عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بولص آدم: التعايش الواعي.. أيُّ وعي؟

كل مرحلة من تاريخ البشرية حملت سؤالها الكبير. كان سؤال الماضي يدور حول البقاء، ثم أصبح سؤال الدولة والحرية والحقوق، أما اليوم فيبدو أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف يعيش الإنسان مع إنسان آخر يختلف عنه، دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى مصدر خوف أو صراع؟

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في النقاشات المتعلقة بالهويات الدينية، والقومية، والعرقية، والثقافية. ومع أن الهوية تمنح الإنسان جذوره وذاكرته وشعوره بالانتماء، فإنها تتحول إلى عبء عندما تصبح المعيار الأول للحكم على الآخرين. عندها ينقسم العالم إلى دوائر مغلقة، ويغدو الإنسان أسيرًا لتعريفاته قبل أن يكون إنسانًا.

من هنا تبرز فكرة التعايش الواعي بوصفها أفقًا جديدًا للعلاقات الإنسانية. إنها دعوة إلى الانتقال من الدفاع المستمر عن الهوية إلى بناء علاقة تقوم على احترام الإنسان في إنسانيته أولًا، مع الاعتراف بحقه في أن يحتفظ باختلافه وثقافته وقناعاته. فالتنوع حقيقة رافقت البشرية منذ بداياتها، والاختلاف مصدر ثراء عندما يجد بيئة أخلاقية تحتضنه.

هذا التصور يجد أساسًا فلسفيًا عميقًا عند الفيلسوف إيمانويل ليفيناس، الذي جعل العلاقة مع الآخر منطلقًا للأخلاق. فالإنسان، في نظره، يلتقي بوجه الآخر قبل أن يطلق عليه الأحكام أو يضعه داخل التصنيفات. هذا اللقاء يوقظ الإحساس بالمسؤولية، ويجعل احترام الكرامة الإنسانية سابقًا على الخلافات الفكرية والدينية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن التعايش يثير سؤالًا مهمًا: هل يكفي ارتفاع مستوى الوعي حتى يعم السلام؟

التاريخ يقدم صورة أكثر تعقيدًا. فقد عرفت مجتمعات شرقية فترات كانت الأمية فيها واسعة، ومع ذلك عاش الناس في كثير من الأحيان ضمن حالة من التعايش والاستقرار، بينما شهد العصر الحديث، الذي ارتفعت فيه مستويات التعليم وانتشرت المعرفة، حروبًا عالمية وصراعات لم يعرف التاريخ مثيلًا لها. هذه المفارقة تدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بين المعرفة والسلام.

يبدو أن السر يكمن في وجود ثقافة أخلاقية مشتركة كانت تنظم الحياة اليومية. احترام الجار، وإكرام الضيف، وحفظ الكلمة، ومكانة الأسرة، والالتزام بالأعراف، كلها شكلت منظومة عملية تحد من النزاعات، وتمنح المجتمع قدرة على استيعاب الاختلاف. كانت الحكمة تنتقل عبر التجربة والتربية، وتتحول إلى سلوك يومي ينعكس في تفاصيل الحياة.

أما الإنسان المعاصر، فقد أصبح يمتلك معرفة واسعة بالعالم، ويعيش في فضاء رقمي مفتوح، ويتلقى في كل لحظة سيلًا من الأخبار والآراء والخطابات المتناقضة. هذا التدفق الهائل للمعلومات منح الإنسان أدوات جديدة للفهم، وفتح في الوقت نفسه أبوابًا واسعة للاستقطاب والتحريض وصناعة الصور النمطية. وهكذا اتسعت المعرفة، بينما تراجعت في كثير من الأحيان القدرة على الإصغاء والحوار.

لهذا يبدو أن المستقبل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع الوعي، والثقافة الأخلاقية، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار السياسي، والاقتصادي. عندما تتفاعل هذه العناصر، يصبح الاختلاف فرصة للتعاون، وتتحول الهوية إلى مساحة للتعارف، ويكتسب الإنسان ثقة تسمح له برؤية الآخر شريكًا في بناء الحياة.

ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يحمله القرن الحادي والعشرون مختلفًا عن أسئلة القرون السابقة. فبدل الانشغال بالسؤال: "من يشبهني؟"، يبرز سؤال أكثر عمقًا وإنسانية: "كيف أعيش مع من لا يشبهني؟"

عند هذه النقطة يبدأ التعايش الواعي، وتبدأ معه رحلة الانتقال من صراع الهويات إلى شراكة الإنسان مع الإنسان، حيث تصبح الكرامة الإنسانية القيمة الأعلى، ويغدو الاختلاف طريقًا إلى الاتساع، لا سببًا للانقسام.

***

بولص آدم

في المثقف اليوم