قراءة تأويلية في المشهد الراهن
ليست كلّ إصابةٍ ألمًا، كما ليست كلُّ معاناةٍ قابلةً للاختزال في الألم. هذه التفرقة الريكورية، التي تبدو في ظاهرها لغوية، تنفتح في العمق على أنطولوجيا كاملة للإنسان: ماذا يعني أن نتألم؟ وماذا يعني أن نعاني؟ وأين يبدأ الألم بوصفه إحساسًا، وأين تبدأ المعاناة بوصفها اختلالًا في علاقتنا بأنفسنا وبالآخر وبالعالم؟
في نصه الشهير «المعاناة ليست الألم» (La souffrance n’est pas la douleur)، يحرص بول ريكور على ألا يجعل المعاناة مجرد اسم آخر للألم. فالألم، في أحد مستوياته، يتعلق بما يُحَسّ في الجسد أو النفس، أما المعاناة فتتصل، على نحو أعمق، بانحسار القدرة الإنسانية: القدرة على الفعل، والكلام، والسرد، وتقدير الذات، والدخول في علاقة مع الآخر. لذلك فالمعاناة ليست مجرد «ألم أشد»، وإنما هي تجربة يتراجع فيها الإنسان عن إمكاناته التي كان بها يسكن العالم.
ومن هنا يمكن أن نقرأ الراهن الجزائري، في لحظاته المثقلة بالفقد والحرائق والخوف والقلق الجماعي، لا من جهة ما أصاب الأجساد والأمكنة فقط، بل من جهة ما أصاب معنى العيش المشترك. فالكارثة حين تقع لا تترك وراءها رمادًا ماديًا فحسب؛ إنها تترك سؤالًا معلقًا في الذاكرة: ماذا حدث لعلاقتنا بالمكان؟ ماذا حدث لشعورنا بالأمان؟ وكيف يمكن أن يستعيد الإنسان قدرته على النظر إلى الغد بعد أن اهتزّ العالم الذي كان يظنه مألوفًا؟
هنا تصبح عبارة ريكور أكثر من أطروحة فلسفية: «المعاناة ليست الألم» ليست فصلًا بين تجربتين، بل انتقال من مستوى الجسد إلى مستوى العلاقة. الألم يمكن أن يكون في الجسد؛ أما المعاناة فتحدث في المسافة بين الإنسان والعالم.
فالذي فقد مأواه لا يعاني فقط من ألم الفقد، وإنما من اختلال معنى «المأوى». والذي رأى النار تقترب من أرضه لا يتألم فقط من مشهد الاحتراق، بل يعاني من اهتزاز صورة المكان الذي كان يمثل له السكينة والذاكرة والانتماء. والذي فقد عزيزًا لا يحمل ألم الغياب فحسب؛ إنه يجد نفسه أمام عالم تغيرت فيه بنية الحضور نفسها. ولذلك فإن المعاناة، بالمعنى الريكوري، هي نوع من الجرح الذي يصيب العلاقة قبل أن يصيب الشيء.
من الإنسان المتألم إلى الإنسان القادر.
تنبني فلسفة ريكور للمعاناة على فكرة القدرة (capacité). فالذات عنده ليست ذاتًا مكتفية بالتأمل في نفسها، وإنما هي ذات تستطيع: تستطيع أن تقول، وأن تفعل، وأن تحكي، وأن تتحمل مسؤولية أفعالها، وأن تتعرف إلى نفسها من خلال علاقتها بالآخر. ومن ثم فإن المعاناة تظهر حين تتعرض هذه القدرة للتقلص أو الانسحاب. وهذا ما يجعلها مختلفة عن الألم في دلالته الضيقة.
وهذا المفهوم يسمح لنا بأن نفهم الراهن الجزائري من زاوية أكثر إنسانية. فالمأساة لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل أيضًا بمقدار ما تحدثه من عجز في القدرة على الفعل. قد يجد الإنسان نفسه غير قادر على إنقاذ ما يحب، أو عاجزًا عن حماية المكان، أو غير قادر على تفسير ما حدث، أو فاقدًا للكلمات التي كان يستطيع بها أن يحكي تجربته.
عند هذه النقطة يصبح الصمت نفسه جزءًا من المعاناة.
فالإنسان المعاني ليس فقط من يتوجع؛ إنه أحيانًا ذلك الذي لا يجد اللغة الكافية لقول وجعه. ومن هنا تأتي أهمية السرد عند ريكور. فالإنسان لا يستعيد ذاته بمجرد أن ينسى ما حدث، وإنما من خلال القدرة على إعادة صياغة التجربة داخل قصة تمنحها موضعًا في الزمن. ولهذا يرتبط الألم عند ريكور ارتباطًا وثيقًا بالسرد والذاكرة والهوية.
إن الكارثة، حين لا تُروى، تبقى جرحًا بلا لغة. أما حين تتحول إلى ذاكرة جماعية، فإنها تبدأ في مغادرة صمت الصدمة نحو إمكان المعنى.
الآخر: من العزلة إلى التضامن
لكن المعاناة لا تنكشف فقط في علاقة الإنسان بنفسه؛ إنها تظهر كذلك في علاقته بالآخر. وهنا تتقاطع فلسفة ريكور مع فكرة التضامن تقاطعًا بالغ العمق. فالمعاناة قد تدفع الإنسان إلى الانغلاق والعزلة، إلى الشعور بأنه وحيد داخل تجربته، وأن الآخرين يقفون خارج عالمه. وقد أشار ريكور إلى هذا البعد في تحليله للمعاناة، حيث تتقاطع علاقة الذات بالآخر مع تجربة فقدان القدرة.
لكن ما حدث في الجزائر راهنا يتيح لنا أن نرى الوجه المقابل: التضامن بوصفه مقاومة لعزلة المعاناة.
فاليد التي تمتد إلى المتضرر لا تزيل عنه ألمه، لكنها تقول له إن ألمه لم يعد محكومًا بالعزلة. والجماعة التي تلتف حول من أصابته الكارثة لا تلغي الفقد، لكنها تمنح الفقد معنى آخر: معنى أن الإنسان يمكن أن يُحمل في ضعفه كما يُحمل في قوته.
وهنا تتخذ كلمة «معًا» دلالتها الفلسفية.
ليست «معًا» مجرد اجتماع مكاني، وإنما هي صيغة أخلاقية للوجود. إننا نكون معًا حين يصبح ضعف الآخر شأنًا يخصنا، وحين لا نكتفي بمشاهدة المعاناة من الخارج. وفي هذا المعنى يمكن القول إن التضامن هو استعادة مشتركة للقدرة: قدرة المتضرر على النهوض، وقدرة الجماعة على الاعتراف، وقدرة المجتمع على تحويل المأساة إلى مسؤولية.
الجزائر: حين تصبح الكارثة سؤالًا تأويليًا
ليس التأويل عند ريكور ترفًا لغويًا يُمارس بعد انتهاء الأحداث؛ إنه فعل يمنح التجربة إمكانية أن تُفهم. وما حدث في الجزائر لا يحتاج فقط إلى من يسجل وقائعه، وإنما إلى من يسأل عن معناه الإنساني.
ماذا تقول لنا هذه الكارثة عن علاقتنا بالطبيعة؟
ماذا تقول عن معنى الوطن؟
ماذا تقول عن هشاشة الإنسان؟
وماذا تقول عن قدرتنا على أن نحول الخوف إلى تضامن؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن «سبب» بالمعنى التقني وحده، بل عن المعنى الذي يمكن أن يتولد من الحدث.
وهنا تظهر الوظيفة التأويلية للفلسفة: ألا تجعل المأساة مجرد نهاية، بل أن تبحث عن الإمكان الكامن في داخلها. ليس الإمكان بمعنى تبرير الكارثة، فالمعاناة لا تحتاج إلى تبرير، وإنما بمعنى أن ما حدث يمكن أن يصبح مناسبة لإعادة بناء علاقتنا بالآخر وبالمكان وبالمستقبل.
لقد كان ريكور حذرًا من اختزال الإنسان في كونه ذاتًا فاعلة فقط؛ فالإنسان أيضًا كائن يتلقى ويعاني ويتعرض لما يفوق قدرته. لكن هذا الجانب المنفعل لا يلغي القدرة تمامًا؛ إذ يبقى هناك «أقل قدر من الفعل» في القدرة على التحمل والمقاومة وإعادة بناء المعنى. وقد ربط ريكور نفسه بين agir وpâtir، بين الفعل والتعرض للمعاناة.
وهنا تكمن إحدى أكثر أفكاره إنسانية: أن الإنسان قد لا يستطيع اختيار ما يحدث له، لكنه يستطيع، ضمن حدود مؤلمة، أن يشارك في تحديد ما سيصير إليه بعد ما حدث له.
الذاكرة بوصفها مسؤولية
ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال بعد الكارثة: متى ننسى؟
بل: كيف نتذكر؟
فالنسيان قد يغلق الجرح ظاهريًا، لكنه لا يمنحه بالضرورة معنى. أما الذاكرة التأويلية فليست إعادة اجترار للمأساة، وإنما تحويلها إلى مسؤولية. وهذا يلتقي مع مشروع ريكور الأوسع في التفكير في الذاكرة والتاريخ والنسيان، حيث تصبح علاقتنا بالماضي جزءًا من مسؤوليتنا تجاه الحاضر والمستقبل.
أن نتذكر يعني أن نرفض أن يتحول الألم إلى رقم، وأن يتحول الفقد إلى خبر، وأن تتحول الكارثة إلى صورة عابرة في شاشة الذاكرة.
أن نتذكر يعني أن نقول: لقد حدث هذا، ولذلك ينبغي أن نتعلم كيف لا نترك معناه يضيع.
من المعاناة إلى الرجاء
لا تنتهي القراءة الريكورية عند تشخيص الجرح. فريكور، رغم حساسيته العميقة تجاه الشر والمعاناة والهشاشة، لا يترك الإنسان في عتمة العبث. إن فلسفته تقوم، في جانب منها، على استعادة إمكان الفعل من قلب العجز، وإمكان السرد من قلب الصمت، وإمكان الاعتراف من قلب الانقسام.
ولهذا يمكن للراهن الجزائري أن يُقرأ بوصفه لحظة اختبار للقدرة على تحويل المعاناة إلى تضامن، والتضامن إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى رجاء.
والرجاء هنا ليس تفاؤلًا ساذجًا. إنه ليس الاعتقاد بأن كل شيء سيكون بخير، وإنما هو القدرة على إبقاء المستقبل مفتوحًا رغم أن الماضي لا يمكن تغييره.
إن النار لا تعيد ما أخذته. والفلسفة لا تستطيع أن تفعل ذلك. لكنها تستطيع أن تسأل: ماذا سنفعل بما بقي؟
وهذا هو السؤال الريكوري في أعمق صوره.
فالإنسان ليس فقط ما أصابه، وإنما أيضًا ما يستطيع أن يصنعه من أثر ما أصابه.
ومن هنا، فإن الألم يخص الجسد، لكن المعاناة تخص الوجود؛ الألم يُحَسّ، أما المعاناة فتُعاش؛ الألم يوجع الإنسان، أما المعاناة فتضعه أمام هشاشة قدرته على أن يكون وأن يفعل وأن يقول وأن يعيش مع الآخرين.
وفي المشهد الجزائري الراهن، ربما كان الدرس الأكثر إنسانية أن الكارثة، وهي تكشف هشاشتنا، كشفت في الوقت نفسه إمكانية أخرى: أن تتحول هشاشة الفرد إلى قوة الجماعة، وأن يتحول جرح الواحد إلى مسؤولية الجميع.
وهنا لا يعود التضامن مجرد فضيلة اجتماعية، بل يصبح جوابًا تأويليًا عن المعاناة.
إننا لا نداوي المعاناة بالكلمات وحدها، ولا نتجاوزها بمجرد النسيان؛ وإنما نمنحها إمكانًا جديدًا حين نعيد الإنسان إلى شبكة العلاقات التي تمنحه القدرة على الفعل والقول والرجاء.
وربما لهذا يمكن أن نختم، مع ريكور، لا عند حدود السؤال: «كيف نتألم؟»، وإنما عند السؤال الأبعد:
كيف نعيد إلى الإنسان، بعد المعاناة، قدرته على أن يقول: أنا، وأن يقول معها: نحن؟
ففي المسافة بين «أنا» و«نحن» يولد التضامن، وفي المسافة بين الجرح والمعنى يبدأ التأويل.
الألم يطرق باب الجسد؛
أما المعاناة فتطرق باب العالم.
والتأويل لا يغلق الباب، بل يعلّمنا كيف نفتح منه نافذة على الغير.
***
بقلم: د. معروفي العيد
...................
الهوامش:
1. Paul Ricœur, «La souffrance n’est pas la douleur», in Claire Marin et Nathalie Zaccaï-Reyners (dir.), Souffrance et douleur. Autour de Paul Ricœur, Paris, PUF, 2013, pp. 13–34.
2. Paul Ricœur, «La souffrance n’est pas la douleur»,op, cit.
وهو النص الذي صاغ فيه ريكور التمييز بين souffrance وdouleur بصورة مباشرة.
Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Paris, Seuil, 1990. ويحتل فيه سؤال الذات والغير والقدرة والمسؤولية موقعًا مركزيا.
. 3Paul Ricœur، Du texte à l’action. Essais d’herméneutique II, Paris, Seuil, 1986في صلته بمشروع ريكور التأويلي الذي ينتقل من فهم النص إلى فهم الفعل








