عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد البغدادي: عندما يصبح العدد بديلاً عن العقل

قراءة في مقولة "رأي الأغبياء لأنهم أغلبية"

العبارة تقع في نقطة التقاء حادة بين نظرية الديمقراطية ومخاوف النخبة من حكم الجمهور. هي ليست شتيمة بقدر ما هي تحذير من معضلة قديمة عرفها الإغريق قبل ألفي عام، وعادت لتطل برأسها مع كل موجة تصويت شعبي يصطدم فيها الحدس الجماعي بمنطق التخصص. في الأصل، لم تكن المشكلة في الديمقراطية ذاتها، بل في غياب المرشحات التي تفصل بين الرأي المتسرع والقرار المسؤول. أفلاطون رأى في التصويت المباشر خطراً مشابهاً لترك اختيار الطبيب لجمهور لا يميز بين الدواء والسم. والسبب بسيط: العدد لا يمنح شرعية معرفية، بل شرعية إجرائية فقط. أي أن الأغلبية تقر من يحكم، لكنها لا تضمن أن القرار الذي تتخذه صائب من حيث النتيجة. لكن الخلط يحدث عندما تُقرأ العبارة كحكم قيمي على الناس. الأغلبية ليست كتلة متجانسة من الجهل، كما أن الأقلية ليست بالضرورة نخبة مستنيرة. التاريخ يقدم نماذج متناقضة. فأحياناً كانت الأغلبية هي التي أنقذت دولة من مشروع نخبوي مكلف، وأحياناً كانت هي التي دفعت بلادها إلى قرار كارثي بدافع الانفعال أو الخوف. المسألة إذن ليست في تكوين الناس، بل في طبيعة اللحظة التي يتخذون فيها قرارهم. الأنظمة الديمقراطية الحديثة حاولت حل هذه المعضلة عبر بناء حواجز مؤسية. فبدلاً من ترك القرار للجمع، وُضعت آليات التمثيل والفصل بين السلطات وحقوق الأقليات. الهدف لم يكن إلغاء صوت الأغلبية، بل تأخيره وتهذيبه حتى يمر على محطات مراجعة تمنع اندفاع القطيع. هذه المرشحات هي ما يفرق بين ديمقراطية تصلح نفسها من الداخل، وأخرى تنهار تحت وطأة قرار شعبي لا رجعة فيه. اليوم، مع صعود الإعلام الرقمي وسرعة تداول الشعارات، أصبحت العبارة أكثر حضوراً في الخطاب العام. لأن الفضاء المفتوح يعطي للرأي السهل الانتشار تفوقاً على الرأي المعقد، بغض النظر عن دقته. وهنا يعود السؤال القديم: هل يكفي أن يكون الرأي الأكثر تداولاً لكي يصبح صواباً؟ الإجابة التي يستقر عليها التحليل السياسي الرصين هي أن العدد يمنح شرعية الحكم، لكنه لا يمنح عصمة من الخطأ. لذلك فإن احتقار الأغلبية لا يعالج المشكلة، كما أن تخويلها سلطة مطلقة لا يحميها من نفسها. الحل يبقى في بناء مؤسسات قادرة على تحويل ضجيج الأغلبية إلى قرار قابل للحياة، لا في استبدال صوتها بصوت أقلية مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة.

***

محمد البغدادي