قضايا
عبد السلام فاروق: في وداع المثقف الكلاسيكي!
أعترف أن شعوراً ما يراودني هذه الأيام، شعور يشبه ذلك الإحساس الغريب الذي ينتابك حين تقف في محطة قطار مهجورة، تعلم أن القطار الأخير غادر منذ زمن، لكنك تستمتع بالوقوف هناك رغم ذلك. شعور نرجسي ربما، لكنه حقيقي، أننا قد نكون آخر الأجيال التي ستمتلك ذلك الرفاه العظيم، رفاهية القراءة المطولة، والتأمل العميق، والغوص في بحر من الكلمات المطبوعة دون أن يشعر المرء بأنه يرتكب جريمة بحق وقته.
دعوني أكون صريحاً.. لست هنا لأرثي حالي، ولا لأمارس طقوس الحداد على ثقافة تحتضر. لست من أولئك الذين يرون في كل قديم غاية الطهر والنقاء وفي كل جديد غابة الشذوذ والضوضاء !
لكن التأمل في المشهد الثقافي الراهن يفرض علينا أسئلة مشروعة ماذا يحدث للكلمة المكتوبة؟ وأين يذهب المثقف الذي كان يقضي لياليه مع كتاب، يقلب صفحاته، يضع علامات استفهام على هوامشه، يعيد قراءة الفقرة مرتين لأنه يريد أن يستوعبها كاملاً، غير منزعج من بطء التقدم في الصفحات؟
ثمة تحول جذري في آلية تلقي المعرفة، تحول لا يمكن اختزاله في عبارة (العصر تغير). إنها ثورة كونية في طريقة تشكيل الوعي الإنساني. البودكاست، الإنستجرام، التيك توك، اليوتيوب... هذه ليست مجرد منصات جديدة، إنها تكرس لنمط جديد من "الشفهية"، لكنها شفهية مختلفة عن تلك التي عرفها الإنسان قبل اختراع الكتابة.
الشفهية القديمة كانت جماعية، احتفالية، بطيئة. كانت حكايات تروى حول النار، وأساطير تنتقل عبر الأجيال بصوت الراوي الحكيم. أما الشفهية الجديدة، فهي شفهية منفردة، سريعة، استهلاكية. تأتيك عبر سماعة أذن تغزوك وحدك، أو عبر شاشة صغيرة تلتهمها في دقائق بين محطتي مترو. إنها شفهية تخلق وهم المعرفة دون مشقة الحصول عليها.
وهنا مربط الفرس.. الثقافة الكتابية المطولة تتطلب مجهوداً. نعم، مجهوداً حقيقياً. القراءة المركزة لكتاب جاد هي عملية شاقة، تحتاج إلى طاقة ذهنية، إلى قدرة على التأمل، إلى استعداد للبقاء مع فكرة واحدة لساعات. في المقابل، تأتيك الشفهية الجديدة بالمعرفة مقطعة معلبة، في فيديو مدته ثلاث دقائق يشرح لك "ملخص كتاب" أو "تحليل فلسفي سريع" أو "نظرية علمية مبسطة"!.
لا أقول إن هذا كله سيئ. بالعكس، هناك جوانب مذهلة في ديمقراطية المعرفة الجديدة. لكن السؤال الأعمق هو ماذا يحدث للذهن البشري حين يعتاد على الاستهلاك السريع للمعرفة؟ ماذا يحدث لقدرتنا على التأمل حين تصبح كل فقرة أطول من مائة كلمة مملة؟! ماذا يحدث لصبرنا الفكري حين نجد أن فهم كانط يحتاج إلى أكثر من فيديو مدته خمس دقائق؟
الأمر لا يتعلق فقط بتغير الأذواق، بل بتغير البنية الاقتصادية للمعرفة نفسها. في الاقتصاد الرمزي الجديد، الوقت هو العملة الأغلى. أنت لا تقرأ كتاباً، أنت تستهلك محتوى. والاستهلاك السريع يتطلب منتجات سريعة. الكاتب اليوم لم يعد مؤلفاً فقط، بات صانع محتوى. عليه أن يختصر، أن يضغط، أن يجعل فكرته قابلة للاستهلاك في أقل وقت ممكن. وإلا فلن يقرأه أحد.
وهنا تبرز مفارقة جميلة، في عصر وفرة المعلومات، نعاني من شح المعنى. لدينا آلاف القنوات وملايين المنشورات، لكن القدرة على استخلاص معنى عميق من كل هذا الضجيج أصبحت أندر من أي وقت مضى. المثقف الكلاسيكي، الشخص الذي كان يقضي سنوات في تأليف كتاب، ويقرأ القارئ ذلك الكتاب في أسابيع، ويتأمله في شهور، هذا المثقف يبدو اليوم وكأنه ديناصور في عصر الثدييات الصغيرة السريعة.
لكن دعونا نكون موضوعيين قليلاً. ليست المرة الأولى في التاريخ التي يبشر فيها بموت الكتاب. منذ اختراع السينما، ومن ثم الراديو، ثم التلفزيون، كان المثقفون يطلقون صيحات الإنذار. ومع ذلك، بقيت الكتب. بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن عدد الكتب المنشورة سنوياً في ازدياد. إذاً، ما الجديد هذه المرة؟
الجديد هو أن التهديد لم يعد يأتي من وسيط آخر منافس، لكن من تغير في بنية الانتباه الإنساني نفسه. وسائل التواصل الاجتماعي لم تسرق وقت القراءة فقط، لقد أعادت تشكيل أدمغتنا!.
دراسة بعد دراسة تؤكد أن قدرتنا على التركيز في نص طويل تتراجع. أصبحنا نعاني مما يسميه العلماء (متلازمة الانتباه المجزأ). عقولنا المدربة على التمرير السريع بين المنشورات تجد صعوبة في الاستقرار على فكرة واحدة لأكثر من دقائق.
وسط هذا التحول، تبرز قيمة المثقف الكلاسيكي بشكل متناقض. قيمته لا تكبر رغم العصر، بل بسببه. في زمن الضجيج، الصوت الهادئ يصبح أغلى. في زمن السرعة، البطء يصبح رفاهية. في زمن التجزئة، العمق يصبح ثورة.
أتخيل بعد مائة أو مئتي سنة، حين ينظر البشر إلى عصرنا هذا، سيرون شيئاً أشبه بطبقات الأرض الجيولوجية. سيجدون طبقة الكلمة المطبوعة التي استمرت خمسة قرون، ثم طبقة التحول الرقمي حيث بدأت الكتابة تتحول إلى شيء آخر. سينظرون إلى مثقفي الكتب كما ننظر نحن اليوم إلى رهبان العصور الوسطى الذين كانوا ينسخون المخطوطات بأيديهم. سيطلقون علينا "المثقفين الكلاسيكيين" أو "آخر العشاق المجهولين للكتاب".
لكن هذه النظرة الجنائزية قد تكون مضللة. فالإنسان كائن مرن، يتكيف. ربما تولد أشكال جديدة من العمق لم نتصورها بعد. ربما في عالم البودكاست، هناك من ينتج حلقات مدتها ثلاث ساعات يتعمق فيها في موضوع واحد. ربما في عالم اليوتيوب، هناك قنوات تقدم محتوى ثقافياً عميقاً يتطلب مشاهدته عدة مرات. ربما ما نراه الآن ليس موت العمق، إنما تحوله إلى أشكال جديدة لم نعتدها بعد.
ما يقلقني حقاً ليس تغير الوسيط، بل تغير القيمة. عندما يصبح العمق غير مرغوب اقتصادياً، عندما تدفع الخوارزميات نحو السطحي لأن السطحي هو الأكثر استهلاكاً، عندما يتحول الكاتب العميق إلى "نخبوي" أو "بعيد عن الناس" لمجرد أنه يطلب من قارئه ساعة من التأمل بدلاً من ثلاث دقائق من التسلية، هنا تصبح المشكلة حضارية وليست مجرد تغير في الأذواق.
المثقف الكلاسيكي الذي أمثله، أو بالأحرى الذي أنتمي إلى جيله الأخير، ليس أفضل بالضرورة. لدينا عيوبنا؛ نخبويتنا أحياناً، بطئنا، حساسيتنا المفرطة. لكن ما نحمله هو قيمة قد تصبح نادرة؛ الإيمان بأن الفكرة تحتاج إلى وقت كي تختمر، وأن القراءة ليست مجرد استهلاك، هي حوار طويل مع نص، وأن المعرفة الحقيقية لا تمنح في جرعات سريعة، بل تغزوك بالتدريج كالمطر الخفيف الذي يشبع الأرض دون أن يقتلعها.
لذلك، ربما يكون شعوري النرجسي مبرراً بعض الشيء. ربما نحن فعلاً آخر من سيعرف متعة القراءة البطيئة، آخر من سيعرف رائحة الكتاب، آخر من سيعرف تلك العلاقة الحميمية بين قارئ وكاتب تمتد عبر الزمان والمكان. لكن بدلاً من أن نرثي حالنا، ربما علينا أن نؤدي واجبنا، أن نكتب لمن سيأتون بعدنا، بلغة يفهمونها، ولكن دون أن نفرط في جوهر ما نؤمن به.
المعرفة لن تموت، لكن أشكالها ستتغير. وربما بعد مائة عام، سيجلس شاب في العشرين من عمره، في بيئة افتراضية كاملة، ويستمع إلى كتاب صوتي تفاعلي ويتأمل فيه بعمق لمدة ساعات، ويكتشف أنه رغم اختلاف الوسيط، فإن ذلك الشعور العظيم بالغرق في فكرة، بالانفصال عن الزمن، بالحوار الصامت مع مفكر ميت، هذا الشعور لم يمت.
ربما يظل السؤال مفتوحاً هل نحن آخر عشاق الكتاب، أم أننا ببساطة في مرحلة انتقالية، حيث يتحول الكتاب من شكله الورقي إلى أشكال أخرى، ويبقى الجوهر؟
لا أعرف. لكن ما أعرفه أنني سأستمر في القراءة، وفي الكتابة، وفي التأمل، وكأن الغد لن يأتي. وكأن الكلمة المطبوعة ستبقى خالدة.
***
عبد السلام فاروق







