية الوسيط

ماريان وولف، أيها القارئ عد إلى بيتك، 2018. المرجع التأسيسي في هذا الباب. أطروحتها أن الدماغ ليس مهيأ للقراءة بالولادة، بل ينشئ لها دائرة خاصة، وأن هذه الدائرة قابلة للتشكل وللانحلال معا، ومن هنا دعوتها إلى دماغ مزدوج الكفاءة القرائية يتقن الورق والشاشة معا ويعرف متى ينتقل بينهما.

ناعومي بارون، كيف نقرأ الآن، مطبعة جامعة أكسفورد، 2021. مسح منهجي هادئ يقارن بين الورق والشاشة والصوت في ضوء التجارب، ويصوغ ما يسمى فرضية التسطيح: أن الوسيط الرقمي يستدعي وضعية ذهنية أقل جدية حتى قبل أن يبدأ القارئ.

ليديا ألتامورا وكريستينا فارغاس ولاديسلاو سالميرون، هل تؤتي أشكال القراءة الجديدة أكلها؟ تحليل بعدي للعلاقة بين عادات القراءة الرقمية الترفيهية وفهم النص، مجلة مراجعة البحث التربوي، 2023. هذه الدراسة هي المرجع الكمي الأهم في الملف: أربعون حجم أثر، وعينة تناهز أربعمئة وتسعة وستين ألف مشارك، والنتيجة أن علاقة القراءة الرقمية الترفيهية بفهم النص ضئيلة جدا، إذ يبلغ معامل الارتباط خمسة وخمسين من الألف، في مقابل أثر متوسط ثابت للقراءة الورقية. أي أن ساعة على الشاشة لا تعادل ساعة على الورق في المردود الفهمي.

إعلان ستافنغر حول مستقبل القراءة، 2019، الصادر عن شبكة بحث أوروبية تضم أكثر من مئة وثلاثين باحثا. خلاصته أن الورق يتفوق على الشاشة في النصوص الطويلة الحجاجية، وأن هذا التفوق لا يتقلص بمجرد اعتياد الأجيال الجديدة على الشاشة.

ملاحظة نقدية: يجب الاحتراس من تحويل هذه النتائج إلى حكم ميتافيزيقي على الشاشة. فالمتغير الحاسم ليس المادة بل نمط الانتباه الذي تستدعيه: شاشة معزولة عن الإشعارات، مخصصة لنص واحد، تقترب من الورق. والدرس هنا عملي لا عقدي.

المحور الثالث: أخلاق القراءة وسياستها

إلين كاستيو، كيف نقرأ الآن، دار فايكينغ، 2022. تنقل الكاتبة السؤال من كم نقرأ إلى كيف نقرأ ولحساب من، وتفكك المقولة الشائعة أن القراءة تعلمنا التعاطف، لأنها في نظرها تحول الآخر إلى مادة استهلاك أخلاقي. ويمتد مفهوم القراءة عندها إلى الأفلام والمسلسلات والمعاهدات، فكل ما يؤول نص.

ريتا فيلسكي، حدود النقد، 2015، ثم معلقون: الفن والتعلق، مطبعة جامعة شيكاغو، 2020. وهي تدافع عن الاتجاه المعروف بما بعد النقد، وترى أن الارتياب صار عادة مهنية لا اكتشافا، وأن الجامعة علمت أجيالا أن تفضح النصوص ولم تعلمها أن تتعلق بها، فخسرنا وصف ما يفعله الأدب بنا فعلا.

ملاحظة نقدية: قيمة هذين المرجعين في تعارضهما. فكاستيو تطلب مزيدا من الارتياب، وفيلسكي تطلب تخفيفه، وقراءتهما معا هي الجدل الحي في نظرية القراءة اليوم. والاكتفاء بواحد منهما تحزب لا تكوين.

المحور الرابع: القراءة سيرة ذاتية وعرضا مرضيا

سارة تشيهايا، رهاب الكتب: سيرة، دار راندوم هاوس، 2025، وقد بلغت التصفيات النهائية لجائزة بوليتزر سنة 2026. كتاب يقلب الأدبيات التقوية عن الكتب التي أنقذت حياتنا، ويروي كيف يمكن للكتب أن تصير هوية خانقة وعبئا ومرضا. وأهميته البيداغوجية أنه يعالج ما لا تعالجه أدبيات تشجيع القراءة: القارئ الذي أصابه العطب من فرط القراءة لا من قلتها.

المحور الخامس: القراءة الآلية وسؤال ما بعد الإنسان

فرانكو موريتي، القراءة عن بعد، 2013، وتيد أندروود، آفاق بعيدة، مطبعة جامعة شيكاغو، 2019. هنا تنتقل القراءة من النص المفرد إلى المدونة الضخمة، ومن التأويل إلى الإحصاء، فيصير السؤال عن الأنماط الكبرى عبر القرون لا عن معنى صفحة. وهو تحول في المقياس يغير طبيعة السؤال النقدي نفسه.

إميلي بندر وأليكس هانا، خدعة الذكاء الاصطناعي، دار هاربر، 2025. كتاب جدالي في نقد التضخيم التسويقي للنماذج اللغوية، وهو يعنينا مباشرة لأن هذه النماذج تسوق اليوم بوصفها بديلا عن القراءة لا أداة في خدمتها.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بإنصاف: هل تقرأ الآلة؟ إنها تعالج النص وتستخرج علاقاته باقتدار يفوق قدرتنا في المسح والمقارنة، لكن الطبقة الثالثة من القراءة، أي الموقع والمسؤولية والانخراط في تاريخ، تظل خارج ما تفعله. والنقاش في هذا مفتوح بين من يرى أن الفهم الوظيفي كاف، ومن يرى أن الفهم بلا موقع ليس فهما، ولا يحسن بالباحث أن يحسم ما لم يحسمه أهل الاختصاص.

المحور السادس: ما كتبناه نحن

عبد الفتاح كيليطو في أعماله، ولا سيما لن تتكلم لغتي، والأدب والغرابة، وأتكلم جميع اللغات لكن بالعربية. عنده أن القراءة اختبار للغرابة، وأن سوء الفهم قد يكون خصبا، وأن علاقتنا بتراثنا نفسها علاقة قراءة لا علاقة ملكية.

سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط. مقاربة عربية مبكرة للنص الرقمي وتفرعاته، تستحق أن تستأنف اليوم في ضوء ما استجد.

عبد الله الغذامي في النقد الثقافي، حيث تصير القراءة كشفا للأنساق المضمرة في الخطاب الجمالي نفسه.

نصر حامد أبو زيد في إشكاليات القراءة وآليات التأويل، وهو مدخل إلى الجدل العربي حول حدود التأويل ومشروعيته.

ويضاف إلى ذلك ما تراكم من تقارير حول المقروئية العربية منذ مؤشر القراءة العربي سنة 2016، وهي تقارير تحتاج إلى تحديث منهجي ودوري، لأن الاعتماد عليها اليوم اعتماد على صورة قديمة.

ملاحظة عامة: مكتبتنا العربية غنية في نظرية التأويل، فقيرة في سوسيولوجيا القراءة الميدانية. نحن نعرف كيف يجب أن يقرأ النص، ولا نعرف كيف يقرأ الناس فعلا. وهذه هي الفجوة التي ينبغي أن يتوجه إليها البحث العربي في العقد المقبل.

ثالثا: أحدث النظريات في وصل القراءة بالثقافة

النظرية الأولى: ما بعد النقد. تنطلق من أن القراءة الارتيابية، التي ورثناها عن ماركس ونيتشه وفرويد ثم عن مدارس ما بعد البنيوية، صارت إجراء آليا يفترض أن النص يخفي شيئا دائما وأن مهمة الناقد فضحه. وتقترح فيلسكي بديلا يصف أشكال التعلق والاستعمال والتأثر، فيكون السؤال: ماذا يفعل النص بنا، لا ماذا يخفي عنا. وأثرها الثقافي أنها تعيد الاعتبار إلى القارئ العادي الذي يقرأ ليحيا لا ليكشف.

النظرية الثانية: إيكولوجيا الانتباه، كما بلورها إيف سيتون. الانتباه ليس ملكة فردية بل مورد جماعي تنظمه بنى اقتصادية وتقنية، تماما كما ينظم الماء والهواء. ومن هنا تصير القراءة قرارا سياسيا: أن تخصص انتباهك لنص طويل معناه أن تسحبه من سوق تشتريه بثمن بخس. وهذه النظرية هي الجسر النظري بين أدبيات الانتباه وأدبيات القراءة.

النظرية الثالثة: مادية الوسيط والقراءة المجسدة. تجمع بين تمييز كاثرين هايلز بين الانتباه العميق والانتباه المتشعب، وبين أبحاث آنه مانغن حول اللمس والمكان في القراءة: اليد التي تقلب، والصفحة التي تمنح النص جغرافيا، والذاكرة المكانية التي نستعيد بها موضع الفكرة. ومؤداها الثقافي أن الشكل المادي للكتاب ليس غلافا محايدا للمعنى، بل جزء من شروط إنتاجه.

النظرية الرابعة: القراءة بوصفها استعمالا وتصيدا. أصلها عند ميشيل دو سيرتو الذي وصف القارئ بأنه صياد يعبر أرض غيره ويقتنص منها ما ليس له، فالقراءة إنتاج صامت لا استقبال سلبي. وتلتقي بها أعمال بورديو في رأس المال الثقافي، وأبحاث سوسيولوجيا القراءة حول ما سمي طبقة القراء، أي أن القراءة ممارسة توزع اجتماعيا كما توزع الثروة. ومؤداها أن أي سياسة ثقافية للقراءة لا تعالج شروط الوقت والمكان والمكتبة ستظل خطابة.

النظرية الخامسة: القراءة الحاسوبية وتغير المقياس. حين ينتقل التحليل من عشرات النصوص إلى مئات الآلاف، لا يتغير حجم الشغل فحسب، بل تتغير طبيعة الأسئلة الممكنة، وتظهر أنماط لا يدركها القارئ المفرد ولو عاش قرونا. وفي المقابل يغيب ما لا يقبل العد. والموقف الرشيد أن تعامل هذه القراءة بوصفها مرصدا يكشف التضاريس، لا بديلا عن النزول إلى الوادي.

النظرية السادسة: أخلاق التلقي. وهي التي تجعل بين القارئ والنص عهدا لا صفقة، وتسأل عن مسؤولية القارئ لا عن حقوقه فحسب. وهنا موضع إسهام ممكن للثقافة العربية الإسلامية، فالقراءة في تقاليدنا لم تكن يوما استهلاكا محايدا: كان لها آداب وأسانيد وإجازات، وكانت تتم في مجلس بحضور شيخ ومدارسة أقران، وكان بطء هذه العملية جزءا من جدواها لا عائقا أمامها. ولسنا ندعو إلى استعادة حرفية لهذه الصورة، وإنما إلى استخراج مبدئها البيداغوجي: أن القراءة تكوين للشخص لا تحصيل للمعلومة، وأن الجماعة القارئة شرط في جودة القراءة الفردية.

رابعا: أين تقف الثقافة العربية من هذا كله؟

يمكن اختزال موقعنا في ثلاث فجوات. الفجوة الأولى فجوة المعطى: لا نملك مسوحا دورية موثوقة عن عادات القراءة العربية بحسب الفئات والوسائط والمناطق، ومن غير معطى لا تبنى سياسة ولا يقاس أثر. والفجوة الثانية فجوة الوسيط: انتقلنا إلى الشاشة انتقالا جماعيا سريعا من غير بيداغوجيا مرافقة، فورثنا عادات المسح والقفز من غير أن نحفظ عادات المكث والاتصال. والفجوة الثالثة فجوة التقليد: قطعنا الصلة العملية بآداب المجالس والمدارسة والإجازة، وهي تراث بيداغوجي في القراءة الجماعية البطيئة كان في وسعه أن يكون مصدر حلول لا مجرد موضوع افتخار.

خامسا: مقترح بيداغوجي في تكوين القارئ

ما يلي منهاج عملي متدرج، يصلح للفرد وللحلقة وللمؤسسة التعليمية، وقد صيغ في ست محطات، لكل محطة هدف وإجراء ومؤشر تقويم.

المحطة الأولى: التشخيص. الهدف أن يعرف المتعلم عادته الفعلية لا عادته المتخيلة. والإجراء أن يمسك يوميات قرائية أسبوعين يسجل فيها ما قرأ ومدته ووسيطه وعدد المقاطعات. والمؤشر أن يستخرج في نهاية المدة متوسط أطول مدة انتباه متصل عنده.

المحطة الثانية: استعادة الزمن الطويل. الهدف ترميم دائرة القراءة العميقة. والإجراء جلسة يومية متصلة لا تقل عن خمس وأربعين دقيقة، على ورق، بعيدا عن أي جهاز، في وقت ثابت من اليوم. والمؤشر ارتفاع مدة الاتصال من غير شعور بالجهد خلال أربعة أسابيع.

المحطة الثالثة: توزيع الوسائط بوعي. الهدف الانتقال من العشوائية إلى القصد. والإجراء قاعدة ثلاثية: الورق للنص الطويل والحجاجي والمرجعي، والشاشة للبحث والمسح والاطلاع السريع، والصوت للسرد وللمراجعة لا للتأسيس. والمؤشر أن يكون المتعلم قادرا على تعليل اختياره للوسيط في كل مرة.

المحطة الرابعة: القراءة الثانية. الهدف الانتقال من الاستهلاك إلى التملك. والإجراء إعادة قراءة نص مختار مع التعليق على الهامش، ثم تلخيصه بالقلم من غير عودة إلى الأصل ومن غير أداة. والمؤشر مطابقة التلخيص لبنية النص لا لألفاظه.

المحطة الخامسة: المدارسة. الهدف إعادة بناء الجماعة القارئة. والإجراء حلقة أسبوعية على نص واحد، يتناوب أعضاؤها على تقديمه ومساءلته، على مثال مجالس القراءة في تقاليدنا العلمية. والمؤشر جودة الاعتراضات لا كثرة الإعجاب.

المحطة السادسة: مساءلة العقد. الهدف بلوغ الطبقة الثالثة من القراءة. والإجراء أن توجه إلى كل نص أربعة أسئلة ثابتة: من كتبه ومن أين يتكلم، ولمن كتب ومن تخيله قارئا، وماذا يفترض في مسبقا، وماذا يخفي ترتيبه لا ألفاظه. والمؤشر أن يصير طرح هذه الأسئلة عادة لا تكلفا.

أما التقويم الإجمالي فيقوم على أربعة معايير: مدة الانتباه المتصل، ونسبة النصوص المعاد قراءتها إلى مجموع المقروء، والقدرة على التلخيص الذاتي من غير وسيط، وجودة الأسئلة التي يطرحها المتعلم على النص. وهذه المعايير الأربعة صالحة لأن تحول إلى شبكة تقويم في مؤسسة تعليمية أو في برنامج ثقافي عمومي.

خاتمة

حين نسأل: من يقرأ نيابة عنا، فالجواب أنه من نتركه يفعل. تركنا الخوارزمية تختار لنا ما نقرأ، ثم تركنا الآلة تلخص لنا ما لم نقرأه، وقد ننتهي إلى أن نترك لها أن تحكم لنا على ما لم نلخصه. وليس المخرج في حنين إلى زمن الورق ولا في تحريم الشاشة، وإنما في أن تستعاد القراءة بوصفها قرارا واعيا، وأن يبنى هذا القرار بالتدريب لا بالوعظ. فالبيداغوجيا هي الاسم الذي نطلقه على تحويل القرار إلى عادة، والعادة إلى ثقافة. وما لم تحصل هذه النقلة، سنظل نحتفل بالكتاب في المعارض ونهجره في البيوت.

***

د محمد غاني – كاتب / المغرب

في المثقف اليوم