قضايا

محمد الربيعي: الابداع في عصر الذكاء الاصطناعي

في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية وتعاد فيه صياغة مفاهيم المعرفة، تبرز اسئلة تربوية لا يمكن تجاهلها: كيف نحفز الابداع لدى المتعلمين؟ وهل ما زال للابداع مكان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للمعلم ان يعلم الابداع في بيئة باتت فيها الالة قادرة على التفكير، بل على انتاج ما يشبه الابداع ذاته؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الاجابات حكرا على العقل البشري، بل باتت الخوارزميات قادرة على تقديم حلول جاهزة حتى للاسئلة التي تتطلب تفكيرا نقديا وتحليليا. هذه التحولات تضعنا امام مفارقة تربوية وفلسفية عميقة: اذا كانت الالة تفكر بالنيابة عنا، فهل ما زلنا بحاجة الى تعليم التفكير؟ واذا كانت قادرة على توليد نصوص ابداعية، فهل ما زال للخيال البشري قيمة تذكر؟

هذه الاسئلة لا تعكس قلقا وجوديا فحسب، بل تفتح الباب لاعادة النظر في جوهر العملية التعليمية ومفهوم الابداع ذاته. فالاكاديمي تحسين الشيخلي يرى في الذكاء الاصطناعي "اداة ستعيد تشكيل العالم نحو مزيد من الابداع والكفاءة والتقدم العلمي" (1)، ويصفه بانه "شريك معرفي يعيد تعريف طريقة صياغتنا للاسئلة نفسها"، لا مجرد وسيلة تقنية. من هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي محفزا لابداع من نوع جديد، يتجاوز التلقين الى اعادة تشكيل ادوات التفكير.

وتتماهى هذه الرؤية مع التوجهات التربوية الحديثة التي تتبناها منظمات دولية كاليونسكو، والتي ترى أن الإبداع لن يُلغى في عصر التحولات الرقمية، بل سيُعاد تعريفه ضمن سياقات جديدة. فالثورة التربوية المرتقبة لا تقتصر على أدوات التعلم، بل تمتد إلى طرائق التفكير وسبل الانتفاع بالمعرفة. فالإبداع، في جوهره، لا يكمن في تقديم الإجابات الجاهزة، بل في القدرة على طرح الأسئلة العميقة، والربط بين الأفكار، وتجاوز المألوف، وتوظيف المعرفة توظيفا أخلاقيا يخدم المجتمع والإنسانية.

لكن هذا التفاؤل لا يخلو من تحذيرات. اذ يرى الباحث التربوي علي اسعد وطفة ان الذكاء الاصطناعي "يستحوذ على التعليم ويستولي على عقول الاطفال والناشئة" (2)، محذرا من ان الانظمة التعليمية التقليدية تواجه تحديات وجودية قد تهدد بنيتها ومضامينها. فالتكنولوجيا، رغم امكاناتها، قد تدفع المتعلمين خارج طبيعتهم الانسانية اذا لم تُضبط تربويا واخلاقيا.

وفي السياق ذاته، يذهب الاكاديميان خوسيه انطونيو بوين وادوارد واتسون في كتابهما ( Teaching with AI ) الى ان الذكاء الاصطناعي "لم يعد مجرد اداة مساعدة، بل اصبح قادرا على توليد افكار وتحليلات معقدة" (3)، مما يستدعي اعادة تعريف مفهوم الابداع الاكاديمي ووضع معايير جديدة لتقييم الاعمال الفكرية. ومع ذلك، يشددان على ان الذكاء الاصطناعي لا يمكن ان يكون بديلا للقدرة البشرية على الابتكار والتفكير النقدي، بل يجب اعتباره شريكا يعزز امكانيات الانسان ويوفر له ادوات غير مسبوقة للتطوير والانتاج المعرفي.

من "ماذا" الى "لماذا" و"ماذا لو"

لم يعد الابداع البشري ينافس الذكاء الاصطناعي في سرعة انتاج المحتوى او تنظيم البيانات، بل يجب ان يتحول الى مستوى اعلى من الابداع الوجودي والسياقي. بينما ينتج الذكاء الاصطناعي لوحة فنية بناء على مليون صورة، ياتي الابداع البشري من رغبة الفنان في التعبير عن المه، فرحه، او رؤيته للعالم. الابداع البشري هو القدرة على طرح اسئلة غير متوقعة: "ماذا لو جمعنا بين الفلسفة القديمة وازمة المناخ؟" او "كيف يمكن للشعر ان يصف شعورا لم يوصف من قبل؟". هنا، يصبح دور المعلم هو قيادة الطلاب الى مناطق التفكير "غير الماهولة" التي تفتقر اليها قواعد بيانات الالة.

الذكاء الاصطناعي كـ"خصم تدريبي" وليس كعدو

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساعدة، بل اصبح جزءا من البيئة التعليمية ذاتها. وبينما يخشى البعض ان يحل محل التفكير البشري، يرى تربويون ومختصون انه يمكن توظيفه كـ"خصم تدريبي" لا كعدو. فبدلا من ان ينظر اليه كمنافس للابداع، يمكن للمعلمين استخدامه لتحفيز الطلاب على التفكير النقدي والتمييز بين الانتاج الالي والبشري.

تخيل ان يطلب من الطلاب كتابة مقال حول قضية معينة، ثم ينتج الذكاء الاصطناعي مقالا اخر في الموضوع ذاته. يطلب من الطلاب بعدها مقارنة العملين وتحليل الفروق: اين كانت لمسة الانسان؟ اين تجلى العمق العاطفي؟ واين ظهر الربط غير المتوقع؟ هذه العملية لا تعلم الطلاب النقد فحسب، بل تظهر لهم قيمة ابداعهم الفريدة بشكل ملموس، وتحول الالة الى محفز ذهني يعيد شحن العقل البشري.

وتتقاطع هذه الفكرة مع رؤية المستشارة التربوية تهاني ياسين، التي تؤكد ان دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يتطلب استراتيجية تربوية واضحة، تبدا من بناء الوعي الرقمي وتنتهي بأشراك الطالب والمعلم في استكشاف الاداة ومناقشة نتائجها (4). فحين يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى يحلل ويناقش، يتحول من تقنية صامتة الى شريك في التعلم، يعزز التفاعل ويعيد تعريف الابداع بوصفه قدرة بشرية على التمييز والتاويل.

ابداع "ما بعد الذكاء الاصطناعي".. التركيز على المهارات الانسانية الفائقة (Hyper-Human Skills)

اذا كان الذكاء الاصطناعي قد اتقن المهارات التقنية واصبح قادرا على تنفيذ مهام معقدة بكفاءة عالية، فان مستقبل التعليم لا بد ان يوجه تركيزه نحو المهارات الانسانية الفائقة التي تظل حكرا على العقول البشرية. من بين هذه المهارات، يتصدر التعاطف العميق القائمة، وهو القدرة على فهم المشاعر المعقدة والسياقات الثقافية والاجتماعية التي تنتجها، وهو جانب يختص به الانسان دون الالة. الى جانب ذلك، تأتي الحكمة التي تتمثل في توظيف المعرفة برؤية اخلاقية وبافاق طويلة الامد، وليس فقط لتحقيق نتائج فورية او حلول مؤقتة. كما ان القيادة الوجدانية تمثل مهارة جوهرية، اذ تنطوي على قدرة الانسان على تحفيز الاخرين والهامهم، لا سيما في ظروف غامضة وغير مؤكدة يصعب فيها الاعتماد على البيانات وحدها. واخيرا، يبرز الفضول الوجودي، وهو السعي المستمر لفهم الاسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والهدف والمعنى، وهي تلك الاسئلة التي تظل خارجة عن نطاق قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد اهمية هذه المهارات في تشكيل مستقبل التعليم والانسانية نفسها.

ولتوضيح هذه المهارات في سياق تطبيقي مدرسي، يمكن تصور مشروع تعليمي ثانوي بعنوان "رحلة إلى الذات والآخر" يهدف الى تنمية المهارات الانسانية الفائقة عبر مراحل متعددة. يبدأ المشروع بمقابلات مع أفراد من خلفيات متنوعة لتعزيز التعاطف، ثم مناقشة قضايا أخلاقية معقدة لتفعيل الحكمة، يليه تكليف طالب بقيادة الفريق لتجسيد القيادة الوجدانية، واخيراً كتابة مقالات تأملية لتعزيز الفضول الوجودي. يهدف هذا النموذج الى اعادة تعريف المدرسة كمكان لتشكيل الانسان، واعداد جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل متجاوزاً حدود التقنية، مستنداً إلى عمق انساني وأخلاقي وفلسفي لا يمكن تقليده رقمياً.

التقييم في عصر الذكاء الاصطناعي

اصبح تقييم الابداع بناء على المنتج النهائي مثل مقال او لوحة فنية او تصميم امرا بالغ الصعوبة في ظل قدرة الالة على انتاج هذه الاعمال ذاتها. لذلك، من الضروري ان تتحول انظمة التقييم الى التركيز على عملية الابداع ذاتها وليس فقط على النتيجة النهائية. يمكن تحقيق ذلك عبر اعتماد مقابلات المنطق التي تتيح مناقشة الطالب حول رحلته الابداعية، مستفسرين عن اسباب اختياره لطرق معينة، والبدائل التي فكر فيها، وكيف توصل الى الفكرة الاساسية. اضافة الى ذلك، يصبح حفظ المسودات وعمليات التفكير جزءا لا يتجزا من التقييم، مما يعكس تطور الفكرة وتعمق الطالب في تجربته. كما ينبغي تبني التقييم القائم على المشاريع طويلة الامد التي توثق تطور الفكرة من مجرد بذرة الى ثمرة متكاملة، فتبرز بذلك مسار التفكير والابتكار المستمر بدلا من التركيز فقط على المنتج النهائي. على سبيل المثال، في درس الفنون، يطلب من الطالب تطوير مشروع بصري طويل الأمد، يبدأ بمسودة أولية ويخضع لتعديلات متعددة. يجرى معه حوار حول اختياراته الفنية، البدائل التي فكر فيها، وكيفية تطور الفكرة. يقيّم بناءً على عمق تفكيره ومسار تطوره، لا على اللوحة النهائية وحدها، مما يعكس فهمه الحقيقي لعملية الإبداع.

تحدي الاخلاقيات

يطرح الذكاء الاصطناعي اسئلة اخلاقية يجب ان تكون في صلب العملية التعليمية الابداعية: من يملك ابداعا ساهم في انتاجه الذكاء الاصطناعي؟ ما هي التحيزات الخفية في البيانات التي دربها عليها الذكاء الاصطناعي والتي قد تكرسها اعماله "الابداعية"؟ كيف نضمن ان ابداعنا البشري يظل في خدمة الانسانية ولا يتم توظيفه لاغراض ضارة بمساعدة ادوات اكثر كفاءة؟ تعليم الابداع اليوم يعني ايضا تعليم (المسؤولية الإبداعية) والوعي النقدي بتقنياتنا.

الابداع جوهر التعلم

في الختام احب ان ابين ان تحفيز الابداع لدى المتعلمين لا يتم عبر التلقين، بل عبر اثارة الفضول، والاحتفاء بالخطا كجزء من التعلم، ودمج النظرية بالتطبيق، والعقل بالوجدان. الطالب لا يجب ان يكون مستهلكا للمعرفة، بل منتجا لها، مشاركا في صياغتها، ناقدا لها، ومؤثرا من خلالها.

اما تعليم المعلمين كيف يعلمون الابداع، فهو ممكن، لكنه يتطلب اعادة تعريف جذرية لدور المعلم. لم يعد المعلم ناقلا للمعلومة، بل صار ميسرا للتفكير، وشريكا في البحث، وحارسا للقيم. وهذا يستدعي تغييرا في المناهج التي تدرس للمعلمين انفسهم، وتوفير مساحة للتجريب والتامل، لا مجرد تطبيق تعليمات جاهزة.

المناهج التي تحترم الزمن وتبتعد عن التلقين هي تلك التي تطرح اسئلة بدلا من تقديم اجابات، وتربط التعلم بالحياة لا بالامتحان، وتدمج بين المهارات المعرفية والوجدانية والاجتماعية، وتبنى على مشاريع لا على حفظ نصوص. وكما تشير دراسة منشورة في موقع "منهجيات"، فان "الذكاء الاصطناعي لا يجب ان ينظر اليه كبديل للمعلم، بل كاداة تكاملية تدفعنا لاعادة النظر في اسئلتنا التعليمية، والتامل في اي نوع من المعلمين نطمح ان نكون" (5).

الذكاء الاصطناعي قد غير قواعد اللعبة، لكنه لم يلغ الحاجة الى الانسان المفكر، المتامل، المبدع. ربما لم نعد بحاجة الى تعليم "كيف نحل المسالة"، لكننا ما زلنا بحاجة الى تعليم "لماذا نحلها"، وما الذي تعنيه لنا، وما الذي يمكن ان نفعله بها في عالم يتغير اسرع مما نتصور.

اننا لا نقف اليوم امام تحد تقني فحسب، بل امام اختبار حقيقي لانسانيتنا التربوية: هل نكتفي بمراقبة الذكاء الاصطناعي وهو يعيد تشكيل المعرفة؟ ام ننهض بدورنا لنعيد تشكيل التعليم ذاته؟ ان الابداع ليس رفاهية تربوية، بل هو جوهر وجودنا كمعلمين ومتعلمين. واذا كان الذكاء الاصطناعي قد علمنا كيف نسرع الاجابة، فان مسؤوليتنا الاخلاقية والتربوية هي ان نبطئ قليلا لنعيد طرح السؤال، ونعلم الجيل القادم كيف يفكر، لا فقط كيف يجيب.

فلنعلم ابناءنا ان الابداع لا يستعار من الة، بل يولد من شغف، من شك، من تجربة، ومن حلم. ولنعلم معلمينا ان دورهم لم ينته، بل بدا من جديد، اكثر عمقا، واكثر مسؤولية. فالمستقبل لا يكتب بالخوارزميات وحدها، بل يصاغ بالعقول التي تجرؤ على السؤال، وبالقلوب التي تؤمن ان التعليم ما زال اداة للتغيير، لا مجرد وسيلة للتكيف.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي في جامعة دبلن

........................

المصادر:

1.  https://www.rudawarabia.net/arabic/interview/060820251

2.  https://www.almothaqaf.com/qadaya/979430-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%91-%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D9%88%D8%B7%D9%81%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91

3.  https://www.press.jhu.edu/books/title/53869/teaching-ai

4.  https://www.annahar.com/technology/artificial-intelligence/241995/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D8%B5%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-2025

5.  https://www.manhajiyat.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9%D9%8C-%D9%85%D8%A8%D8%AA%D9%83%D8%B1%D8%A9%D9%8C%D8%8C-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%91%D9%8D-%D9%84%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%9F/%D9%85%D9%84%D9%81%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF

في المثقف اليوم