عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قائد عباس حمودي: الغناء بلسان الفلسفة

لطالما اعتقدنا أن الفلسفة تسكن الكتب وأن الغناء يتبخر بمجرد صمت الحنجرة، لكن ماذا لو كان الغناء هو الطريقة الوحيدة التي تفكر بها الروح بصوت عالي؟ حيث أن علاقته بالفلسفة ليس مجرد لقاء بين نص ونغم، بل هي محاولة الإنسان الازلية لترجمة قلق الوجود إلى لحن مسموع، وإذا عدنا في الذاكرة إلى جمهورية أفلاطون التي طرده الشعراء والموسيقيين خوفاً على منطق الدولة وصولاً إلى نيتشة الذي رأى في الموسيقى الخلاص الوحيد من عبثية العالم، ضل الغناء لغزاً فلسفياً محيراً، وهل هو مجرد ترفيه للحواس أم أنه ميتافيزيقا تتجسد في صورة البشر. هنا بالتحديد تصبح الكلمة المغناة أعمق من المفهوم المجرد، ويصبح اللحن هو الجسر الذي يسير فوقه العقل البشري ليصل إلى الحقيقة التي عجزة اللغة عن نطقها. هناك منطقة سرية في الوعي البشري تلتقي فيها الحكمة بالنغم عن طريق رصانة الفكر وجموح الطرب. البحث عن العلاقة بين الغناء والفلسفة يقودنا إلى مسارات فكرية عميقة حيث أن هذه العلاقة ليست سطحية بل هي متجذرة في جوهر كليهما كتعبير عن الطبيعة البشرية والسعي لفهم العالم، وعلى المستوى الوجودي الغناء والفلسفة كلاهما يحاولان الإجابة عن أسالة الوجود. من نحن؟ ما هو مكاننا في هذا العالم؟ هنا التحديد تستخدم الفلسفة المنطق والتحليل، بينما يستخدم الغناء النغم والعاطفة لتجسيد هذه الأسئلة والشعور بالوجود نفسة، والصوت البشري هو أحد أقدم مظاهر الوجود الإنساني وأكثرها فكرة تصل إلى عقل ووجدان المتلقي. من منظور فلسفي يمكن النظر إلى الغناء كحضور مادي لفكرة معينه تطرح بشكل فلسفي في هذا العالم وينظر إلى الغناء فلسفياً كحالة فيض روحي يتحرر فيها الصوت من ماديته ليصبح تجربة حيه تعيد تشكيل الذات والعالم، وارتبط الغناء بالفلسفة منذ الاغريق حيث أعتبرها ارسطو علماً يؤثر على النفس والمجتمع، وشوبنهاور رآها سبيلاً للخلاص من الإرادة، بينما يرى اسبينوزا الغناء أحساس يعزز التفكير التأملي، و يؤكد الفلاسفة أن الغناء يهيب بالعواطف لتكوين شخصية أخلاقية محولاً المتعة الحسية إلى قوة روحية تعالج النفس وتعد العقل للفلسفة، وعند العرب مثل أبو حيان التوحيدي هو مغطاة للعقل ومعاينة للروح، بينما يرى الرازي فيه سحراً نفسياً يقي من الأزمات . من جانب جمالي يعتبر الغناء أحد أهم مواضيع فلسفة الفن والجمال من خلال التوفيق بين الشكل والمضمون على حدٍ سواء ما بين الغناء والفلسفة، والاغنية الجديدة كالفكرة الفلسفية الجديدة التي تتسم بالتماسك والتناغم الداخلي. من جانب أخلاقي أستخدم الغناء عبر التاريخ كوسيلة لنقل الرسائل الأخلاقية تماماً مثلما تنظر الفلسفة الأخلاقية في القيم وتنظيم المجتمع، وإن بعض الأغاني تعتبر فلسفة ملحنة تنبع من الهوية الاجتماعية عن طريق مساهمة الغناء في صنع الهوية والذاكرة للمجتمع، والفلسفة تتمثل في سعي العقل البشري للمعرفة المنظمة، بينما يمثل الغناء معرفة من نوع أخر تتمثل بالمعرفة القلبية او العاطفية أو البديهية، وبعض الفلاسفة مثل شوبنهاور ونيتشه يؤكدون على أهمية الفن كطريقة للمعرفة لا تقل أهمية عن العقل، ونظر ارسطو إلى التراجيديا المسرحية المصحوبة بالموسيقى والغناء تؤدي غالباً إلى التطهير من المشاعر الحزينة عن طريق أثارة الروح الحماسية في نفس المتلقي، والغناء هو كالصلاة أو الاتصال بالمطلق في العديد من التقاليد الفلسفية والدينية كالأفلاطونية المحدثة أو التصوف الإسلامي والمسيحي، ويستخدم الغناء كوسيلة لرتقاء الروح والاتصال بالوجود المطلق أو الإلهي، هنا بالتحديد يصبح الصوت جسراً بين العالم المادي والعالم الروحي، وفيثاغورس قديماً ربط بين الموسيقى والتناغم الرياضي للكون حيث أن النغمات والإيقاعات كانت أنعكاساً للنظام الفلسفي والأخلاق للكون. في الختام علاقة الغناء بالفلسفة هي علاقة تكاملية بين العقل والقلب، وبين المنطق والعاطفة، وكلاهما يبحث عن الحقيقة والتعبير عنها مع اختلاف الأدوات، والغناء ممكن أن يكون فلسفة محسوسة، والفلسفة ممكن أن تكون أغنية عقل مجرد، وكلاهما يمثلان سعياً إنسانياً خالصاً لفهم الوجود وإعطائه المعنى الذي يناسبه.

***

قائد عباس حمودي