عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

فؤاد ميرزا: ثلاث إنشات فوق الماء

لو لم أدخل الأرض بصورة إنسان، ماذا كان سيحدث لسيرتي؟ ربما لم تكن لي سيرة أصلاً. الأسد يموت فلا تتذكره الغابة، والقط يختفي ويبقى الزقاق كما كان، والطائر يسقط ولا يحتفظ الهواء باسمه. الإنسان وحده يترك وراءه صورة وملابس واسماً أطول من عمره.

عند حافة البحيرة رأيت ثلاث زهرات لوتس خرجت من الطين ووقفت فوق الماء. ثلاث إنشات فقط. بدت لي تلك المسافة أكبر من عمر كامل.

لو عدت بعد موتي، لا أريد يديّ ولا وجهي ولا ذلك الاسم الذي حملته طويلاً حتى بدأ يحملني. يكفيني جناح لا يعرف إلى أين يذهب، أو زهرة لا تعرف النهاية.

أفكر بالموت أحياناً كمكان يخلع فيه الجسد أحماله، وتخفت فيه الذاكرة قليلاً. ثم تأتي يد لا أعرف يد مَن، تلتقط شيئاً صغيراً بقي منا، وتضعه في مكان آخر. ربما في الماء.

كنت أراقب اللوتس حين تحركت إحداها نحوي. لم تكن هناك ريح. اقتربت قليلاً، وكدت أقول إنها تعرفني، لكنني خفت من الفكرة. الزهور لا تعرف أسماءنا. ربما تعرف شيئاً أقدم من الاسم.

نزعت حذائي وأدخلت قدمي في البحيرة. كان الماء بارداً، كأنه يحتفظ بليل قديم. وفي لحظة شعرت أنني لم آتِ إلى الأرض من اليابسة.

أغمضت عيني. اختفى وجهي أولاً، ثم أصابعي، ثم جسدي كله. بقي شيء صغير يصعب تسميته. سقط في الماء وغاب.

حين فتحت عيني لم أكن رجلاً. كنت صاعداً من الطين، ساقاً رفيعة، ورقة، بتلة، ضوءاً أبيض عند حافته ورد خفيف. كنت زهرة لوتس.

وعلى الضفة كان رجل يشبهني، حافي القدمين، ينظر إليّ كأنه يحاول أن يتذكر شيئاً ضاع منه منذ لحظة.

كنت فوق الماء ثلاث إنشات فقط.

***

 فؤاد ميرزا البغدادي

 

في نصوص اليوم