عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سليمان بن تملّيست: الِاسْمُ الَّذِي جَاءَ قَبْلِي

جِئْتُ إِلَى الدُّنْيَا،

وَكَانَ الْغِيَابُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْبَيْتِ.

*

وُضِعَ فِي يَدِي اسْمٌ،

كَأَنَّهُ بَقِيَّةُ صَوْتٍ

عَبَرَ مِنْ هُنَا وَلَمْ يَعُدْ.

*

قِيلَ لِي:

أَنْتَ سُلَيْمَانُ.

*

وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ

أَنَّ لِلْأَسْمَاءِ ذَاكِرَةً،

وَأَنَّ بَعْضَهَا يَحْمِلُ

مَنْ غَابَ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَهُ.

*

كُنْتُ أَكْبُرُ،

وَالِاسْمُ يَكْبُرُ فِيَّ،

كَمَا يَكْبُرُ ظِلٌّ

لَا نَرَى صَاحِبَهُ.

*

وَكَانَتْ لَهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ،

وَجْهٌ ثَابِتٌ

فِي زَمَنٍ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.

*

كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا طَوِيلًا،

وَلَا أَعْرِفُ:

أَكُنْتُ أَبْحَثُ فِي وَجْهِهِ عَنِّي،

أَمْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ فِيَّ؟

*

أَمَّا أُمِّي،

فَكَانَتْ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيْنِ:

يَدٌ تُرَبِّي،

وَيَدٌ تَسْتُرُ الْفَرَاغَ.

*

لَمْ تَكُنْ تَمْلَأُ مَكَانَ أَحَدٍ،

كَانَتْ تَصْنَعُ لِي مِنَ الْغِيَابِ

مَكَانًا لِلْحَيَاةِ.

*

وَتَتْرُكُ لِلزَّمَنِ

مَهَمَّةَ التَّسْمِيَةِ.

*

مَرَّتِ السِّنُونَ،

وَصَارَ الْغِيَابُ أَلْفَةً،

وَصَارَ الِاسْمُ جُزْءًا مِنِّي،

حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

أَأَحْمِلُ اسْمَهُ،

أَمْ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنِي؟

*

وَعَرَفْتُ، مُتَأَخِّرًا،

أَنَّ بَعْضَ الْغِيَابِ

لَا يُغَادِرُ الْبَيْتَ،

بَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى أَعْمَقِ مَا فِينَا.

*

وَأَنَّ الْإِنْسَانَ

قَدْ يَقْضِي عُمْرَهُ

لَا لِيَعْرِفَ مَنْ كَانَ،

بَلْ لِيَفْهَمَ مَنْ أَصْبَحَ

بَعْدَ أَنْ غَابَ.

*

لِذَلِكَ،

حِينَ أَقُولُ: أَنَا سُلَيْمَانُ،

لَا أَنْطِقُ اسْمًا فَقَطْ؛

أَنَا أَلْمَسُ أَثَرًا

مَا زَالَ دَافِئًا

رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْبُعْدِ.

*

وَرُبَّمَا لَمْ أَكُنْ،

مُنْذُ الْبِدَايَةِ،

إِلَّا ذَلِكَ الطِّفْلَ

الَّذِي وُلِدَ بَعْدَ أَنْ رَحَلَ أَبُوهُ،

فَجَاءَهُ مِنْهُ اسْمٌ،

وَبَقِيَتْ لَهُ أُمٌّ

تَكْفِيهِ عَنِ الْغِيَابِ

وَلَا تُلْغِيهِ.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/09/29

في نصوص اليوم