آراء
عبد السلام فاروق: ذكريات متنافرة.. وأسئلة مؤجلة
قراءة في مذكرات وحكايات اليهود العرب.. الوعد والوعيد
المتابع للمشهد الثقافي والإعلامي العربي في العقدين الأخيرين، لا يمكنه أن يتجاهل الموجة المتصاعدة من الاهتمام بنشر مذكرات وحكايات وقصص ما يصطلح على تسميتهم بـ "اليهود العرب"، أو يهود البلاد العربية. هذا الاهتمام لم يعد مقتصرًا على الهوامش الأكاديمية أو الأبحاث المتخصصة، وقد امتد ليشمل وسائل الإعلام الرئيسية، وطرح بقوة في المنتديات الفكرية، وتسابقت دور النشر العربية والأجنبية على استقطاب هذه النصوص ونشرها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ويثير أكثر من علامة استفهام، هو ما الذي يدفع هذه الموجة الآن؟ وما هي الروايات التي تريد أن تكرسها؟ وما هي الروايات التي تعارضها وتحاول محوها؟
الواقع أن القراءة الفاحصة المتأنية لهذه الموجة تظهر أنها لا تسير في اتجاه واحد، بل تتحرك على مستويين متوازيين، وإن بدا أنهما أحيانًا متقاطعين أو حتى متعارضين. فهناك، من ناحية، المستوى الإنساني والوجداني الذي يحاول استعادة صورة حياة جماعات إثنية ودينية عاشت لقرون طويلة كجزء عضوي من نسيج المجتمعات العربية، في مصر والعراق وسوريا واليمن والمغرب وتونس وليبيا وغيرها.
وهذه الصورة، التي تتحدث عن علاقات الجوار، وعن الحياة اليومية، وعن التبادل الثقافي واللغوي، هي صورة صادقة وواقعية ولا يمكن نكرانها. لكن هناك، من ناحية أخرى، مستوى آخر أعمق وأكثر خطورة، وهو المستوى السياسي والأيديولوجي الذي يحاول توظيف هذه الذكريات والحكايات الإنسانية لتقديم سردية تاريخية مغايرة تمامًا. سردية تهدف إلى إعادة كتابة فصل كامل من فصول تاريخ المنطقة، فتصوغه ليس كتاريخ تعايش أحيانًا وتوتر أحيانًا أخرى، لكن كتاريخ اضطهاد مستمر ومزمن، تنتهي حلقته الأخيرة بـ "التهجير" أو "الرحيل" عن الأوطان العربية.
هذه السردية، في جوهرها، تريد أن تصور العصر الذي بلغت فيه بعض الجماعات اليهودية - وكذا أقليات أخرى - ذروة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي في البلاد العربية، على أنه (العصر الذهبي) لتلك البلاد نفسها! وهي بذلك لا تقدم فقط حنينًا رومانسيًا إلى ماض مثالي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتربط ازدهار تلك المجتمعات بشكل مباشر بوجود هذه الجماعات ونفوذها، وكأن النسيج الوطني كان ناقصًا أو معيبًا قبل أن تمنحه هذه المكونات شرعيته وكماله! هذا الربط الخطير هو ما يفتح الباب واسعًا أمام قراءة سياسية مغرضة لتاريخ المنطقة، وهي القراءة التي حذر منها الناقد المصري محمد الدخاخني بحدة ووضوح نادرين، حين تناول تاريخ الأرمن في مصر نموذجًا.
يقول الدخاخني في مقاله البارز المعنون "إحنا المصريين الأرمن: الرواية المضادة": "حين تدعي أقلية أن العصر الذهبي لبلد ما يقع حصرًا في الفترة التي تمكنت فيها هذه الأقلية اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن ذلك يتأسس على منظور نرجسي للمسألة برمتها". ويضيف مقدمًا أمثلة دامغة: "فالأرمني الذي يرى أن أزهى أيام مصر كانت تحت الاستعمار والملك، أو لا يزال يتفاخر بشخصية من نمط نوبار باشا، الذي عرف بممالأته (وهذا تعبير مخفف) للاستعمار البريطاني ولعب دورًا حازمًا في تأسيس المحاكم المختلطة في مصر عام 1875، وهي المحاكم التي كانت تفصل في النزاعات المدنية بين المصريين والأجانب وبين الأجانب وبعضهم البعض، واشتهر عنها تمكينها للأجانب وانتزاعها الأراضي من فقراء الفلاحين المصريين، أو الذي يشيد بيعقوب أرتين الخادم المطيع للملك والعدو الحاقد للحركة الوطنية المصرية… إن الأرمني الذي يفعل ذلك يصر أن يكون أرمنيًا فقط وليس أرمنيًا مصريًا، يصر أن يضع الجالية ضد الأمة".
كلمات "الدخاخني" هذه، رغم أنها تتحدث عن الأرمن، فإنها تشكل مفتاحًا حاسمًا لفهم الخطر الكامن وراء موجة حنين معينة لتاريخ اليهود العرب. إنه تحذير من قراءة انتقائية ومصلحية للتاريخ، تختار من الماضي ما يعزز سردية ضيقة وتتجاهل عمدًا السياق الأوسع. فمن غير المقبول - والخطير تاريخيًا - أن يختزل تاريخ مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بكل تعقيداته وصراعاته من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية، في ازدهار جماعة بعينها كانت في كثير من الأحيان، ولأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة علاقات القوة آنذاك، أقرب إلى السلطات الاستعمارية منها إلى الجماهير الشعبية.
ويتابع الدخاخني ملاحظته لتشمل نمطًا أوسع من الإنتاج الثقافي المعاصر، فيقول: "يلاحظ كل متابع للوثائقيات المنتجة حديثًا حول الأقليات غير العربية و«غير المسلمة» في العالم العربي أنها، بشكل صريح أو ضمني، تقدم نفسها كطرح بديل لما تعتقد أنه الطرح القومي العربي. فالأخير بنظرها قد همش دور هذه الأقليات، إن لم يكن قد اختصره تمامًا إلى صورة سلبية".
هنا تكمن النقطة المركزية، إن ما نشهده ليس مجرد استعادة للذاكرة، لكنه معركة على الرواية. إنه صراع بين رواية وطنية قومية، اتهمت- بحق أو بغير حق - بالتجاهل أو التبسيط، ورواية مضادة تريد أن تقيم نفسها على أنقاض الأولى، فتحول تاريخ الأقليات من جزء من التاريخ الوطني إلى تاريخ بديل يناقضه وينفيه في بعض الأحيان. وفي خضم هذه المعركة، تضيع الحقيقة المتعددة الأوجه، وتغتال تعقيدات التاريخ لصالح خطابات إيديولوجية متحجرة.
اليهودي بين عروبته وإسرائيليته
لكن، هل يعني رفضنا لهذه الرواية المضادة المغرضة أن نقع في الخطأ المعاكس؟ أي أن ننكر التجربة الإنسانية الفعلية لليهود العرب، أو أن نلصق بهم جميعًا تهمة الخيانة والتعاون مع الاستعمار أو مع المشروع الصهيوني لاحقًا؟ بالتأكيد لا. هنا يتجلى التعقيد الحقيقي للقضية، وهو تعقيد يرفض الثنائيات السهلة مع أو ضد، ضحية أو جلاد، وطني أو عميل.
إن اليهودي المصري أو العراقي أو السوري، قبل أي شيء آخر، كان مواطنًا عربيًا ينتمي إلى وطنه بكل جوارحه. كان يتكلم اللهجة المحلية بطلاقة، ويشارك في الحياة الثقافية والاجتماعية، ويمارس طقوسه الدينية في كنيس قديم بناه أجداده منذ قرون. تاريخ هذه الجماعات هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المنطقة، وتجاهل هذا التاريخ هو خطيئة كبرى ترتكب في حق الذاكرة الجماعية للأمة.
وهنا تبرز أهمية النماذج الثقافية التي تحاول أن تلتقط هذا الجانب الإنساني المتجذر في المكان. ففي فصل مؤثر من كتابها النقدي "رؤى وذات"، تقدم الكاتبة المصرية صافي ناز كاظم قراءة لسيرة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كما وردت في عمله المؤثر "رأيت رام الله". وفي خضم هذا الاستعراض، تنقل كاظم صورة حية وموجعة لحياة اليهود العرب من خلال عيون سيدة مصرية عاشت بينهم، تذكرهم ليس كأرقام في صراع سياسي، بل كجيران وأصدقاء وزملاء في العمل، شاركوها تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تجرفهم رياح السياسة العاتية. هذه الشهادة، وهذا المنظور، لا يقفان ضد رواية وطنية، بل يغنيانها ويعيدان لها بعدها الإنساني المفقود أحيانًا في لهيب الخطاب السياسي. إنهما يذكراننا بأن التاريخ يصنع من حيوات بشرية فردية، قبل أن يختزل في خطابات جماعية جارفة.
بالمقابل، فإن القراءة النقدية الموضوعية تتطلب أيضًا مواجهة الحقائق التاريخية غير المريحة. فمع صعود المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وجد يهود البلاد العربية أنفسهم في موقف وجودي بالغ الحرج والتعقيد. لقد وضعتهم الصهيونية العالمية، ومن خلفها الدول الاستعمارية، أمام اختيار مستحيل: إما الولاء الكامل للدولة القومية الناشئة (إسرائيل)، وإما البقاء في أوطانهم الأصلية تحت شبهة الخيانة الدائمة. وكانت الأنظمة العربية، في غالبيتها، تفتقر إلى الحكمة والنضج السياسي اللذين يمكناها من التعامل مع هذا الملف الشائك بمسئولية. فبدلاً من العمل على استيعاب المواطنين اليهود وتأمينهم، والتمييز بوضوح بين الصهيونية كأيديولوجيا استعمارية استيطانية وبين الانتماء الديني اليهودي، سقطت الكثير من هذه الأنظمة في فخ "الحل الأمني" السريع والعنيف.
لقد عومل يهود مصر والعراق وسوريا، في كثير من الأحيان، كطابور خامس جماعي، فرضت عليهم قيود مهينة، وصودرت أملاكهم، وتعرض بعضهم للاعتقال والاضطهاد، وتم طرد جماعات كاملة في بعض الحالات. هذه الإجراءات، التي اتخذت ردًا على العدوان الإسرائيلي وحروب 1948 و1956 و1967، كانت خطأً استراتيجيًا فادحًا، ليس فقط لأنها انتهكت حقوق مواطنين أبرياء، لأنها خدمت، عن قصد أو غير قصد، الرواية الصهيونية التي كانت تريد إفراغ البلاد العربية من يهودها لتوطينهم في إسرائيل، ولتقدم دليلاً على ادعاءاتها بالعداء العربي الأزلي لليهود. لقد حول هذا التسرع الأمني والخطاب القومي المتعصب، بعض اليهود العرب من مواطنين يشعرون بالانتماء إلى أوطانهم، إلى لاجئين يشعرون بالمرارة والخوف، مما سهل عملية استقطابهم أو تهجيرهم.
لكن، وحتى في خضم نقد هذه السياسات العربية الخاطئة، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن نتجاهل حقيقة بالغة الأهمية، وهي الموقف السياسي لنخب يهودية عربية بارزة من المشروع الصهيوني نفسه. فمن السذاجة، أو من الخيانة الفكرية، أن نتصور أن جميع يهود البلاد العربية كانوا ضحايا سلبيين للظروف. لقد كان هناك من بينهم من دعم الصهيونية بشكل علني وسري، ومن سخر مواقعه الاقتصادية والتجارية لخدمة هذا المشروع، ومن رأى في قيام إسرائيل خلاصًا شخصيًا وقوميًا، حتى لو كان ذلك على حساب وطنه العربي الذي عاش فيه أجيالاً. وهنا لا يجوز الخلط بين الأمرين: انتقاد سياسات الأنظمة العربية الظالمة لا يعني تبرئة أو تناسي أدوار هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات التي ساهمت بوعي وإرادة في تعزيز المشروع المعادي لأمتهم.
معاناة مزدوجة
ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة ومأساوية في قصة يهود البلاد العربية، هي تلك التي عاشها من هاجر منهم بالفعل إلى إسرائيل. فالصورة النمطية التي روجتها الدعاية الصهيونية، والتي تصوّر هذه الهجرة كـ"عودة" تاريخية إلى الوطن، وإنقاذ من براثن الاضطهاد العربي، تتحطم تمامًا عند أول احتكاك بالوقائع التاريخية والاجتماعية داخل إسرائيل نفسها.
وصل يهود العراق ومصر واليمن والمغرب وغيرهم إلى دولة كان يهيمن عليها تمامًا، ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، اليهود الأشكناز (ذوو الأصول الأوروبية). واستقبلتهم النخبة الأشكنازية المؤسسة للدولة، لا بوصفهم إخوة عائدين، إنما بنظرة فيها الكثير من الاستعلاء العرقي والثقافي. لقد نظروا إليهم على أنهم متخلفون، همج، يحملون ثقافة شرقية دونية يجب محوها لصالح الثقافة الأوروبية المتفوقة. وهذا لم يكن مجرد شعور عابر، لقد كان سياسة دولة ممنهجة.
وصف بن جوريون، المهندس الرئيسي لدولة إسرائيل وأول رئيس وزرائها، يهود البلاد العربية بأوصاف عنصرية صارخة، فشبههم بـ "الزنوج الذين أحضروا إلى أميركا كعبيد". وكان يرى أن مهمة الدولة هي مقاتلة روح الشرق التي تفسد الأفراد والمجتمعات. وترجمت هذه النظرة إلى سلسلة من الإجراءات القاسية:
- سياسة "محو الذاكرة" أو "الأسرلة" القسرية، سعت الدولة بشكل منهجي إلى اجتثاث الهوية العربية لليهود الشرقيين. تم تثبيط استخدام اللغة العربية بشدة، حتى داخل المنازل. فرضت عليهم أسماء عبرية، وحوربت تقاليدهم وطقوسهم الدينية الشرقية لصالح النسخة الأشكنازية من اليهودية. كان الهدف واضحًا، وهو خلق إسرائيلي جديد منقوع في الثقافة الأوروبية، مقطوع الجذور عن عالمه العربي السابق.
- التمييز الاجتماعي والاقتصادي الممنهج: لم يرسل المهاجرون الشرقيون إلى المراكز الحضرية المتطورة، تم توطين الغالبية العظمى منهم في بلدات عشوائية على أطراف المدن، أو في مستوطنات حدودية خطرة ليكونوا "دروعًا بشرية". حصر الكثيرون منهم في وظائف هامشية وزراعية وصناعات دنيا، بينما احتفظ الأشكناز بمواقع السلطة والثروة في الجيش والدولة والاقتصاد. يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي البارز إيهودا شينهاف إن المجتمع الإسرائيلي في عقوده الأولى كان "مجتمعًا أشكنازيًا ذا ثقافة غربية"، وهو ما خلق فجوة اقتصادية واجتماعية عميقة ما زالت قائمة حتى اليوم وتعرف بـ"الفجوة الإثنية".
- المفارقة الأمنية الصارخة: في تناقض صارخ يلخص الازدواجية الإسرائيلية، بينما كانت الدولة تحارب عروبة هؤلاء اليهود ثقافيًا واجتماعيًا، كانت في الوقت نفسه تستغل هذه العروبة وتوظفها على المستوى الأمني والعسكري. فبسبب ملامحهم العربية ومعرفتهم باللغة والثقافة العربية، تم تجنيد أعداد كبيرة من اليهود الشرقيين في أجهزة الاستخبارات (الموساد والشاباك) والوحدات الخاصة في الجيش، لاستخدامهم في عمليات التخفي والتسلل إلى الدول العربية. لقد استخدمت هويتهم الممحوة كأداة لضرب أوطانهم الأصلية.
وهكذا، تحولت "أرض الميعاد" لكثير من يهود العرب إلى ساحة لمعاناة مزدوجة، معاناة من التهجير وفقدان الوطن الأصلي، ومعاناة من الاضطهاد والتمييز داخل الوطن المزعوم الجديد. لقد أصبحوا ضحايا مأساة مضاعفة ضحايا لسياسات عربية قصيرة النظر وخائفة، وضحايا لأيديولوجيا صهيونية عنصرية في جوهرها، نظرت إليهم دومًا كأدوات ووسائل لتحقيق غاياتها، وليس كبشر لهم كرامتهم وهويتهم الخاصة.
مطلوب قراءة نقدية لا تنسى، ولا تبرر، ولا تنكر
في ضوء كل هذا التعقيد، كيف يمكننا، كمثقفين وقراء للتاريخ، أن نتعامل مع قضية اليهود العرب؟
الإجابة لا تكمن في الانحياز لرواية ضد أخرى، لكن في السعي الدؤوب لبناء رواية ثالثة، أكثر اكتمالاً وعمقًا وإنسانية. رواية ترفض أن تكون أسيرة الثنائيات الجارفة، وتتسع لاحتواء التناقضات والألم والظلم من جميع الجهات. وهي مهمة شاقة، لكنها ضرورية إذا كنا نريد استخراج الدروس الحقيقية من الماضي، لا تكرار جراحه.
أول شروط هذه الرواية هو القراءة النقدية التي تميز بوضوح لا لبس فيه بين عدة مستويات:
1. بين اليهودي العربي كمواطن متجذر في وطنه، والصهيوني الذي يتبنى أيديولوجيا استعمارية استيطانية معادية لهذا الوطن.
2. بين معاناة أبرياء تعرضوا للظلم بسبب هويتهم الدينية فقط، وأدوار سياسية لنخب يهودية اختارت بوعي أن تكون جزءًا من آلة استعمارية أو صهيونية.
3. بين نقد سياسات الأنظمة العربية القمعية والخاطئة، وبين رفض الرواية الصهيونية التي تريد توظيف هذه الأخطاء لتبرير مشروعها وتاريخها من التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.
ثاني شروطها هو رفض الحنين الرومانسي المسلح. الحنين إلى زمن اليهود العرب لا يجب أن يكون أبدًا حنينًا إلى عصر الاستعمار أو التبعية أو الهيمنة الأجنبية. ولا يجب أن يكون أبدًا أداة لضرب الرواية الوطنية أو التشكيك في نضال الشعوب العربية من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية. الذاكرة الحقيقية هي التي تتذكر كل شيء، تتذكر التعايش في حارة اليهود، وتتذكر أيضًا دور المحاكم المختلطة في استغلال الفلاحين. تتذكر صداقات شخصية عميقة، وتتذكر أيضًا خيانات سياسية كبرى.
ثالث شروطها، وهو الأهم، هو استعادة البعد الإنساني الفردي. بحيث يجب أن ننظر إلى يهود البلاد العربية، ليس ككتلة واحدة أو كرمز سياسي، إنما كبشر عاشوا، أحبوا، تألموا، واتخذوا خيارات في ظل ظروف تاريخية قاسية ومعقدة للغاية. خيارات بعضها كان نبيلاً، وبعضها كان خاطئًا، وبعضها كان مدفوعًا بالخوف والرغبة في البقاء.
إن التاريخ الذي نريده للمنطقة ليس تاريخًا من النقاء الأيديولوجي، ولا تاريخًا من الضحية الدائمة أو الجلاد الدائم. إنه تاريخ البشر بضعفهم وقوتهم، بتعقيداتهم وتناقضاتهم. والقراءة النقدية لتجربة اليهود العرب هي اختبار حقيقي لقدرتنا على كتابة مثل هذا التاريخ، تاريخ لا ينسى، ولا يبرر، ولا ينكر. تاريخ يعيد بناء الذاكرة من أجل مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية، لا من أجل حروب هويات جديدة تدفن الجميع تحت ركام الماضي.
***
عبد السلام فاروق







