عرفته من اسم قضيته النادر. كان سجناء «أبو غريب» يختصرون قضاياهم بأسماء قصيرة تكفي وحدها لاستحضار الحكاية كلها، أما قضية الرجل البصري فكانت تسمى «الخارج».
لم يفهم أحد ما إذا كان الخارج مكاناً خلف سور السجن، أم بلداً، أم شيئاً آخر، إلى أن تولى أحد السجناء، وكان مشهوراً بيننا بتنبؤاته القاسية، مهمة معرفة سره. ظل يلاحق أبا الخارج أياماً حتى انتزع منه الاسم على مرحلتين. في اليوم الأول، وبعد إلحاح طويل، قال أبو الخارج كلمة واحدة: «جيكو». وفي اليوم التالي، وبعد أن ظل المتنبئ يترصد له عند الطعام والنوم والتنظيف، انتزع منه الكلمة الثانية: «سلوفاكيا».
ومنذ ذلك اليوم، صار المتنبئ ينادي القضية في غياب صاحبها «جيكو سلوفاكيا»، وكأن الاسم صار ملكاً له، ثم يضيف: «يعني إعدام إلا شبر»!
كان أبو الخارج يتحدث عن الخارج كما لو أنه مكان يعرفه جيداً. هناك، أشجار أكثر من البشر، وهناك أماكن لرمي النفايات، ولا أحد يبصق على الرصيف، ولا أحد يتبول على الجدران في الزوايا. وكان يختم أحاديثه بعبارة «القضية بحاجة إلى تنوير»، ثم يخفض صوته ويضغط رأسه إلى عنقه قائلاً: «نحن بحاجة إلى تنوير».
أما المتنبئ فلم يكن يكتفي بالأسماء. كان يتنبأ بالمصائب، وقد صدقت له واحدة منها. قال ذات يوم إن قاسماً سيُعاقب يوم الخميس القادم، ولم يشرح السبب.
جاء الخميس، وبدأ قاسم، من غير سبب واضح، نقاشاً فوضوياً حول آخر فيضانات بغداد. عاند على السنة، وراهن على كلامه بسيجارتين، فوصفه خصمه بالجاهل، وكانت الكلمة كافية لإشعال عراك شرس انتهى بالشرشحة واقتياد قاسم ومن معه إلى المحجر، وكان قاسم في المقدمة.
بعدها صار المتنبئ يراقب أبا الخارج باهتمام أكبر، كأنه اكتشف أن «جيكو سلوفاكيا» ليست اسماً لقضية فحسب.
أما أبو الخارج فظل على حاله؛ يغسل يديه، وينظف مكانه، ويتجنب مصافحة الآخرين، ويتحدث عن الخارج كما لو أنه يراه أمامه.
ثم بدأت حملة التنظيف الكبرى في أبي غريب.
كانت تلك أقسى علامة على زيارة مسؤول. فجأة صار الغبار جريمة، وصارت الجدران موضع اهتمام رسمي، وأخذ السجانون يركضون بالماء والصابون، وكأن النظافة اكتشاف حديث. أما أبو الخارج فلم يفاجأ. كان قد سبق الجميع إلى حملته الخاصة، فنظف مكانه حتى صار أنظف من الأماكن التي يقصدون تنظيفها، وظل في يوم الزيارة يتفقد الأرض ويمسح موضعاً لا تكاد العين تراه.
دخل المسؤول أخيراً، مجهولاً كما يأتي المسؤولون دائماً، بنظارته السوداء الكبيرة ونظرته الجادة. وقف أمام الزنازين وسأل السجناء إن كانوا يحتاجون شيئاً، فجاءت الإجابات كما لقننا السجانون: «لا أستاذ، لا نريد سوى سلامتك، الله يحفظك ويحفظ الرئيس».
وصل إلى زنزانتنا وسأل السؤال نفسه.
ساد الصمت لحظة، ثم تقدم أبو الخارج وقال بكل جوارحه: «نعم سيدي، محتاجين تنوير».
توقّف المسؤول فجأة، فتوقّفنا معه. ساد صمت، كأن الكلمات نفسها تراجعت خوفًا مما قد يحدث. أسرع السجّان إلى الكلام، محاولًا إنقاذ الموقف قبل أن يتفاقم، وقال على عجل:
«الحقيقة والواقع، سيدي، أن هذا المشاكس بالذات وسواسيّ ومجنون. هو يقصد الإنارة والكهرباء، لا أكثر... المصباح يحتاج إلى إصلاح، وهذا كل ما في الأمر.»
ظل أبو الخارج ساكتاً حتى انتهى السجان من شرحه، ثم نظر إلى المسؤول وقال بهدوء إن المصباح يعمل، وإنه يقصد التنوير.
حاول السجان أن يضحك، ثم أخذ يشرح أن الرجل يقصد شيئاً آخر، وأنه مولع بالنظافة والترتيب، وأن التنوير عنده ربما يعني تحسين المكان. لكن أبا الخارج ظل ينظر إليه، ثم قال للمسؤول: «هو يعرف معنى التنوير، فقد كان يلقننا كل يوم ماذا نقول حين تسألنا».
التفت المسؤول إلى السجان.
وأضاف أبو الخارج: «وكان يقول لنا إن الجواب الصحيح هو أن ندعو لك وللرئيس».
بقي المسؤول ينظر إليه، وبقي أبو الخارج واقفاً في مكانه، نظيف اليدين، نظيف الثوب، نظيف الزنزانة، كأنه أعد كل ذلك منذ أسابيع لهذه اللحظة.
وصارت الزنزانة أهدأ من مقبرة.
***
بولص آدام








