على الدوام يرى الفرد أن الزمن يسير في اتجاه مستقيم؛ ماضٍ انتهى، وواقع نعيشه، ومستقبل مرتقب. غير أن التطورات المعرفية والتقنية التي يشهدها العالم اليوم تطرح تساؤلا جديداً: هل ما زلنا نعيش داخل الحاضر فقط، أم أننا أصبحنا ننتقل داخل "زمكان معرفي" يتجاوز حدود الزمن والمكان التقليديين؟
في الفيزياء، يجسد الزمكان الإطار الذي تحصل داخله كل مظاهر الوجود المادي. أما في حقل المعرفة والعقل، فقد أصبح من الممكن الحديث عن "زمكان المعرفة والوعي"، وهو الحقل الذي تتفاعل فيه كل من الذاكرة والإدراك والخيال والتوقع، لتكوين المعنى واعادة بناء ادراكنا للعالم.
فالوعي الإنساني لا يعيش في الزمن الحاضر وحده، وعندما يتذكر الفرد طفولته، فإنه يعود إلى الماضي. وعندما يخطط لمشروع أو يتخيل مستقبلاً أفضل، فإنه ينتقل ذهنياً إلى ما لم يحصل بعد. وهكذا يصبح الذهن البشري كائناً يواصل رحلته عبر الزمن، ويجوب فضاء معرفيا يمتد من الذاكرة إلى الخيال، ومن المعرفة إلى الاحتمال.
لكن المعرفة ذاتها لم تعد محجوزة داخل الجمجمة، فالكتاب والخريطة والحاسوب والهاتف الذكي وشبكة الانترنيت وادوات الذكاء الاصطناعي، غدت جميعها امتدادات او مظاهر خارجية للوعي البشري ومكونات لعالم معرفي جديد. وبذلك لم يعد فضاء المعرفة هو الدماغ فقط، بل أصبح شبكة ممتدة تجمع الإنسان والتقنية والثقافة والمجتمع.
وفي هذا الافق، يظهر مصطلح أكثر إلهاما، هو "زمكان المستقبل"، فالمستقبل لم يعد مجرد زمن لم يصل بعد، بل أصبح ميدان من القدرات والمسارات الممكنة التي يمكن للعقل البشري الكشف عنها وتمثيلها قبل أن تطبق على ارض الواقع.
فالعالم الذي يضع تمثيلا لاكتشاف جديد، والمهندس الذي يصمم مدناً ذكية لعام 2050، والمعلم الذي يبني نماذج تعليمية للأجيال القادمة، جميعهم يعيشون جزءاً من وعيهم داخل المستقبل، إنهم لا ينتظرون المستقبل، بل يصنعونه معرفياً.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أخذ هذا التحول افقا جديدا. فقد غدت الآلات قادرة على المشاركة في بناء التصورات المستقبلية، وتطبيق الاحتمالات، وخلق المعرفة بصورة تشاركية مع الإنسان. وهكذا انبثق فضاء معرفي جديد تتفاعل فيه عقول البشر مع النظام الذكي، وتتوسع فيه المعرفة من مجرد استذكار للماضي إلى مسار دائم لانتاج الممكن وصناعة المستقبل.
وقد يصبح السؤال الأهم الذي يواجه عملية التعليم في القرن الحالي هو: هل ما زلنا ندرب العقول على اكتساب معارف الماضي فقط، أم أننا نؤهلهم للتنقل داخل زمكان المعرفة والمستقبل؟
لقد كان جوهر التعليم التقليدي يتجسد في نقل المعرفة المتراكمة من الأجيال السابقة. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح الرهان الحقيقي هو صقل القدرة على إنتاج المعنى، وتخيل البدائل، واعداد ورسم السيناريوهات، وصناعة المستقبل قبل أن يأتي.
إن الانتقال الأهم الذي نعيشه اليوم لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بإعادة تعريف المعرفة ذاتها. فالمستقبل لم يعد نقطة زمنية ننتظر الوصول إليها، بل أصبح فضاءً معرفياً نعيش فيه، ونفكر من خلاله، ونشارك في بنائه.
وربما سيكتشف مؤلفي المستقبل أن اكبر قفزات القرن الحالي لم تكن طفرات صناعية أو رقمية فقط، بل كانت قفزة في الفرد لموقعه داخل "زمكان المعرفة والمستقبل"، حين أدرك للمرة الأولى أنه ليس مجرد شاهد على الزمن، بل شريك في انتاجه.
***
علاء جواد كاظم








