عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

شيماء هماوندي: الاستشارة الفلسفية للأطفال عند سامح الطنطاوي

سامح الطنطاوي هو مفكر وباحث وأكاديمي مصري في الفلسفة والإستشارة الفلسفية وعلم الجمال، حاصل على درجتي دكتوراه في الفلسفة، و"مُستشار فلسفي دولي" لدى المؤسسات والشركات الإيطالية، بالإشتراك مع وزارة الصحة والتعليم والعدل الإيطالية منذ عام 2023م، ويُعد من الرواد الذين تحدثوا عن الإستشارة الفلسفية في الفكر العربي المعاصر، كما ويُعد كتابه المشترك مع الدكتور "مصطفى النشار" بعنوان" مدخل الى الإستشارة الفلسفية"عام( 2024م)، من أبرز الكتب التي تحدثت عن الإستشارة الفلسفية، كما ناقش الكتاب موضوع مهم وجديد على المجتمع العربي ألا وهو "الإستشارة الفلسفية للأطفال"، وأهمية تدريس الفلسفة للطفل في المدرسة.

من أبرز أبحاثه في مجال الإستشارة الفلسفية: "الإستشارة الفلسفية عند جيرد آشينباخ" نُشر في عام 1918م، و"الإستشارة الفلسفية بوصفها فناً" في عام 2023م، وصدر له العديد من الكُتب في الفلسفة، والدراسات الجمالية، والإستشارة الفلسفية، أبرزها "مدخل الى الإستشارة الفلسفية" الذي أصبح مرجِعاً مهماً لكل الباحثين والراغبين في التعرف على مفهوم الإستشارة الفلسفية ومهام المستشار الفلسفي باللغة العربية، وفي أثناء قراءتي لكتاب "مدخل الى الإستشارة الفلسفية" إستوقفني حديث الدكتور "سامح الطنطاوي" عن الأسباب التي ألهمته فكرة الكتابة عن ضرورة تدريس الفلسفة للأطفال، والعمل على تفعيل الإستشارة الفلسفية في مدارس الأطفال، حيث يقول في هذا الكتاب، في الفصل الرابع بعنوان "الإستشارة الفلسفية والأطفال: إشكالية السؤال الفلسفي": ((كتبت هذا الفصل من خلال مُعايشتي لإبني "محمود"، في مرحلة طفولته البريئة، والمُدهشة بحق..، ولعل الدهشة والشغف في عيون إبني تجاه تفاصيل الحياة بوصفها تفاصيل جديدة في كونه الخاص، ورؤيتي له، كانا وراء التفكير في إعداد دراسة حول السؤال الفلسفي عند الأطفال، هذا السؤال الذي كان وراء إبداعات فلاسفة ومفكرين كِبار على مر العصور))، نستطيع أن نستشف من هذا النص حرص"الطنطاوي" على أن لا يُقدم الفلسفة للأطفال كنسق مُغلق، بل "كخبرة جمالية حية"، وهذا ما يجعل فكره مدخلاً ممتازاً للإستشارة الفلسفية للأطفال، لأنه يربط الفلسفة بالدهشة والجمال لا بالتعقيد.

لماذا يجب تدريس الفلسفة للأطفال؟

يُركز "الطنطاوي" على قضية مهمة تقع في صُلب الإستشارة الفلسفية وهي تتعلق "بالفلسفة للأطفال" Philosophy For Children التي يتم إختصارها الى ( PC4)، من خلال التركيز تحديداً على السؤال الفلسفي، حيث لاحظ الطنطاوي (توفر دراسات باللغات الأجنبية والعربية حول موضوع الفلسفة للأطفال بشكلٍ عام)، ولكن مع ندرة شديدة تُركز على موضوع (السؤال الفلسفي لديهم)، إذ لم ياخذ هذا السؤال الإهتمام الكافي في الفكر الفلسفي المعاصر في وقت كتابة هذا الكتاب في عام 2024)، من هنا جاءت أهمية هذه الدراسة الفلسفية التي يقدمها "الطنطاوي" لتُسلط الضوء على الإهتمام بهذا النوع من البحث الفلسفي الذي يهتم بقيمة السؤال الفلسفي بشكلٍ عام، وسؤال الطفل بشكل خاص، كما أشار"الطنطاوي" الى رأي استاذ الفلسفة الأمريكي (ماثيو ليبمان) الذي إشتهر بدعوته الى ضرورة تطوير التفكير النقدي عند الأطفال في مرحلة الطفولة وبالتحديد في سن الحادية عشرة وماقبلها، خصوصاً حينما لاحظ "ليبمان" أن طُلابه في الجامعة وإن كانوا قادرين على دراسة تاريخ الفلسفة، إلا أنهم غير قادرين على التفلسف، وهذا يرجع الى عدم ممارسة التفكير النقدي، وطرح السؤال منذ الطفولة، ونحن نعتقد أن دراسات الفلسفة التي أسسها "ماثيو ليبمان" تتفق مع ما يؤكده "الطنطاوي" في جمالياته في أن "الطفل يمتلك ما يفقده الكبير، وهو القدرة على الدهشة"، فالطفل يسأل: من هو الجميل؟ لماذا هذا عادل وهذا ليس عادلاً؟ ماذا يعني أن أكون طيباً؟ ماهي السعادة؟ إن هذه الأسئلة ليست أسئلة ساذجة، بل هي أسئلة فلسفية خالصة، لكن المشكلة تكمن في أن طريقة التدريس في المدرسة التقليدية تقتل السؤال بالإجابة الجاهزة، وهنا ياتي دور الإستشارة الفلسفية لتشجيع الأطفال "أن لا يخافو من التساؤل"، وأن يتعلموا الحوار، ويتدربوا على "فن طرح السؤال الصحيح".

وقد أورد الطنطاوي في هذا الكتاب بعض التجارب الدولية في تعليم الفلسفة للأطفال، حيث يذكر مركزين جديرين بإهتمامٍ خاص في مجال تنمية الفلسفة من أجل الأطفال، وقد إعتمد هذان المركزان في البداية "على منهج " ماثيو ليبمان"، إلا أنهما ضما فيما بعد مناهج أخرى، المركزان هما:

- معهد تطوير الفلسفة للأطفال (IPAC)، وقد تأسس في عام 1974.

- والمجلس العالمي للبحث الفلسفي مع الأطفال، وقد تأسس في عام 1975.

كما يوجد عبر العالم عدد من المجلات التي تهتم بالأنشطة الفلسفية للأطفال، منها:

- Childhood and Philosophy يُصدرها (ICPIC)، وتتضمن مقالات وتدوينات وبرامج دراسية ليس فقط للأطفال، بل الى كل من يُهمه أمر تدريس الفلسفة لليافعين.

- Aprendar a Pensar، حيث تنشُرها في إسبانيا المجلة الدولية للمراكز اللاتينية الأمريكية، للفلسفة من أجل الأطفال.

- Thinking Critical and Creative Critical، ينشرها مركز (LAPC)، منذ عام 1979م، وتُمثل منتدى يتعلق بأعمال الممارسين في مجال الفلسفة من أجل الأطفال.

- وفي ألمانيا هناك قطبان مهمان أحدهما حول أعمال "إكهارت مارتنزEkkehard Martens" (جامعة هامبورج)، والثاني حول "هيرب كارل فريدريك Friedrich Herb Regensburg"، (أستاذ كرسي التربية في مجال الفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار بجامعة ريجنزبيرج Regensburg)

وكذلك يُشير "الطنطاوي" الى أن النموذج الإيطالي في تدريس الفلسفة في المدرسة يُعتبر نموذجاً مثالياً يُركز على تاريخ الفلسفة، وقد أتاح أحد المؤتمرات في عام 2003 من خلال الجمعية الفلسفية الإيطالية (SFI) وضع وتحديد الافاق والتطورات المُتعلقة بمنهج تدريس الفلسفة في إيطاليا.

وتُدَّرس الفلسفة في بعض المدارس الثانوية في العالم العربي، وهناك أقسام فلسفة في أغلب كليات الآداب، وأيضاً هناك في أفريقيا في كل من "كينيا" (شعبة الفلسفة بجامعة كينياتا)، وفي "نيجيريا" (معهد التربية)، وكذلك في جنوب إفريقيا، جامعة، Western Cape، في كلية التربية.

إن الفلسفة من أجل الأطفال تُمثل تجديداً في تاريخ تدريس الفلسفة في العالم المعاصر، ويُشير الطنطاوي الى أنه لأمر مُستحب أن تتعدد الممارسات الفلسفية في إستشارات الأطفال، وأن تتنوع الُسُبل التربوية والتعليمية في تدريس الفلسفة للأطفال، وذلك لأن سُبل الفلسفة ذاتها متنوعة ومُتعددة.

الإستشارة الفلسفية للأطفال برؤية "سامح الطنطاوي"

لو طبقنا منهج سامح الطنطاوي على الإستشارة الفلسفية للأطفال، سنخرج بثلاث مبادىء:

الأول: من المفهوم المجرد الى التجربة الجمالية:

لاتسأل الطفل ما هوتعريف العدالة؟ بل إعرض عليه قصة مصورة لوحة أو موقفاً من حياته، الطنطاوي يرى أن الجمال هو المدخل للفهم، فحين يرى الطفل صورة غير عادلة، سيشعر بالقُبح قبل أن يفهم الظلم، وهذا الشعور هو بداية التفلسف.

الثاني: المعلم ليس مُلقناً بل وسيطاً جمالياً:

في الإستشارة الفلسفية عند الطنطاوي، دور المًستشار ليس أن يُعطي،إجابة صحيحة، بل أن يوزع سلطة السؤال، كما يقول الطنطاوي في تحليله للجماليات، فإن العمل الفني عمل مفتوح، وكذلك حوار الأطفال يجب أن يكون عملاً مفتوحاً، يجلس فيه الأطفال في دائرة تكون (على شكل لُعبة)، يقترحون حلولاً ويبنون على أفكار بعضهم البعض، ويتعلمون فن السؤال، والحوار، والقدرة على الإنصات للآخرين، والتفكير النقدي البسيط المناسب لعمرهم.

الثالث: الإرشاد بالمعنى لا بالتشخيص:

الطفل الذي يُعاني من خوف أو غضب لا يحتاج الى "وصم بالتشخيص"، بل يحتاج الى مساحة آمنة ليسأل: ما الخوف؟ ما الغضب؟ ما السعادة؟، فالإستشارة الفلسفية للأطفال لاتُعالج الطفل، بل تُعلمه كيف يُفكر فيما يؤلمه، فيحوله من مُعاناة صامتة، الى سؤال قابل للفهم.

إن أهمية الإستشارة الفلسفية للأطفال عند " سامح الطنطاوي" تكمن في أنه أعاد الجمال من جديد الى قلب الفلسفة العربية" وبالأخص "الإستشارة الفلسفية عند الأطفال"، وهذا بالضبط ما تحتاجه الإستشارة الفلسفية للأطفال، وهو أن تُعيد للفلسفة جمالها، وللطفل حقه في أن يسأل دون خوف، فالفلسفة ليست فقط مادة تُدرس في المدرسة، أوالثانوية فحسب، بل هي حق إنساني منذ أن يندهش الطفل أول مرة ويسأل لماذا. أو كيف؟ تلك الدهشة لو حافظنا عليها يصبح لدينا جيل قادر على التفكير النقدي، والحفاظ على القيم الإنسانية، ويُجيد مهارات الحواروالتواصل الإجتماعي، وقادر على بناء المجتمع وتطويره.

***

شيماء هماوندي

...................

المصادر التي إستند إليها المقال:

1- مدخل الى الإستشارة الفلسفية، مصطفى النشار، وسامح الطنطاوي، 2024م.

2- الإستشارة الفلسفية عند جيرد آشينباخ، سامح الطنطاوي، 2018م.

3- الإستشارة الفلسفية بوصفها فناً، سامح الطنطاوي، 2023م.

في المثقف اليوم