قضايا

نابي بوعلي: عن إشكالية الحاجة إلى استعادة الروحانية

لقد طغت ثقافة الاستهلاك على المجتمع المعاصر، حيث أصبح الإنسان منشغلا بتحقيق الرفاهية المادية، ولكن على الرغم من هذه الرفاهية، فإن الإنسان يعاني من شعور متزايد بالفراغ الروحي. لذلك، أصبحت الحاجة ماسة اليوم للبحث عن توازن يدمج بين احتياجات الجسد واحتياجات الروح، وهل بإمكان الإنسان العودة إلى جذوره الروحية بعد أن انغمس في عالم الماديات واستهلكه اليومي؟ هذه التساؤلات وغيرها يجيب عنها الأستاذ علي رسول الربيعي في هذا الحوار.

1 - ما الروحانية؟

 الروحانية هي ارتقاء الأفكار والمشاعر والاحتياجات، الموجهة نحو ارتقاء الحياة. القيم الروحية، التي تُعرف أيضًا بالقيم الإنسانية. إن من أهم هذه القيم: الخير، والحب، والحق، والإبداع، والجمال، والفن، والحرية. إن تكاثرها هو ما يُضفي على الحياة معناها الحقيقي والجدير

2- لماذا انحرف الإنسان باتجاه تحصيل الماديات؟ وهل أصبحت الروحانية مجرد فكرة هامشية في عالم يبحث عن الرفاهية المادية؟

ليست جميع قيمنا الإنسانية متماثلة. فبحسب قيمك، المتأثرة ببيئتك وتربيتك، والتي بدورها تؤثر على عالمك الداخلي، قد تكون ذا طبيعة روحية فاسدة أو فاضلة. ومن الضروري وجود معيار أخلاقي سامٍ يتجاوز عالمنا الداخلي.

3- ما منزلة القيم الروحية والأخلاقية في حياة الإنسان المعاصر؟

لا تكمن الروحانية المعاصرة في التدين الجامد، أو التمسك بالطقوس، أو إتباع المذاهب التقليدية. بل في التمسك بقيم ومبادئ معينة، وتبني منهج علمي، والمساهمة في بناء عالم نعيش فيه بتناغم، ليس فقط مع أنفسنا، بل مع الآخرين، ومع البيئة، ومع الكائنات الحية الأخرى. سيظل العالم بحاجة إلى الروحانية، ولكن بنوع مختلف. لقد أحدثنا خللاً كبيراً، وواجبنا الأول هو إعادة الأمور إلى نصابها. عندما نجسد الخير والحب والحقيقة، ونعبر عن الإبداع والحرية، فإننا لا نرتقي بوجودنا فحسب، بل نرتقي بالعالم من حولنا أيضاً.

4- ماذا يترتب عن فقدانها؟

إن القيم الروحية تعكس جوهر الإنسانية وفقدانها هو فقدان هذا الجوهر ويكون الإنسان هو الفراغ بين جلدتي الطبل . عندما تُغذّى المحبة والحقيقة والجمال والحرية، تصبح الحياة ذات معنى حقيقي ومشرقة. والسؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى نتبنى هذه القيم؟

5- هل يمكن للإنسان أن يكتشف ذاته بعيدا عن طغيان النزعة المادية؟

 لا ينبغي أن تكون الروحانية مجرد مسعى شخصي. فإذا اقتصرت على تحقيق الذات فقط، فإنها تنفصل عن العالم. ينبغي أن تقود إلى التفاعل لا إلى العزلة. فالمعنى ليس مجرد تأمل، بل هو شيء نبنيه من خلال العمل والتأثير في العالم من حولنا.

6- كيف يسهم التوازن الروحي في تحسين حياة الإنسان ومواجهة تحديات الحياة المعاصرة؟

تستحضر "الروحانية" مفاهيم التسامي، والتجارب الخارقة للطبيعة، أو التصوف. أما النهج العقلاني فيحوّل التركيز إلى الواقع المعيش لقيمنا وأفعالنا. في هذا الإطار، تصبح الروحانية القدرة على تجسيد أسمى القيم الإنسانية - كالرحمة، والصدق، والنزاهة، والتعاطف، والعدل، واللطف، والاحترام، والمسؤولية، والالتزام برفاهية الآخرين - في الحياة اليومية. وهذا ما يجعل الروحانية في متناول الناس من جميع الخلفيات، ويشجع على العيش الأخلاقي دون الاعتماد على العقائد الجامدة أو المعتقدات الصوفية. وتعتمد فعالية هذا التعريف على مدى اتفاقنا على هذه القيم "العليا" وممارستها، وعلى قدرة المجتمع على تبني روحانية متجذرة في الإنسانية لا في الخوارق

7- كيف يمكن إعادة بناء الحياة على أسس من الروحانية التي تمنح الأفراد طمأنينة القلب وتوازن العقل؟

تُشكّل هذه القيم جوهر الحياة ذات المعنى. فعندما نُنمّيها، لا نضيف إلى حياتنا فحسب، بل نُساهم في شيء أعظم، فنُنشئ عالماً يزدهر بالعمق والغاية.

 8- كيف يمكن استعادة الروحانية كعنصر أساسي في حياة الإنسان المعاصر؟

 لم تعد الروحانية اليوم مقتصرة على الطقوس، بل أصبحت أقرب إلى العيش بوعي. فهي لا تقتصر على التأمل الشخصي فحسب، بل تشمل أيضاً المسؤولية تجاه الآخرين والبيئة ونوع العالم الذي نساهم في بنائه. فالتوازن الداخلي لا قيمة له إن لم يُترجم إلى أفعال تُساعد على استعادة التوازن الذي أخلّنا به.

***

ا. د. نابي بوعلي

 

في المثقف اليوم