قضايا
حاتم حميد محسن: من ثيوسيديدس الى مؤتمر دافوس
في خطابه في مؤتمر دافوس العالمي (من 19 الى 23 الشهر الحالي)، أعرب رئيس وزراء كندا مارك كارني عن حزنه العميق لزوال التعاون الدولي من خلال استحضار حكمة اليونانيين القدماء. "يبدو اننا في كل يوم نتذكر اننا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى، وان النظام المرتكز على القواعد بدأ يتلاشى، وان القوي يستطيع عمل ما يستطيع، والضعيف يجب ان يتحمل ما يجب عليه تحمّله. وهذه العبارة المأثورة للمؤرخ والقائد العسكري اليوناني ثيوسيديدس (460-400 ق.م) تبدو كأنها حتمية، لأن المنطق الطبيعي للعلاقات الدولية يعيد تأكيد ذاته".
الصحفيون والاكاديميون من الدانمارك واليونان والولايات المتحدة اقتبسوا نفس العبارة من المؤرخ اليوناني القديم عند مناقشة طلب دولاند ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند. وفي نفس الاطار فسرت المدونات ومنصات التواصل الاجتماعي مصير غزة والغزو الروسي لأوكرانيا . من الواضح صعوبة التأمل في عالم اليوم دون ان يكون لنا رد فعل كما فعل الشاعر البريطاني اودن W.H.Auden عند انهيار النظام القديم عام 1939 (1) ثيوسيديس حين كان في المنفى اكتسب فهما عميقا حول السلطة السياسية وعيوب الديمقراطية وطبيعة الديكتاتورية.
المفارقة هي ان عبارة "القوي يعمل ما يستطيع" جرى فهمها بطرق مختلفة، وعُرضت كوصف للطبيعة الحقيقية للعالم (ضد الليبراليين السذج) وكبيان معياري (الضعيف يجب ان يخضع). ومن جهة أخرى، انها تبدو كرمز لسلطوية الماضي السوداء التي اردنا التخلص منها، وكإدانة للسلطة المطلقة. كل هذه التفسيرات تستخدم ثيوسيديدس لتبرير حججها . إصرار ثيوسيديدس على أهمية البحث عن الحقيقة حول الماضي بدلا من قبول أي قصة قديمة، وضع الأساس لإدّعائه بان هذا التحقيق يساعد القرّاء على فهم أحداث الحاضر والمستقبل. وبالتالي، جرت الإشارة اليه في العصر الحديث كرائد في النقد العلمي التاريخي وأيضا كمنظر سياسي بارز. ان غياب أية قواعد نظرية في نصه لم يمنع الناس من ادّعائهم تحديدها.
ان اقتباس القوي/الضعيف هو مثال رئيسي. انه يأتي من حوار ميلان من تاريخ ثيوسيديدس لحرب البيلوبونيسيه. في عام 416 ق.م وصلت قوة اثنية الى جزيرة ميلوس المحايدة وطلبت منها الاستسلام. القائد الميلاني طلب التفاوض، وثيوسيديدس يعرض إعادة بناء قصصية للأحداث اللاحقة. الاقتباس يأتي من البداية عندما اعلن الاثنيون انهم لا يدّعون بأي حق في احتلال ميلوس عدى القوة للقيام بذلك، وبالعكس سوف لا يستمعون الى أي حجة تنطلق من المبادئ. هم أعلنوا بوضوح ان "أسئلة العدالة تنطبق فقط على أولئك المتساوين في القوة". " القوي يطلب والضعيف يستسلم".
ضمن نظرية العلاقات الدولية الحديثة، هذه أحيانا تُفسر كأول بيان لفكر المدرسة الواقعية. باحثون مثل جون ميرشايمر يدّعي ان ثيوسيديدس حدّد المبدأ الأساسي للنظرية الواقعية بانه في عالم "فوضوي"، يتم تطبيق القانون الدولي فقط اذا كان يصب في مصالح استراتيجية لدول قوية، او يرتب حقوقا. مصير الميلانيين تحطم تماما بعد ان قرروا المقاومة بحماقة.
لكن هناك كلمات وردت لشخصيات في قصة ثيوسيديدس، وليس لثيوسيديدس ذاته. نحن لا نستطيع افتراض ان ثيوسيديدس اعتقد ان مبدأ "القوة هي الحق" هو الطبيعة الحقيقية للعالم، او انه قصد ان يستنتج قرّاءه ذلك. الاثنيون ذاتهم ربما لم يؤمنوا بهذا طالما كانت أهدافهم تخويف الميلانيين ودفعهم الى الاستسلام بدون قتال. وما هو اكثر أهمية، ان ثيوسيديدس وقراءه عرفوا كل شيء عن الرحلة الاثنية الكارثية الى جزيرة سيلسي في السنة اللاحقة التي بيّنت الحدود العملية الخطيرة لـ عقلية "الرغبة والاخذ والامتلاك". اذاً، نحن يجب ان لا نأخذ هذا كاقتراح نظري واقعي. لكن اذا كان ثيوسيديدس قصد فقط وصف الغطرسة الامبريالية وتأكيده في ان "الكبرياء يسبق السقوط"، او يستطلع كيف قادت المواقف الاثنية الى حسابات خاطئة كارثية، لكان بإمكانه كتابة كلام مباشر خال من التعقيد.
خيار ثيوسيديدس في الحوار يبيّن ان هناك امور اكثر تعقيدا وليست فقط أثينا. هو كان بنفس القدر مهتما بسايكولوجية "الضعيف"، تركيبة الميلانيين في التوسل والمساومة والتمنيات والتحدي، ورفضهم النهائي لقبول الحجة الاثنية. هذا لا يعني ان الحجج الميلانية صحيحة، حتى لو تعاطفنا معها. تفكيرهم يمكن ان يكون إشكاليا أيضا. ربما هم على صواب في اقتراحهم انه اذا استسلموا فورا، سيفقدون كل أمل، "لكن لو قاومنا عندئذ لايزال هناك أمل ان لا نتحطم".
عقيدتهم ان الآلهة ستساعدهم "لأنهم أناس صالحين يدافعون عن أنفسهم ضد الظلم"، هي ساذجة في افضل الأحوال. ان رغبة الطغمة الحاكمة في التضحية بكامل المدينة للحفاظ على مواقعها يجب ان تخضع للتساؤل. الحوار المتبادل يوضح قيم ورؤى العالم المتصارعة ويجب ان يشجعنا للنظر الى موقعنا الخاص. ما هو مكان العدالة في عالم فوضوي؟ هل من الصحيح ان نضع السيادة فوق حياة الناس؟ كيف يكون شعورك عندما تكون قويا او ضعيفا؟
انه لمن الجدارة الانخراط مع كامل القصة، وليس فقط في سطور معزولة . الفيلسوف السياسي الإنجليزي توماس هوبز في ترجمته الكلاسيكية عام 1629، لاحظ ان ثيوسيديدس لم يقدم ابدا أية قواعد او دروس لكن مع ذلك " هو من ابرز المؤرخين السياسيين على الاطلاق". القراء المعاصرون اعتادوا على اقتطاع اقتباسات معزولة من السياق، افترضوا انها تمثل رؤية المؤلف وادّعوا انها قوانين لا زمنية. هوبز رأى ثيوسيديدس يمثل مواقف معقدة نحتاج ان نحلل ونفك ألغازها. من الملاحظ ان المؤلف اشتهر بعمقه واختزاله التعقيدية الى عبارات قصيرة . لكن الاشكالية هي في كيفية تفسير هذه العبارات القصيرة. ثيوسيديدس يقدم لنا فكرة قوية وشائكة لكنه لا يخبرنا بما يجب ان نفكر فيه وهذا يجب ان يعيدنا مجددا الى الأصل.
***
حاتم حميد محسن
...............
الهوامش
(1) في عام 1939 استجاب الشاعر البريطاني اودن لانهيار النظام القديم بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، عبر تأليفه لقصيدته الرائعة في (سبتمبر 1، 1939) فيها قام بتأريخ الخوف والدمار الذي تسببت به الفاشية، مجادلا بالحاجة الى (اننا يجب ان نحب بعضنا البعض او نموت) كشعلة تبعث الاطمئنان وسط الفوضى.






