قضايا

غالب المسعودي: الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة

العائد الفلسفي والحضاري وتعميق مأساة "الإنسان الفائض"

في جدلية الهشاشة المؤسساتية والسيولة العالمية

تعد الدولة في العصر الحديث الكيان التنظيمي المنوط به حماية الفرد وضمان أمانه الاقتصادي والاجتماعي. بيد أن التحولات الجوهرية التي طرأت منذ نهاية القرن العشرين، والمتمثلة في صعود الليبرالية المستحدثة، أدت إلى ظهور نمط مشوه من الكيانات السياسية يُعرف بـ "الدولة الرخوة". هذا المصطلح، الذي اقترحه "غونار ميردال"، يشير إلى حالة من الانفلات الاجتماعي والمؤسساتي تجعل الدول عاجزة عن صون سيادتها أو تلبية احتياجات مواطنيها، مما يتركهم عزلاً أمام قوى العولمة الجارفة. إن البرنامج الخفي للعولمة لا يكتفي بفتح الأسواق، بل يمتد لتفكيك السيادة الوطنية وتحويل الإنسان من كائن ذي أبعاد روحية وحضارية إلى مجرد "وحدة استهلاكية" أو "شيء" ضمن آلة الإنتاج العالمي.

تتجلى مأساة الإنسان هنا في ظهور فئات اجتماعية يصفها علماء الاجتماع بـ "الإنسان الفائض" أو "الحيوات المهدورة"؛ وهم الذين فقدوا موقعهم في نظام الإنتاج وأضحوا عبئاً على دول فقدت قدرتها على التدخل. تبرز هنا علاقة عضوية بين رخاوة الدولة، وبرنامج العولمة المستتر، والعائد الحضاري المازوم الذي أنتج طبقات هشة مثل "الطبقة القلقة" (البريكاريا)، مما يعمق مظاهر التشيؤ والاغتراب في عالم الحداثة السائلة.

الرخاوة كبيئة حاضنة لبرنامج العولمة

إن رخاوة الدولة ليست مجرد عطب تقني، بل هي شرط بنيوي لنجاح العولمة؛ فالدول التي تفتقر لنظام قانوني موحد وعادل تصبح ساحات مستباحة للشركات عابرة القارات والمنظمات الدولية التي تملي شروطها. العولمة هنا لا تعمل كشريك تنموي، بل كأداة لتفتيت الروابط الوطنية، حيث تضعف قدرة الدولة على تنفيذ السياسات العامة وإدارة الاختلافات، مما يؤدي لبروز مجتمعات متشظية وعاجزة، يواجه فيها الإنسان طوفان العولمة بلا غطاء وطني.

تحولات السيادة في عصر السيولة

يعمل البرنامج الخفي للعولمة على تقليص سيادة الدولة لصالح كيانات دولية، مما أفقد السيادة مبررات وجودها التقليدية. هذا التقارب القسري بين الشعوب أحدث تداخلاً في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية دون اعتبار للحدود السياسية. وتحت ذريعة "حماية الأقليات" أو "الحقوق العالمية"، يتم التدخل في شؤون الدول الرخوة، مما يحول السيادة إلى مفهوم صوري، ويجعل الاعتراف بالحقوق منحة خارجية لا نتاجاً لعقد اجتماعي داخلي أصيل.

هذه العملية تحول الدولة من "راعية للمواطنين" إلى "منظم لتدفقات رؤوس الأموال"، وهو ما يتطلب تفكيك مفهوم المواطنة التقليدية. ورغم دعوات الفكر النقدي (كأعمال هابرماس) للتحول نحو "مواطنة عالمية"، إلا أن هذه المواطنة ظلت امتيازاً للنخب، بينما بقي المواطن العادي في الدول الرخوة عالقاً في البرزخ؛ فلا هو احتفظ بحماية دولته، ولا هو نال حقوق المواطنة العالمية.

العائد الفلسفي للعولمة: التشيؤ والاغتراب

تؤدي العولمة، عبر الثقافة الليبرالية، إلى تحويل القيم الأخلاقية للإنسان إلى قيم "تشيؤ". هذا المفهوم يعني إخضاع ملكات الإبداع والأخلاق لقوانين السوق، حيث يستحيل الكائن الإنساني إلى بضاعة تُقاس بالربح والخسارة. لم يعد الإنسان يُعرف بكينونته، بل بما يملكه ويستهلكه، مما أدى لتراجع دور القيم الإنسانية في بناء السلم المجتمعي لصالح قيم مادية تقوم على اللذة الآنية، مما جعل الإنسان مغترباً عن ذاته وواقعه.

الحداثة السائلة وإنتاج "النفايات البشرية"

يقدم "زيجمونت باومان" تحليلاً لافتاً لمصير الإنسان في الحداثة السائلة، حيث يرى أن إنتاج "النفاية البشرية" هو نتيجة حتمية لعملية التحديث الاقتصادي. هؤلاء "الفائضون" هم سكان تم إقصاؤهم من المنظومة الاجتماعية والعالمية. وفي حين كانت الحداثة "الصلبة" قادرة سابقاً على امتصاص هذا الفائض، فإن العولمة اليوم، بوصولها لكل بقاع الأرض، لم تترك مكاناً لهؤلاء "المطرودين". وبدلاً من النظر للمهاجرين كـ "رأس مال بشري"، يتم التعامل معهم كأعباء أمنية يجب صدها، مما يجسد "الحيوات المهدورة" التي يرفضها المنطق الرأسمالي.

الطبقة القلقة (البريكاريا): التهديد الجديد

برزت في العقود الأخيرة طبقة "البريكاريا" (الطبقة العاملة القلقة)، وهي فئة تفتقر للأمان الوظيفي وتقتات على مهام مؤقتة لا تمنح هوية أو استقراراً. إن العولمة مسؤولة عن نشوء هذه الطبقة عبر سياسات "مرونة سوق العمل" التي قوضت مكتسبات دولة الرفاه. يعيش أفراد هذه الطبقة حالة "انعدام يقين" دائمة، مما يولد الغضب والقلق. ويصفها "غاي ستاندينج" بالطبقة الخطيرة، ليس لعنفها، بل لسهولة استقطابها من القوى المتطرفة نتيجة شعورها بالتهميش وضياع مستقبلها في عالم رقمي لا يرحم.

النظرية النقدية والسيطرة الناعمة

تكشف أطروحات "هربرت ماركوز" في "إنسان البعد الواحد" كيف فرضت الرأسمالية نظاماً يوجه التقدم التقني لقهر الفرد تحت غطاء الرفاهية. تحولت العقلانية التقنية إلى وسيلة للسيطرة وتزييف الوعي، مما أنتج "قمعاً فائضاً" يحول الإنسان إلى كائن مستلب لا يقوى على تصور بديل للنظام القائم. إن أنسنة المجتمع، من منظور مدرسة "فرانكفورت"، تتطلب استعادة "العقل النقدي" لإنقاذ الحياة الأصيلة من براثن التنميط السلعي.

أنسنة العولمة واستعادة الدولة الوطنية

إن العولمة بشكلها المتوحش لا تنتج سوى الكراهية وتفكيك الإنسانية. ولكي تستقيم، يجب أن ترتكز على القيم الأخلاقية واحترام الخصوصيات الثقافية. إن الرؤى الفكرية الرصينة تطالب باستعادة "الدولة الوطنية" القادرة على الإبداع والتنمية المستقلة. ويبرز هنا مقترح "الدخل الأساسي الشامل" كأداة لأنسنة العولمة، بوصفه حقاً أخلاقياً يضمن كرامة الإنسان بمعزل عن تقلبات السوق، ويحميه من التهميش في عصر الأتمتة.

مستقبل الإنسان في ظل الرخاوة

إن دراسة الدول الرخوة تكشف عن أزمة حضارية كبرى؛ فالعولمة الحالية تعمل كقوة تفكيكية تطمس الهويات لصالح الاستهلاك. الحل لا يكمن في الانغلاق، بل في "أنسنة العولمة" عبر استعادة الدولة لدورها كضامن للحقوق. المعركة الحقيقية هي استعادة معنى "الإنسان" في عالم يكاد يحوله إلى مجرد رقم مهدور في معادلة الربح.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع

باومان، زيجمونت. (2004). الحيوات المهدورة: الحداثة ومنبوذوها. (Wasted Lives: Modernity and Its Outcasts).

ستاندينج، غاي. (2011). البريكاريا: الطبقة الخطيرة الجديدة. (The Precariat: The New Dangerous Class). لندن: بلومزبري الأكاديمية.

ماركوز، هربرت. (1964). إنسان البعد الواحد. (One-Dimensional Man).

منظمة الشفافية الدولية. (2024). تقارير الدفاع والأمن: الفساد وتقويض السيادة (ti-defence.org).

ميردال، غونار. (1968). الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم (مفهوم الدولة الرخوة).

في المثقف اليوم