قضايا

بدر الفيومي: نحن وثرة المعلومات (5): الإنسان المعاصر وأزمة التركيز

تجدر الإشارة ابتداء إلى أن مقصدنا من هذه الحلقات لا يتمثّل في اتخاذ موقف رافض على نحوٍ مطلق للعالم الرقمي أو للشبكة العنكبوتية والخوارزميات التي تحكم آليات عملها، بل ينصرف إلى تقديم نقد بنّاء لطبيعة تعاملنا معها، وإلى مساءلة أنماط استفادتنا منها في سياق مواكبة العصر بما يحمله من تحوّلات متسارعة وتحديات متجددة. فالغرض الأساس هو بيان الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف هذه الوفرة المعرفية الهائلة توظيفًا واعيًا، دون الوقوع في براثنها أو الانسياق غير النقدي خلف تدفقاتها، بما يضمن أن تظل هذه الأدوات خاضعة لما تشكّل عليه وعينا وقيمنا واختياراتنا، لا أن تتحوّل هي إلى قوة مهيمنة تُعيد تشكيل وعينا، أو تفرض علينا أنماطًا من التفكير والسلوك لم نخترها بإرادتنا ولم نقرّها بوعينا.

وإذا ما انتقلنا إلى الكلام عن الإنسان المعاصر وأزمة التركيز؛ نجد أن التشتت الذهني في زمننا لم يعد ظاهرة هامشية أو عرضًا نفسيًا فرديًا، بل صار سمة بنيوية للإنسان المعاصر، ونتاجًا مباشرًا لتحولات عميقة في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها. ففي عصر ثروة المعلومات، لم يُصب الإنسان بعجز عن الوصول إلى المعلومة، بل أُصيب بعجز أخطر وهو العجز عن الثبات معها. حيث تتدفق الأفكار، والآراء، والتأويلات، والشبهات، في نسق متسارع، حتى تحوّل العقل الإنساني إلى مساحة عبور مؤقت لا إلى حقل استقرار معرفي. ومن ثم يتشكّل نموذج الإنسان المشتت، الذي لا يعاني من فقر في المحتوى، بل من وفرة تُنتج فقدان القدرة على التركيز، أكثر مما تُنتج الفهم.

هذا التشتت لم ينشأ صدفة، بل تقف خلفه منظومة خوارزمية دقيقة تعمل وفق نسقية محددة، هدفها الأول ليس بناء الوعي، بل تعظيم التفاعل. فالخوارزميات لا تميز بين الحق والباطل، ولا بين العميق والسطحي، وإنما تُفضّل ما يُثير، وما يُستفز، وما يُغذّي الانفعال السريع. وفي هذا المناخ، يُكافأ المجدفون والمجترئون، ويُقصى المتأملون، ويُدفع العقل الجمعي إلى الاستجابة لا إلى التفكّر. ومع هذا التكرار، تتآكل قدرة الإنسان على الثبات الذهني. إذ تشير دراسات في علم النفس المعرفي إلى أن التعرّض المتواصل لمحتوى متشظٍ يؤدي إلى ما يُعرف بـ التقطيع المعرفي (Cognitive Fragmentation)، حيث تُفصل الأفكار عن سياقاتها، وتُجتزأ القضايا الكبرى إلى مقاطع قصيرة، خالية من العمق.

وتشير دراسة لجامعة ستانفورد (2018) إلى أن متوسط مدة التركيز المتواصل لدى مستخدمي المنصات الرقمية انخفض بنسبة تقارب 40% خلال العقد الأخير، الأمر الذي ينعكس مباشرة على القدرة على التحليل وبناء المواقف. هذا التقطيع لا يصنع إنسانًا جاهلًا بالمعنى التقليدي، بل يصنع إنسانًا واثقًا بغير علم، ممتلئًا بانطباعات لا بمعرفة، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى التأويل. فالمجتزئون لا يرون الصورة الكلية، والمتأولون يحمّلون النصوص ما لا تحتمل، والمشككون يتغذّون على هذا الاضطراب المعرفي ليبثوا زيغًا يبدو في ظاهره عقلانيًا، بينما هو في جوهره نتاج عقل لم يعد قادرًا على التثبّت.

ومن منظور علم الأعصاب، فإن هذا النمط من الاستهلاك المعرفي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنظام المكافأة العصبي. إذ تؤكد أبحاث عالم الأعصاب الأمريكي آدم غازالي أن التنقل السريع بين المحتويات الرقمية يرفع من اعتماد الدماغ على الدوبامين، ما يجعل الإثارة السريعة أكثر جاذبية من التفكير العميق. ومع الوقت، يصبح العقل نافرا من التركيز، مستثقِلًا للقراءة المتأنية، ميّالًا إلى القفز المستمر، فيتحول التشتت من حالة مكتسبة إلى نمط ذهني مستقر.

وإذا ما نظرنا إلى وعي الجيل الحالي في هذا السياق، نجده وعيًا هشًا، سهل الاختراق، تقوده الخوارزميات، وتشكّله غرابيل المنصات لا ميزان العقل. فشبيبة اليوم، وهم في مرحلة التشكّل الفكري، يتعرضون لسيل من الخطابات المتناقضة، من قبل المتأسلمين المجترئين، إلى المجدفين المتشككين، مرورًا بنهج المتفقهين بلا منهج، ما يقود في كثير من الأحيان إلى زيغ يبدو في مظهره تحررًا، لكنه في حقيقته فقدان للحقيقة.

ويتجلّى هذا الاضطراب بوضوح في المجال الديني والفكري خاصة. فالتدين في ظل العقل المشتت يتحول إلى تدين مجتزأ، يُنتقى فيه من النصوص ما يخدم الانفعال اللحظي، ويُترك ما يتطلب صبرًا وفهمًا وسياقًا. وفي المقابل، يظهر الإلحاد عند كثيرين لا بوصفه نتيجة رحلة فلسفية عميقة، بل كحصيلة تراكم شبهات قصيرة، متكررة، غير مفحوصة، يتداولها المشككون والمتأولون في دوائر مغلقة نتاج خوارزمي سريع الانتشار.

وحريّ بنا أن ننتبه إلى أن أخطر ما في الإنسان المشتت ليس جهله، بل وهم معرفته. فالجاهل يدرك نقصه، أما الإنسان المشتت فيظن أنه وصل، لأنه استهلك كمًا هائلًا من المحتوى. هذا الوهم يجعله أكثر قابلية للتلاعب، وأكثر عرضة للانخراط في تطرف فكري أو أخلاقي، سواء في صورة تشدد أعمى أو انفلات قيمي كامل. وتشير تقارير صادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) إلى أن ارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب، وفقدان المعنى بين الشباب يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالاستهلاك الرقمي المكثف، لا سيما المحتوى المتقطع السريع. فالمعنى يحتاج إلى استمرارية، وإلى بناء داخلي متراكم، وهو ما يعجز عنه عقل لا يستطيع الثبات على فكرة واحدة.

وفي المحصلة، لا يمكن فهم ظاهرة الإنسان المشتت بمعزل عن النظام الرقمي الذي ينتجها. فاقتصاد الانتباه لا ينتفع بعقل متماسك، بل بعقل سريع الانفعال، متقلب الاهتمامات، يسهل توجيهه. ولذلك فإن معركة الإنسان المعاصر ليست مع نقص المعلومات، بل مع فائضها غير المنضبط، وليست مع الجهل، بل مع التشتت.

وإذا ما أراد الإنسان المعاصر أن يستعيد ذاته من حالة التشتّت المعلوماتي التي تحيط به، فإنّ البداية لا تكون بكثرة الاطلاع، بقدر ما تكون بإعادة الاعتبار لقيمٍ كادت تُهمَّش، مثل البطء الواعي، والتفكير العميق، والالتزام بالمنهج؛ بوصفها أفعالًا معرفية مقاومة في زمنٍ يكافئ السطحية ويحتفي بالعابر.

ففي زمنٍ تتدفّق فيه المعلومات بلا توقف، لا يعود الامتحان الحقيقي في كمّ ما نعرفه، بقدر ما يكون في قدرتنا على التمييز بين ما يستحق أن نقف عنده وما يجب أن نتجاوزه، وعلى امتلاك شجاعة التمهّل أمام الحقيقة بدل الاكتفاء بالمرور السريع فوقها.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

في المثقف اليوم