قضايا

منير محقق: القارئ والنص.. جدلية الفكر والتمثلات التأويلية في إنتاج المعنى

ملخص البحث: تتناول هذه الدراسة ثنائية الفكر والمطالعة بوصفها محورًا مركزيًا في تكوين الشخصية المعرفية والثقافية للفرد، مع إبراز الدور التفاعلي بينهما في إنتاج المعرفة وفهم العالم. استندت الدراسة إلى رؤى شوبنهاور حول تأثير القراءة على تنمية الخيال والفكر الفردي، وإلى لوي التوسير في تحليل أنظمة العلامات ودورها في نقل المعاني، كما استندت إلى مقاربات أمبرتو إيكو في نظرية التأويل وقراءة النصوص، وإلى تأويلات رولان بارت حول النصوص الثقافية والرمزية.

ركز البحث على مفاهيم أساسية تتعلق بالعوالم الممكنة، التي تسمح للقارئ بتخيل تجارب معرفية متنوعة، والجماعات التأويلية التي تشكل إطارًا اجتماعيًا لتفسير النصوص وممارسات المطالعة، بما يعكس البعد الثقافي والسياقي للفكر. توضح الدراسة أن العلاقة بين الفكر والمطالعة ليست مجرد عملية اكتساب معلومات، بل هي عملية تفاعلية ديناميكية تؤدي إلى صقل القدرة على التفكير النقدي، وفهم الرموز الثقافية، وبناء شخصية معرفية قادرة على التعامل مع التعقيدات الفكرية والاجتماعية.

كما يبرز البحث أن المطالعة تعمل كأداة لتوسيع المدارك المعرفية، بينما يتيح الفكر إمكانية معالجة هذه المعرفة وتحويلها إلى إدراك نقدي وإبداعي، في حين يشكل السياق الثقافي والاجتماعي الإطار الذي تتجلى فيه هذه العملية. وتخلص الدراسة إلى أن دمج ممارسة المطالعة مع تنمية الفكر النقدي في سياق ثقافي واجتماعي محدد يمثل شرطًا أساسيًا لبناء شخصية معرفية متكاملة قادرة على التفاعل مع التحديات المعرفية الحديثة.

الكلمات المفتاحية:

الفكر - المطالعة - العوالم الممكنة - الجماعات التأويلية - التأويل الثقافي

Abstract:

This study examines the dialectical relationship between thought and reading, positioning it as a central axis in the formation of an individual’s cognitive and cultural identity, while highlighting the interactive role they play in knowledge production and world understanding. The research draws upon Arthur Schopenhauer’s insights on the impact of reading in cultivating imagination and individual thought, Louis Tousser on the analysis of sign systems and meaning transmission, Umberto Eco’s perspectives on interpretive theory and textual reading, and Roland Barthes’ reflections on cultural and symbolic texts.

The study emphasizes key concepts such as possible worlds, which allow readers to imagine diverse cognitive experiences, and interpretive communities, which provide a social framework for text interpretation and reading practices, reflecting the cultural and contextual dimensions of thought. The research demonstrates that the relationship between thought and reading is not merely the acquisition of information but a dynamic interactive process that sharpens critical thinking, enables understanding of cultural symbols, and fosters the development of a cognitive identity capable of engaging with complex intellectual and social challenges.

Furthermore, the study highlights that reading serves as a tool for expanding cognitive horizons, while thought enables the processing of this knowledge into critical and creative insight. The cultural and social context frames this interaction, underscoring that integrating reading practices with the cultivation of critical thought within a given socio-cultural context is essential for constructing a well-rounded cognitive personality able to navigate contemporary intellectual challenges effectively.

على سبيل التقديم

في عالم اليوم الذي تتسارع فيه المعلومات وتتعدد فيه مصادر المعرفة، أصبحت عملية المطالعة والفكر أكثر تعقيدًا وثراءً، حيث لم تعد القراءة مجرد نشاط تلقائي لنقل المعلومات، بل أصبحت مسارًا تأويليًا وفكريًا يفتح أمام القارئ آفاقًا متعددة للعوالم الممكنة. في هذا السياق، تؤكد فلسفة شوبنهاور على أهمية القراءة كأداة لتوسيع مدارك الفرد وإغناء خياله، بينما يركز لوي التوسير على العلاقة بين اللغة والفكر، معتبرًا أن المطالعة هي عملية تحويلية تتحقق عبر الوسائط اللغوية والثقافية. أما من منظور الدراسات السيميائية، يرى أمبرتو إيكو أن القارئ ليس مجرد مستقبل سلبي للنص، بل هو عنصر فاعل يشارك في بناء المعنى داخل الجماعات التأويلية، حيث تتشكل القراءات المختلفة وفق السياقات الثقافية والمعرفية والاجتماعية التي ينتمي إليها القارئ. كما يعزز رولان بارت هذا الطرح من خلال مفهومه "موت المؤلف"، مؤكدًا أن النص يكتسب أبعاده التأويلية الحقيقية فقط حين يُتاح للقارئ أن يشارك في تفسيره وقراءته المتعددة.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على العلاقة الجدلية بين الفكر والمطالعة، حيث تشكل هذه الثنائية محورًا لفهم كيف يبني القارئ المعرفة ويعيد إنتاجها ضمن أطر معرفية وثقافية متعددة. كما تهدف الدراسة إلى استكشاف كيف تتفاعل العوالم الممكنة مع الجماعات التأويلية، وكيف يساهم السياق الاجتماعي والثقافي في صياغة معاني النصوص وتجارب القراءة، ما يجعل المطالعة فعلًا معرفيًا وفكريًا متجددًا ومتعدد الأبعاد.

انطلاقًا من هذا الإطار، تطرح الدراسة الإشكالية الأساسية التالية:

كيف تؤثر المطالعة على تكوين الفكر الفردي والجماعي، وما هو دور العوالم الممكنة والجماعات التأويلية والسياق الثقافي في إعادة إنتاج المعنى وتأويل النصوص؟

وتسعى الدراسة من خلال هذه الإشكالية إلى:

أولا: تحليل العلاقة بين القراءة والفكر من منظور فلسفي وسيميائي.

ثانيا: فهم دور العوالم الممكنة في توسيع مدارك القارئ وإثراء التجربة التأويلية.

ثالثا: استكشاف آليات عمل الجماعات التأويلية وتأثيرها على إعادة إنتاج المعنى.

رابعا: إبراز أهمية السياق الثقافي والاجتماعي في صياغة التجربة القرائية والمعرفية.

بهذا، فإن الدراسة تسعى لتقديم إسهام متكامل في فهم ثنائية الفكر والمطالعة، انطلاقًا من مفاهيم كلاسيكية وحديثة، مع مراعاة البعد السيميائي والثقافي والاجتماعي، لتكون إسهامًا نقديًا وعلميًا يعزز الفهم المعرفي لهذه العلاقة الجوهرية في العملية الإنسانية للمعرفة.

ثنائية الفكر والمطالعة: سلطة الفئات التأويلية

إننا ونحن نعالج النصوص السردية للحكايات الشعبية، كان من اللازم والضروري أن نخلق تلك المسافة الواجبة بيننا وبين نص الحكاية على اعتبار أنها حكاية اكتمل تشكلها وأصبحت نصا أدبيا قابلا للقراءة، هذا التشكل منحنا نوعا ما، حرية في الكشف عن وجود قراءة أخرى للنصوص، حيث حاولنا أن نحاور هذه النصوص، وتحدونا الرغبة في ملئ فراغاتها، وكذا البياض الكامن بين السطور، والكشف عن المسكوت فيها لتكون هاته القراءات مبدعة لنصوص جديدة ، فالقارئ في هذا السياق يستحضر خلفياته المعرفية ويستدعيها ، بل وقد تفرض هي نفسها عليه ، كسلطة مؤسساتية وكجمعيات وفئات تأويلية، وهذا معناه أن القراءة ترتبط بالزمان الذي تتم فيه، وهي بالضرورة تفرض معاييرها على القارئ، وبهذا فالمعنى يوجد في القارئ وليس في النص، لكن يمكن الإشارة إلى أن هناك علاقة جدلية تفاعلية بين القارئ والنص من جهة، هذه العلاقة تحددها ضرورة عدم تجاهل النص الذي لابد من مراعات بنياته الداخلية ودلالة ألفاظه المعجمية والتي يجب استحضارها قبل تبني أي معنى آخر بعيد عما يمدنا به المعجم من معنى أولا، فالقراء هم من يصنعون النصوص ويقومون بإعادة تشكيلها مراعين في ذلك البنيات والدلالات المعجمية للنص، ومستحضرين خلفياتهم المعرفية والفكرية، وخاضعين للسياقات الزمنية للقراءة ، فالعلاقة الجدلية بين القارئ والنص هي ما تعطي للنص قراءة أخرى منفتحة على التجديد والإبداع، ما دام النص منفتحا على كل القراءات والتأويلات من جهة، ومحتفظا بكل خصائصه وبنيات مفرداته المعجمية الداخلية المشكلة له من جهة أخرى.

الفكر والمطالعة: رؤى شوبنهاور:

إن هذه العلاقة الجدلية والتفاعلية بين طرفي الإبداع، بين النص المشكل سلفا بكل مقوماته وخصائص بنياته الداخلية والقارئ المفكر/ الباحث، هي ما تعطي للنص سلطته وعنفوانه، حيث يبقى للقارئ حريته ومنطلقاته المرجعية ضمن تصور يؤمن بأن "المعنى لا يعطى بل يشيد، وأن تشييده يستند إلى معطيات من داخل الخطاب، ومن خارجه ومن علاقات تتجاوز المستوى الحكائي المباشر" على حد تعبير الدكتور جمال بندحمان في مقدمة كتابه سيمياء الحكي المركب"([1]). إذن فالعلاقة التي يطرحها الفكر والتفكير من داخل الخطاب وخارجه تعد إحدى المسائل التي اشتغل عليها الفلاسفة من أرسطو([2]) 384 – 322 إلى اليوم حيث حاول رصد طرق تنميته وتحفيزه وكذا عوائقه، وفي هذا السياق بين الفيلسوف الألماني أرتو شوبنهاور 1788– 1860 أن المطالعة تشكل أحد العوائق الأساسية

أمام التفكير الأصيل، إذ ليست المطالعة في نهاية المطاف سوى اقتحام أفكار وخواطر دخيلة على الذهن تجعله يخضع لقهر خارجي، ويفكر في قضايا غريبة عنه، في حين أن العقل المفكر هو الذي يفكر لنفسه وبنفسه ويصدر عن نوازعه الأصلية لتي يحددها في تلك اللحظة، وبناء عليه فإن الإفراط في المطالعة يمكن أن يحول دون مرونة الذهن وحيويته، ذلك أن أسهل طريقة لممارسة التفكير غير الأصيل هي أن يتناول – الإنسان – المرء كتابا كلما أحس بالفراغ.

إن الأفكار كي تكون أصيلة في نظر شوبنهاور يجب أن تكون نابعة من ذهنه، أما الاطلاع على أفكار الآخرين عن طريق المطالعة فيشبه الاقتيات على فتات المآدب التي لم يستدع الإنسان إليها، أو ارتداء أثواب الغير.

الظاهر أن المطالعة من منظور شوبنهاور تشكل بديلا سلبيا عن التفكير الأصيل الحر النابع من الذات، إذ أن هذا الحشد العارم من الكتب سوى مجموعة من الدروب الكاذبة نتوه فيها خطانا، في حين أن الذي يفكر لنفسه تفكيرا أصيلا بعيداً عن سلطة الكتب يملك البوصلة السحرية ترشده في طريقه السوي طريق التأمل الذاتي الحر.

صحيح أن الإنسان ينبغي عليه أن يطالع، لكن فقط عندما يصاب ذهنه بالخمول، وهو ما يحدث حتى لأفضل العقول، أما إذا تناول الكتب لا لشيء إلا لتشتيت أفكاره الأصلية النابعة من ذاته فإنه يكون قد انساق إلى الخطيئة ضد الفعل، مثله في ذلك مثل من يفر من روعة الطبيعة ليحملق في متحف من النباتات الجافة الميتة أو في رسم طبيعي على لوح ، فعلا، إن الإنسان قد يصل إلى اكتشاف حقيقة ما بعد عناء وتفكير طويل، وهذا أفضل من أن يجدها جاهزة وبسهولة دون تفكير في كتاب معين، ذلك أن المعرفة لا تصبح جزءا من نسق تفكيرنا، إلا إذا اكتسبناها بجهدنا الفكري الذاتي، حيث تصبح آنذاك على علاقة بمعارفنا السابقة وتصطبغ بصبغة أفكارنا، وتترسخ في أذهاننا، إلى درجة يصعب معها نسيانها.

إن الذي يفكر تفكيرا ذاتيا حراً بعيداً عن سلطة الكتب يجد أفكاره الشخصية أولا، ثم يبحث بعد

ذلك في الكتب عن الأفكار التي تعززها وتؤيدها.

أما فيلسوف الكتب، أو صاحب العقل القارئ كما يسميه "شوبنهاور"([3]) فيبدأ على العكس من

ذلك، من الكتب ليصل في النهاية على كل يشبه الكائن الآلي الذي لا يمت بصلة إلى اللحم الحي، دون أن يدرك أن الحقيقة التي اكتسبها بالمطالعة تشبه الأطراف الصناعية أو الإنسان الزائف. أما الحقيقة التي نتوصل إليها بتفكيرنا الشخصي فتشبه الأطراف الحية التي تخصنا بالفعل.

واضح أن "القارئ المفكر" لا يقيم قطيعة مطلقة مع الكتب بل يستعين بها إما لدعم أفكاره الشخصية أو لتزجية الوقت في انتظار مجيء الأفكار الذاتية الأصلية دون إدمان لأن هذا الأخير يجعل منها – أي الكتب – بديلا عن التفكير الشخصي فينسى المرء ما هو أصيل، ويغترب عن ذاته باقتفاء خطى الفكر الدخيل، وينسحب من عالم الواقع في حين أن هذا الأخير هو الذي يحفز أكثر على التفكير، ما دام العالم هو الموضوع الطبيعي للفكر لا الكتب. وهنا يكمن الفرق الجوهري في نظر "شوبنهاور" بين العلماء والمفكرين، فالعلماء هم من أدمنوا المطالعة أما أهل الفكر فهم الذين اتجهوا رأسا إلى عالم الطبيعة وأضاءوا الطريق أمام الإنسانية، وساروا بها قدما إلى الأمام.

يقول شوبنهاور: "... وأنا عندما أسمع عن أولئك الفطاحل من أهل العلم وعن معارفهم ... لا يسعني إلا أن أقول لنفسي: لا شك أنه لم يكن لديهم كثير من الفكر ليشغلهم حتى استطاعوا أن يقرؤوا كل ما قرؤوه ..." وعليه، وعلى الرغم من موقف "شوبنهاور" الداعي إلى ممارسة التفكير الشخصي ووجوب التحرر من العوائق التي تحول دون تحقيقه وفي مقدمتها القراءة / المطالعة فإنه ظل سجين تمثل "ميتافيزيقي" لا جدلي يفصل بين التفكير والمطالعة مختزلا هذه الأخيرة في المطالعة أو القراءة السلبية والشارحة التي يكتفي فيها القارئ بتكرار المقروء، في حين أن الفكر المعاصر قد كشف عن وجود قراءة أخرى للنصوص، تكون إيجابية وفاعلة يحضر فيها التفكير الأصيل، ويلعب فيها القارئ المفكر دوراً أساسياً في تشكيل النصوص المقروءة وإعادة بنائها.

القارئ والنص: من لوي ألتوسير إلى أومبرطو إكو

إن إعادة بناء النصوص المقروءة ليس بالأمر الهين كما يعتقد البعض، بل إنها عملية شاقة،

فهي عملية خلق وتجديد وإبداع وهذا ما نلاحظه مثلا عند المفكر لوي التوسير ([4]) 1918 – 1990 في مقدمة كتابه "قراءة في الرأسمال" حين أشار إلى وجود قراءة أخرى ألا وهي:

"... القراءة الفاعلة المنتجة التي تولد النص اللامكتوب ... قراءة مشككة تهم المباشر وترفض البداهات وهي تسعى إلى أن تكشف في بياض النص المسودة التي تختفي من ورائه ... قراءة تقوم على الابستمولوجيا اللامباشرة التي تعتبر أن لا وجود لمعرفة أولى بل تؤمن بأن كل معرفة هي دوما معرفة – ضد، وأن تملك المعاني نهاية درب، وأن التستر من محددات كل حقيقة ..." ([5]).

فالقارئ يلعب دورا محوريا حسب النظريات الحديثة في هذا المجال وأساسا في تشكل النصوص وإعادة بنائها انطلاقا من العوالم الممكنة كجهاز ونظام مفاهيمي استقاه "أومبرطو إكو" من علم الدلالة المنطقي ونقله من مجال تحليل "اللغة" إلى تحليل "النصوص السردية" على وجه الخصوص وذلك مع سيمائيين آخرين.

كييطوف Petofi

فان دايك Van Dijk

وبإيجاز يقتديها المدخل النظري لإشكالية علاقة النص بالقارئ "المفكر" يمكن أخذ فكرة عن العالم الممكن إذا ما علمنا أن البعض يسميه بالعالم الاعتقاديLes mondes Doxostiques العوالم الاعتقادية "العالم الممكن" هو وضع الأشياء معبر عنه بواسطة مجموعة من القضايا وهو عالم مكون من مجموعة من الأفراد المزودين بخصائص، وقد يتجسد في سلسلة من الأحداث، كما يتجسد في عالم توقعات القارئ ويندرج ضمنه كذلك عالم المتن الحكائي وعوالم شخصيات، هذا المتن، وقيمة العوالم الممكنة في مجال السيمياء تكمن في كونها تمد هذه الأخيرة بوسائل الوصف والمقارنة بين مختلف أوضاع الأشياء المتضمنة في العوالم التي ينشئها "القارئ"، وبين مختلف أوضاع العوالم السردية بالإضافة إلى تمكينها المحلل من تقديم محتويات هذه العوالم في صورة "جداول" للإحاطة بمكوناتها بدقة، ومعرفة إن كان بإمكان عالم من أن يتنافر مع عالم آخر وما الذي يميز أحدهما عن الآخر.

وعليه وللإشارة فأنواع "العوالم الممكنة" بالنسبة للسرد هي كالتالي:

- العالم السردي: وهو المصرح به من طرف المؤلف.

- العوالم الممكنة: وهي مجرى الأحداث الممكنة كما تتخيلها أو تتمناها أو تردها أو تعلنها شخصية

محددة.

- عالم القارئ: هو عالم يشكله القارئ التجريبي ويسمى كذلك بالجولات الاستدلالية.

عموما فالهدف من "العوالم الممكنة" وتحيينها باستخراج أفرادها، ورسم خصائصهم الضرورية هو المقارنة بينها وتعميق فهم النص، ويظهر أن العوالم الممكنة تتقاطع مع أفق الانتظار، إلا أنه إذا كان أفق الانتظار يُدْرس بوصفه منجزا وتاريخا، فإن "العوالم الممكنة": أداة إجرائية لفهم النص وتحليله.

إذن وانطلاقا من العوالم الممكنة، التي شيد صرحها أومبرطو إيكو واستقاها من علم الدلالة المنطقي كما أسلفنا ونقلها إلى مجال تحليل اللغة وإلى النصوص السردية على وجه الخصوص، هناك عوالم وسياقات أخرى وجب التطرق إليها بالضرورة إنها عوالم وسياقات تخص القارئ ومنطلقاته الفكرية والمعرفية في علاقته مع النص – وعوالمه الممكنة – لذا استوجب منا الأمر الإشارة والوقوف عند نظرية "استجابة القارئ" و"الجماعات التأويلية".

نظرية استجابة القارئ: ستانلي فيش

ستانلي فيش والجماعات التأويلية:

بشيء من التركيز يمكن القول إن هذه النظرية من خلال معطيات يتعلق بالأساس "كجمالية التلقي" سمحت للقارئ بأن يستحضر ما لديه من خلفيات معرفية في شكل المدونة مع إيزر، والموسوعة مع أومبرطو إيكو، وأفق الانتظار مع ياوس بحيث أصبح القارئ عنصرا فاعلا في عملية القراءة وإنتاج المعنى، كل ذلك مع عدم تجاهل النص الذي لابد من مراعاة – بنياته ودلالات ألفاظه الحرفية حسب إيكو والتي يجب استحضارها قبل تبني أي معنى آخر بعيدا عما يمدنا به المعجم أولا.

والاهتمام بالقارئ هو ما سوف نجده كذلك حاضرا لدى تيار نظرية استجابة القارئ، وما يطلق عليه كذلك نقد استجابة القارئ، وتعتبر نقد استجابة القارئ من النظريات النقدية التي تمثل نظرية التلقي في صيغتها الأمريكية والتي أسس منطلقاتها كل من الناقد "ستانلي فيش"Stanley Fish "ونورمان هولاند"Norman Holland و"روبرت هُولب " Robert Holub الذين ركزوا جميعا على عودة القارئ في عملية مقاربة النص الأدبي أو أي نص آخر.

انطلاقا من سنوات السبعينيات من القرن الماضي على التفكير في ذلك والتنظير له بطرق مختلفة، وتعتبر "ستانلي فيش"([6]). أحد أكبر منظري نقد استجابة القارئ وممن أثارت أفكارهم النقدية المعلقة بقراءة النصوص ودرجة حضور القارئ في عملية التلقي الكثير من ردود الفعل، وفي إطار سياق الردود ينطلق ستانلي فيش من نقد التيار الشكلاني الذي يعتبر أن النص يحتوي على خصائص شكلانية تظل ثابتة ولا تعرف التغيير بتغيير القراء والسياقات، لقد أضفى الشكلانيون على النص خصائص مادية فجعلوا منه مجرد مادة لا غير. وقد تحكم في هذه الرؤية الشكلانية الرغبة في اكتساب النقد الأدبي طابعا موضوعيا علميا Scientiste حيث رفضوا أن يكون لذاتية القارئ – الناقد أي دور في فهم النص وتحيينه.

وفي مقابل ذلك يرى ستانلي فيش أن النص ليس مادة، ويقترح فرضية أساسية مفادها أن القارئ هو من يمد النص بالمعنى وليس العكس، وحسب هذا التصور فإن النص يغيب ويصبح القارئ هو الحامل الحقيقي للمعنى إذ لا يوجد تأويل صحيح يمثل ما أراد النص قوله أو تأويل مكمل الحقيقة أو جزءاً منها على الدوام إن "المعنى" بالنسبة لفيش يوجد "في القارئ وليس في النص".

فبدل تصور عملية التلقي كما هي لدى أومبرطو إيكو الذي يركز على الضوابط والحدود التي يفرضها النص، فإن فيش يتحرر من كل تلك الضوابط ولا يعيرها أية أهمية لأن القراءة ترتبط "بالزمان" الذي تتم فيه وهي عبارة عن تجربة خاصة تكون المركزية فيها للقارئ. يقول ستانلي فيش: "إن التأويل ليس هو التحليل لكنه هو فن البناء، فالمؤولون لا يقومون بفك شفرات القصائد بل يصنعون هذه القصائد؛ النص هو ما يصنعه القارئ".

النص حسب هذا التصور لا يستطيع إذن أداء أية وظيفة، باستثناء أن يكون مرآة، تنعكس عليها أفكار قرائه، ولأخذ فكرة عن كيفية توصل ستانلي فيش إلى هذه النتيجة التي تقلب ما تعارف عليه الدارسون عامة، يذكر أنه في أحد الأيام سجل على السبورة وهو بصدد تدريس مادة اللسانيات سلسلة من أسماء الباحثين اللسانيين، الواحد أسفل الآخر وبدل أن يمحوها عند انتهاء الدرس تركها على السبورة، فالتحق طلبة آخرون بنفس القاعة، حيث قرر ستانلي فيش أن يخبرهم بأن سلسلة هذه الأسماء المكتوبة على السبورة، هي قصيدة دينية تعود إلى القرن السابع عشر، وبما أن المادة التي كان ستانلي فيش يدرسها لهؤلاء الطلبة هي تحديداً الأشعار الدينية للقرن السابع عشر فإن لا أحد ممن التحق منهم بالفصل، بعد خروج طلبة اللسانيات الآخرين، فطن إلى أن الأمر كان فقط مجرد خدعة، فانخرطوا في تأويل أسماء هؤلاء اللسانيين المعاصرين، وربطوا دلالتها بالكتاب المقدس وتعاملوا معها بوصفها قصيدة فعلا. وهذا ما انتهى بستانلي فيش إلى القول بأن الأمر لم يكن يتعلق سوى بسلسلة أسماء للسانيين معاصرين وليست قصيدة شعرية، بما أنها ليست من إنتاج مؤلف بعينه وهم تحديدا من جعل منها قصيدة. وبناء عليه أعلن فيش تصريحه الاستفزازي أن القراء هم من يصنعون النصوص، ومن هذا المنطلق عمل فيش على تبيان أن القارئ لا يستمد معنى النص من فراغ، فعلى الرغم من تأكيده على حرية القارئ، إلا أنها حرية مرتبطة بالسياق المؤسساتي الذي يوجد فيه القارئ.

إن القارئ يصنع النص فعلا، لكن ذلك لا يتم من تلقاء ذاته، فهو يصنعه من داخل ظروف تفرض عليه معاييرها، إنه يصنعه وفقا للعديد من الافتراضات والمحددات الناجمة عن وضع قراءته.

إن هذه الظروف التي يقرأ فيها القارئ النص هي ما يسميه ستانلي فيش بالجماعات التأويلية أو الفئات التأويليةCommunautés Interprétatives التي يتعذر على القارئ الإفلات منها، إذ هي التي تمده بسياق التأويل وتضبط تعليقات القراء وتهبها أطر الفهم الملزمة لها، وهذه الفكرة تبرز القيمة القصوى التي يهبها "ستانلي فيش" لسياق القراء بحيث يمكن القول إن القارئ هو من يصنع النصوص، إلا أن ذلك يتم في إطار فئة أو جماعة تأويلية كمجموعة طلبة يتلقون نفس الدرس مثلا. وهكذا يقول ستانلي فيش ما مفاده: "أن المعنى ليس ملكا لنصوص مستقرة ثابتة أو قراءة أحرار مستقلين بل هي ملك لفئات تأويلية مسؤولة في الآن ذاته عن شكل أنشطة القارئ وعن النصوص التي ينتجها هذا النشاط".

وإذا ما تم الرجوع إلى تجربة ستانلي فيش مع طلبته، يمكننا القول بأن هناك فئتين تأويليتين طبقتا على نص واحد طرقا مختلفة لتشييد المعنى، إذ بالنسبة للفئة الأولى فقد اعتبرت النص مجرد أسماء، أما بالنسبة للفئة الثانية فقد تعاملت معه على أساس أنه قصيدة دينية، وقد استطاع "فيش" بهذا المفهوم أن يثبت بأن التصريح بكون النص غير ثابت المعنى وبأن المعنى المحدد بشكل موضوعي لا وجود له، ولفهم تصور ستانلي فيش وربطه بسياق ظهوره يذهب إيف ستون YVES GITTON إلى أن نظرية القارئ الصانع للنص المقترحة من طرف ستانلي فيش ذات علاقة بموجة التحرر والابتكار التي ترجع لسنوات الستينيات وبداية السبعينيات، وأنه يجب ربطها بأشكال أخرى من أشكال التحرر المعاصرة، والتمكين والمطالبة بالاستقلال، فبمقتضى هذا التصور لسنا في حاجة إلى أن ننتظر السيد لكي يعطينا مفتاح التأويل الجيد والذي لا يمتلكه إلا هو، لذلك فعلى الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها هذه النظرية إلا أنها ساهمت في تجديد الكثير من الأفكار التي ارتبطت بالتأويل والنص والقارئ قديما وحديثا.

دور القارئ في النصوص الشعبية:

وعليه فالتراكم والزخم الذي عرفته مختلف القراءات لإشكالية التفكير والقراءة أي علاقة القارئ بالنص ستبرزه النظريات والمدارس النقدية المتعددة التي تسعى وتبحث كلها في النص الإبداعي ليس فحسب للبحث عن كينونته ولكن لمحاولة إيجاد نقطة الالتقاء بين الذات القارئة والذات المبدعة.

لذا سنحاول العمل وبشيء من التركيز التطرق لبعض المنطلقات الفكرية والنظرية التي من خلالها صاغ "رولان بارت" نظرية التلقي حتى يمكننا من خلالها التفاعل بإيجابية مع نصوص الحكاية الشعبية، من منطلق وحدة التفكير والقراءة، على اعتبار أولا أن المؤلف في نصوص الحكاية الشعبية غالبا ما يكون مجهولا / موت المؤلف/ هذا من جهة ومن جهة أخرى فالقارئ / الباحث في متن الحكاية الشعبية يكون فاعلا ومتفاعلا في الان ذاته، مع بنياتها الحكائية القابلة للتأويل والمفتوحة على كل القراءات.

ولعل الاهتمام بإشكالية القراءة يكشف عن مستويات العلاقة بين الإنسان ومختلف المجالات المعرفية المكتوبة، لاسيما في عصر تعددت فيه جسور الروابط بين المثقفين وعبرت الكلمة الحدود لتجد مستقرا لها في الفكر الآخر.

إننا عندما نقرأ فإننا لا نبحث عن "معنى"، خلافا لما رأته الناقدة رويان سوزان سليمان حين خصصت مبحثا في كتابها للإجابة عن السؤالين: كيف نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ([7]) فإن الناقد فولفغانغ إيزر قد ألف كتابين في هذا الموضوع "القارئ الضمني" و"فعل القراءة"([8]).

قلت أننا عندما نقرأ فإننا نبحث عن معنى، وإنما نبحث عن ذواتنا في المقروء، ولهذا تبرز الذات كعامل أساسي في اختيار المؤلف، لكن الإشكال يتجلى في الكيفية التي تتم بها القراءة كما يتجلى في الأدوات التي تسعف القارئ للكشف عن باطن النص.

وإذا كان العامل الأول في تحديد وجهة النظر إلى الحياة تبرز في نظرة المبدع إلى العالم، فإن القارئ أصبح ضروريا لتشكيل هذه النظرة بل ذهبت كثير من الدراسات إلى القول: بأن النص لا يولد إلا مع القارئ. لقد سبق "لرولان بارت" أن أعلن عن "موت المؤلف" وفي ذلك تعبير عن ولادة عصر "المتلقى" لأن الذي يخاطب في النص هي اللغة وليس المؤلف، ولأن دلالة النص لا يوحي بها مؤلفه وإنما نظامه اللغوي في علاقته بالمتلقى.

عناصر العلاقة بين القارئ والنص:

إن رولان بارت عندما يرى أن القراءة والنقد هي لعبة المرايا اللامتناهية للنص، لأن الأثر المقروء يوحي بقراءات متعددة "إن الأثر لا يخلو لكونه فرض معنى على أناس مختلفين، وإنما لكونه

يوحي بمعاني مختلفة لإنسان واحد"([9]).

هكذا تبرز عن كل عملية قراءة عناصر تستدعي المعالجة كشرط أدنى لتحقيق التواصل، ويمكن حصر هده العناصر فيما يلي:

1 القارئ / 2 النص

I ـ القارئ: يتموضع القارئ انطلاقا من رؤيتين للنص المقروء، ولهذا دأبت العديد من الدراسات المعاصرة إلى تعريفه تبعا لهذا التموضع. إنه في جميع الحالات المتلقى الذي يؤسس علاقة مع النص بدءا من مستوى اختياره ثم قراءته. فإعادة إنتاجه. والملاحظ أن صورة المتلقي كثيرا ما تعمل فيها مجموعة من العوامل يؤشر عليها وعي القارئ في تفاعله بوعي القراءة وبوعي النص المقروء الشيء الذي يجعلنا بين صنفين من المتلقين:

أ 1 * المتلقي المشارك أو القارئ المنتج؛

ب 2 * المتلقي غير المشارك أو القارئ المستهلك.

إن الحديث عن مختلف أصناف المتلقين هو الحديث عن المسافة الفاصلة بين "النص" ووظيفة "اللغة" ولهذا يتولد عن عملية الاندماج بينهما تعدد واختلاف في القراءات ويبقى السؤال مطروحا: ماذا يقول النص؟

البحث في "ماذا يقول النص" هو في الأصل نتيجة بحث "ما يقوله القارئ" ذلك أن سلطة الذات القارئة تختزل النص الأصلي، تريحه يخفت أمامها صوت المبدع، إنها سلطة لا تعمل على تحليل بواعث عملية الكتابة بقدر ما تعمل على إسقاط ثقافة جاهزة على إبداع وهذا من شأنه أن يحرف الموضوعية في القراءة.

إن الثابت في كل قراءة هو النص أما المتغير فهو القارئ وأدواته، وإذا كنا عند نهاية كل قراءة نصل إلى نتيجة، فإن هاته النتائج مهما بدت موضوعية فإنه لابد من التركيز على شيئين اثنين:

- ظروف الكاتب عند الكتابة.

- ظروف القارئ عند القراءة.

بالنسبة للقارئ نستطيع رصد مختلف الصعوبات التي تواجهه في عملية القراءة ونحصرها في المستويات التالية:  -1- القارئ   الذات

2- القارئ     مبدع النص

3- القارئ     النص المقروء

1 ـ القارئ / الذات:

هل يستطيع القارئ أن ينفصل من ذاته؟ هل يستطيع أن يقيم حدا فاصلا بين الذات

والموضوع؟

ما هي ظروفه عند القراءة؟ وما هي مؤهلاته؟

2 ـ القارئ / مبدع النص

ما هي علاقة القارئ بالمؤلف؟

أوجه الالتقاء وأوجه الاختلاف؟

هل يمكن للقارئ أن يندمج في عملية القراءة دون الاهتمام بظروف الكتابة؟

إلى أي حد يستطيع القارئ تمثل هذه الظروف؟

3 ـ القارئ / النص المقروء

ما هو سبب اختيار النص؟

ماذا يمثل هذا النص بالنسبة لفضاء القارئ؟

إلى أي حد تتحقق مقصدية القارئ في قراءته للنص المختار؟

هذه أسئلة القراءة إن لم تكن أسئلة القارئ، وهي بقدر ما تكشـف الحجاب عن المسكوت عنه في هذه العملية المعتدة فإنها تقيم الدليل على كل قراءة لا تخلو من خطورة وأن مبعث هذه الخطورة ليس هو النص وإنما هو القارئ، هي ثقافتهم الخاصة التـي اعتبرتهاJohanna natali بمثابة قوانين الأساس([10]).

IIـ النـــص:

سيقتصر البحث في هذه النقطة على دراسة نص الحكاية الشعبية بشكل عام نظرا لطبيعة التعامل معه سواء عند انتقائه أو عند قراءته، وسنقف على عنصر يشكل جوهر تحديد العلاقة بين النص والقارئ.

1 ـ النص العربي بين الاختيار والتمثل:

النص حيز كلامي تتعدد معانيه، وتتفاضل دلالته، وتختلف سياقاته وتتعارض بياناته، إنه حيز ينطوي على بياضات وفراغات تخترقه شقوق وفجوات، إنه كائن وليس جثة، ينبض دوما يتفاعل مع قارئه.

جاء في لسان العرب "النص رفعك الشيء، نص الحديث ينصه: رفعه، وكل ما أظهر قد نص.

وقال عمر بن دينار:

ما رأيت رجلا أنص للحديث من الزهري أي أرفع له وأسند.

يقال: نص الحديث إلى فلان، أي رفعه، وخصص الرجل غريمه: أي استقصى عليه...

ومنه قول الفقهاء:

نص القرآن، نص الحديث أي، نص الحديث أي ما دل ظاهر لفظه عليه من الأحكام ([11]).

والنص "مدونة كلامية، يعني أنه مؤلف من الكلام وليس صورة فوتوغرافية أو رسما أو عمارة أو ريا.... وإن كان الدارس يستعين برسم الكتابية وفضائها وهندستها أثناء التحليل. أما من حيث وظيفته فهو "تواصلي" يهدف إلى توصيل معلومات ومعارف ونقل تجارب إلى المتلقي"([12]).

وفي المعجم اللساني: نجد تعريفا للنص كما يلي: "النص هو مجموعة الأحاديث اللسانية الخاضعة للتحليل"([13]).

وبالعودة إلى رولان بارت: فهو يرى أن النص مجال منهجي لا يعرف النهايات ولا تحده التقسيمات، ولا يخضع لسلطته التسلسلات الهدمية، فهو استشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المعاني والدلالات الآن بناء بلا إطار، يتميز بالحركية والفاعلية المستمرة وينطوي على تقدريته المعنى الذي لا يمكن أن تقتصه شكية التفسيرات لأن له طبيعة انفجارية، كما أنه يتفاعل مع غيره من النصوص وينتمي إلى مجال تناصي ولكن يطيح في نفس الوقت نجد أنه الأصول والمصادر، ولا يعترف بمفهوم الأبوة لأن مفهوم التناص يقضي عليه".

لقد أصبح الاهتمام بالنصوص نامية ركز عليها النقاد المعاصرون سواء منهم "البنيويون أو الشكلانيون" ولهذا كثر الحديث عن أنحاء النص وتحليل النص ولسنيات النص، ودينامية النص، وبنية

النص وغيرها من الدراسات التي حاولت الإجابة على كثير من الجوانب الخفية من الإبداع.

إن المقصود بالنص هنا هو ذلك الأثر المتوفر على بنية شاملة محكومة بشرط الكتابة لهذا ليست كل النصوص المكتوبة تتوفر على هذه القاعدة وهنا يبرز مفهوم "التمثيل والاختيار" شرطا أساسيا في عملية الانتقاء. لكن كيف يمر النص شيئا فشيئا من الوظيفة التعليمية إلى الوظيفة الجمالية؟

يرى امبرطوايكــو: أن العقبة الأولى التي تواجه القارئ تنتمي إلى النوع الاستدلالي، أي أن يجعل القـــراءة معناه استنبـط – خمـن، استبدل على سياق ممكن انطلاقا من النص حيث ينبغـي لمتوالية القراءة إما تأكيده أو تصحيحه ثم أنه بمجرد ما يدخل القارئ إلى النص يكون فرضية أولية عن مجموع المضمون العام للنص وهذا يتطلب تفكيك وتحديد المعاني والدلالات التي يزخر بها([14]).

انطلاقا من هذه السياقات الفكرية والمنطلقات النظرية التي حاولت أن تصيغ وتنسج مقاربات جادة لإشكالية العلاقة بين فعل القراءة والنص أو ما يمكن التعبير عنه بوحدة التفكير والقراءة التي يؤشر عليها وعي القارئ في تفاعله بوعي القراءة وبوعي النص المقروء الشيء الذي دفع بنا ونحن نشتغل على نصوص الحكاية الشعبية أن نستحضر كل هذا الرقم النظري حول الموضوع، جاعلين من هاته المقاربات بوصلتنا ومنهجنا وخارطة طريق نقتحم من خلالها عوالم المتن السردي الحكائي بكل حرية وإيجابية متفاعلين بكل وعي مع "سلطة" ومكونات النص الأصلي جاعلين من ألفاظه ودلالاته المعجمية الإطار المرجعي، في ملئ بعـض من البيانات الكامنة بين السطـور، باحثين عن المسكوت عنه بين ثنايا المتن الحكائي، موسعين دلالة المعاني والألفاظ، انطلاقا من السياقات الزمنية الراهنة والخلفيات المعرفية والنظرية في هذا المجال.

وعليه فسيكون تعاملنا مع نصوص الحكاية الشعبية تعاملا مفتوحا على المعاني والمضامين والألفاظ أي الشكل والإطار المعجمي للنص من جهة ومن جهة ثانية سننفتح على التأويل ، خاضعين المضامين لسياقات القراءة مادام الكاتب/ المؤلف لنصوص الحكاية غائبا/ مجهولا والقارئ/ الباحث حاضرا ومتفاعلا ، من أجل إنتاج المعنى، من داخل النص ومن خارجه([15]) برؤية تتوخى إعادة بناء المتن الحكائي وفتحها على سياقات الزمن الراهن في محاولة إعادة صياغة وبناء المتن الحكائي انطلاقا من دواخله السردية وعوالمه المفتوحة على كل القراءات وهذا ما سنسعى للقيام به ونحن نشتغل على تحليل الحكايات الشعبية من خلال كتاب أجمل الحكايات من الفولكلور الشعبي المغربي لمؤلفه يسري شاكر

على سبيل الختام

في ختام هذا البحث، يتضح أن العلاقة بين النص والقارئ ليست مجرد عملية تلقائية أو استهلاكية للمعنى، بل هي جدلية معقدة تقوم على التفاعل بين الفكر النقدي للمتلقي والتمثلات التأويلية التي يحملها. لقد أظهرت الدراسة أن إنتاج المعنى عملية ديناميكية، تتشكل في أفق القراءة الحديثة بتداخل العوامل الثقافية والفكرية والشخصية للقارئ، فضلاً عن خصائص النص ذاته من حيث البنية والرموز والوظائف السيميائية.

إن هذا التفاعل البنّاء بين النص والقارئ يعكس طبيعة المعرفة الأدبية كعملية مستمرة تتجاوز حدود النص نفسه لتصل إلى فضاءات الفكر النقدي والتأويل الفردي والجمعي، مما يجعل القراءة تجربة معرفية ثرية وقادرة على إعادة إنتاج المعنى وتوسيع آفاقه. ومن هنا، تتضح أهمية اعتماد مقاربات تحليلية متعددة مثل السيميائية والدراسات الثقافية والنقد التأويلي لفهم هذه الجدلية، بما يضمن قراءة متعمقة للنصوص وتقديراً لعوامل السياق التي تؤثر في الفهم والتأويل.

ختامًا، يمكن القول إن النص والقارئ يشكلان وحدة وظيفية معرفية متكاملة، حيث تتجسد من خلالهما القدرة على الحوار بين الماضي والحاضر، بين الكاتب والمتلقي، وبين النص والوعي النقدي، ليبقى إنتاج المعنى عملية مفتوحة على التجدد والإبداع، تتجاوز حدود الزمن والمكان، وتؤكد الدور المركزي للقراءة كفعل ثقافي وفكري واجتماعي متجدد.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي

.................

الهوامش

([1] ) ـ جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

([2] ) ـ أَرِسْطُو ‏( 384 ق.م 322 ق.م ) أو أَرِسْطُوطَالِيس المعلم الأول هو فيلسوف يوناني وتلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر. وهو مؤسس مدرسة ليسيوم ومدرسة الفلسفة المشائية والتقاليد الأرسطية، وواحد من عظماء المفكرين. تغطي كتاباته مجالات عدة، منها الفيزياء و‌الميتافيزيقيا و‌الشعر و‌المسرح و‌الموسيقى و‌المنطق و‌البلاغة و‌اللغويات و‌السياسة و‌الحكومة و‌الأخلاقيات و‌علم الأحياء و‌علم الحيوان.كان لفلسفته تأثير فريد على كل شكل من أشكال المعرفة تقريبًا في الغرب، ولا يزال موضوعًا للنقاش الفلسفي المعاصر.

([3] ) ـ ولد شوبنهاور في الثاني والعشرين من شهر فبراير سنة 1788 م. درس الفلسفة بجامعة جوتنجن بين عامي 1809 و1811، ثم انتقل إلى جامعة برلين (1811 – 1813م) حيث ختم دراسته بحصوله على الدكتوراه عن رسالته التي دونها تحت عنوان: الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي وهي رسالة في العقل وصلته بالعالم الخارجي، وهو يقصد بالسبب الكافي علاقتنا بالعالم الخارجي وفهمنا إياه. ويرى أن السبب الكافي الذي يتحدث عنه يقوم على أصول أربعة هي: ((علاقة بين مبدأ ونتيجة – علاقة بين علة ومعلول–علاقة بين زمان ومكان – علاقة بين داع وفعل)). والصور الثلاثة الأول تخص التصور النظري، أما الصورة الرابعة فهي العمل. وهذه الأربعة هي التي ينشأ عنها تصورنا للعالم الخارجي، وانفعالنا معه. ثم أخرج كتابه الثاني وهو العالم إرادة وتصور أو العالم إرادة وفكرة. وقد كان تلميذا لكانط. مات أبوه منتحرا وهو في السابعة عشرة (1805 م). عاش بعد ذلك حياة شقية تعيسة بسبب خلافه مع أمه بسبب حياة التحرر من كل قيود الفضيلة التي عاشتها أمه بعد أبيه، وقد انتهى الخلاف بينهما إلى قطيعة كاملة حتى ماتت ولم يرها.

([4] ) ـ لوي بيير ألتوسير (‏16 أكتوبر 1918 - 22 أكتوبر 1990) كان فيلسوفا ماركسيا. ولد في الجزائر ودرس في مدرسة الأساتذة العليا في باريس حيث أصبح أستاذا للفلسفة فيها. كان ألتوسير لفترة طويلة عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي واعتبر أحد أهم المنظرين الماركسيين في القرن العشرين.يعتبر ألتوسير ماركسيا بنيويا، رغم أن علاقته بمدارس أخرى للبنيوية الفرنسية ليست مسألة انتماء بسيط وقد انتقد العديد من أوجه البنيوية.

([5] ) ـ عبد السلام بنعبد العالي، سوسيولوجية الحياة اليومية، الصفحة 56-57.

([6] ) ـ ستانلي فيشStan Ley Fish 1938: ناقد أمريكي صدر له كتاب تحت عنوان: هل هناك نص في قاعة الدرس هذه؟". - سلطة الفئات التأويلية

.

IS There a texte in this choss, the Authonity of interpretive communitics

وقد ترجم باللغة الفرنسية بالعنوان التالي:

Quand lire c’est (L’autorité des communautés interactives).

([7]) – Le romon à thèse ou L’outorité fictive puf 1983, p.46.

([8]) – The implied of reader, London 1980 The oct of reading, London 1981.

([9]) –Roland, Bart, Le degré zéro de L’écriture. الطيب بيار، الدعم، العدد الثاني،يونيو1996

([10]) – A-propos des critiques des chots de bond laire

([11] ) ـ في منظور مادة نص، الصفحة 98.

([12]) ـ د: محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985 ص120.

([13]) -Larousse Jaque du bois et autres.

([14]) ـ للمزيد من التعمق في نص القارئ أو القارئ كنص يراجع كتاب introduction aux études littéraires méthodes du texte.

([15]) ـ جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

في المثقف اليوم