أقلام حرة
منير لطفي: هيبة الصحابة
هل يزول الجمال باعتياد رؤيته؟ وهل الأُلفة ترفع الكلْفة؟ ربما يَضعف أثر الجمال المادّي المتّصف بالثبات مع اعتياد رؤيته، كالمباني الشاهقة والجسور الفارهة والآثار العتيقة، والتي نشهق حين نراها لأوّل وهلة، ولكن مع تكرار رؤيتها وكثرة المرور عليها، يتراجع الشهيق إلى إعجاب ثم اعتياد، بعكس الجمال المعنوي الحقيقي المتجدّد العطاء، والذي لا يفقد أبدا بريقه، بل يزداد جمالا فوق جمال رغم كثرة تداوله أو ارتياده. وكذلك الألْفة، قد ترفع الكلْفة بين الأقران والأصحاب حتى قيل: "أخوك مَن لا يتكلّف لك"، ولكن تبقى الكلفة قائمة فيما عدا ذلك، فلا تبرّر الألفة أن ينادي الولد أباه أو أمّه أو شيخه أو معلّمه باسمه المجرّد، وإن حدث ذلك فهو خارج عن سياق التوقير وإطار الأدب. طالعْت مؤخّرا كتابا في التاريخ الإسلامي يتحدّث فيه المؤلف الفاضل عن جيل الصحابة العظام باسمهم المجرّد! فيقول: وكان عمر، وقال أبو بكر، وفعل معاوية، وهكذا، وكأنه يكتب عن شخصيات روائية في سياق حدث درامي! ولكنه في الوقت ذاته، حرص على أن يتصدر اسمه غلاف الكتاب مسبوقا بلقب دكتور.. هل كثرة جريان قلمه في الحديث عن الصحابة أزال هيبتهم من سنّ يراعه؟ ولا أقول أزال هيبتهم من قلبه، فعلمي أنه لهم محبّ وموقِّر. لا أدري، ما المانع من أن يسبق أسماءهم بقوله: الصدّيق، أو الفاروق، أو ذو النورين، أو الخليفة، أو سيدنا، أو الصحابي، أو يُعقّب بالترضّي عنهم؟ هل يضيره التكرار، أم أنه يبيح رفع تاج الوقار عنهم تحت زعم الموضوعية عند التناول الأكاديمي التاريخي؟ أليس هؤلاء مَن قال فيهم ربنا سبحانه وتعالى: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ" الفتح ٢٩، ومدحهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)، وفيهم قال ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: (إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ). إن جمال هؤلاء الصحابة الأجلاء هو من الصنف المعنوي الحقيقي المتجدد العطاء، وأُلفتهم ليست من النوع الذي تُرفع فيه الكلْفة، إذ جمعوا بين الإيمان والعلم والجهاد، وكانوا وما زالوا نجوما ساطعة حملَت إلينا عبق النبوّة وطراوة الإسلام، ولا أقلّ من أن نرفعهم فوق ما اعتدْناه من خطابنا العادي عند الحديث عن الأشخاص ذوي الحيثية والذين نجلّهم بالقول: الدكتور الفلاني أو الأستاذ والشيخ العلّاني. يُذكر أنّ توقيرهم رضي الله عنهم، يبدأ بحبّهم، ثم ردّ غيبتهم، والدراية عنهم، والاقتداء بهم، قبل ما ذكرناه آنفا من الثناء عليهم عند الحديث أو الكتابة عنهم. وقد أحسن القحطاني الأندلسي حين أوصى في نونيته قائلا:
قُـل خـير قـولٍ في صحابة أحمد ...
وامدح جميع الآل والنسوان
*
دَع ما جرى بين الصحابة في الوغى
بسيوفهم يوم التقى الجمعان
*
فقتيلهم مـنهم وقـاتلهم لـهم ...
وكلاهما في الحشر مرحومان
*
والله يـوم الحشر ينزع كل مـا ...
تحوي صدورهم من الأضغان
بقي القول، أنّ اللغة تصنع الهيبة، وما يتردّد ذكره على القلم واللسان لا شك يترك بصمته في القلب، ثم يفيض على الجوارح ويطبع السلوك بطابعه، وهنا مكمن الخطر الداعي للانتباه.
***
د. منير لطفي







