عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: لا أعرف.. بدايه الوعي لا نهايته

ليس الجهل أن نقول لا أعرف بل الغرور أن نزعم أننا نعرف كل شيء. فعبارة لا أعرف ليست فراغا في الوعي، بل قمته، وليست اعترافا بالعجز بل انحناءة العقل أمام اتساع ما لا يمكن الإحاطة به. منذ أن بدأ الإنسان رحلته في مساءلة الوجود، وهو يتأرجح بين وهم اليقين وصدق الحيرة، بين إجابات جاهزة تمنحه طمأنينة مؤقتة، وأسئلة مفتوحة تقلقه بقدر ما تنضجه.

إن الوعي الحقيقي لا يكتمل بالإجابات، بل يتسع بالأسئلة، وكلما ازداد الإنسان معرفة، أدرك أن ما يجهله أوسع بكثير مما ظن يوما أنه امتلكه. وهنا لا تصبح لا أعرف نهاية الطريق، بل بدايته، لا علامة نقص، بل إعلان دخول إلى أفق التأمل.

إن الإيمان بأن الإجابة النهائية هي لا أعرف هو ارتقاء نحو فهم أعمق، فهم يدرك أن الحقيقة ليست كيانا ثابتا يمتلك، بل أفقا متجددا يقترب منه ولا يستنفد.

فالإنسان، في لحظات وعيه الأعلى، لا يتحدث بلهجة اليقين المغلق، بل بنبرة الباحث الذي يدرك أن كل رأي هو ثمرة تأمل، وأن كل قناعة قابلة للمراجعة كلما تبدلت زوايا النظر.

إن ما نسميه معرفة ليس إلا تأويلا مؤقتا للعالم، محاولة ذهنية لإدراك ما يتجاوز قدرتنا على الإحاطة الكاملة. لذلك يصبح التواضع المعرفي ضرورة وجودية، لا مجرد فضيلة أخلاقية، لأنه يحرر العقل من الجمود، ويفتحه على احتمالات لا نهائية من الفهم.

ومع اتساع الوعي، لا يعلو صوت الإنسان، بل يخفت، لا لأن فكره تراجع، بل لأن يقينه انحنى أمام تعقيد الوجود. فيدرك أن الحقيقة لا تفرض بالصوت المرتفع، بل تكتشف بالإنصات، وأن التأمل ليس طريقا إلى إجابة نهائية، بل أسلوب وجود داخل السؤال نفسه.

فقد جعل سقراط من قوله الشهير "أنا أعرف أني لا أعرف" نقطة انطلاق للفلسفة، لا تعبيرا عن جهل، بل عن وعي نقدي يرفض الادعاء ويؤسس للبحث

 وعلى امتداد هذا المسار يأتي ديكارت ليجعل الشك المنهجي أداة للوصول إلى اليقين، مؤكدا أن المعرفة لا تبدأ إلا حين نهدم ما نظنه مسلما به. ثم يعمق كانط هذا الوعي حين يقرر أن العقل الإنساني محدود بحدود التجربة، وأن ما وراءها يظل عصيا على الإدراك الكامل. وفي أفق آخر، يرى كارل بوبر أن المعرفة الحقيقية ليست يقينا نهائيا، بل فرضيات قابلة للدحض وأن التقدم لا يتحقق بإثبات الصواب، بل بقدرتنا على اكتشاف الخطأ. وهكذا، يتلاقى هؤلاء المفكرون، رغم اختلاف عصورهم، عند فكرة مركزية مفادها أن الاعتراف بعدم الاكتمال ليس نقصا في المعرفة، بل شرطا ضروريا لاستمرارها.

في النهاية، لا تقف لا أعرف على هامش المعرفة، بل تقف في مركزها كأكثر أشكالها صدقا ونزاهة. فهي ليست اعترافا بالفراغ، بل اعتراف باتساع لا نهائي يعلو على كل امتلاك.

إن الإنسان لا ينضج حين تتكاثر إجاباته، بل حين تتسع أسئلته، وحين يدرك أن كل يقين يبلغه ليس إلا محطة عابرة في رحلة لا تنتهي.

وهكذا، يصبح الجهل المدرك أعلى من المعرفة المتوهمة، وتغدو الحيرة الواعية أرقى من الطمأنينة الزائفة.

لسنا مطالبين بأن نصل إلى الحقيقة كاملة، بل أن نظل أوفياء لرحلتها، أن نحسن الإصغاء لما يتجاوزنا، وأن نقيم داخل السؤال دون أن نختزله في إجابة.

فربما كانت الحكمة كلها كامنة في هذا الاعتراف البسيط والعميق معا:

أن نعرف حدودنا، وأن نترك للغموض حقه، وأن نواصل السير... لا بحثا عن نهاية، بل وعيا بأن الطريق ذاته هو المعنى.

***

ابتهال عبد الوهاب