إلى أمي... في ذكرى الغياب
شمس قلبي وابتسامة أعزّ الأعزاء
***
يستلقي الزمنُ
كحصانٍ أضناهُ الركضُ
بين مراعي القرون،
ويضع رأسَهُ
على وسادةٍ من غبار المجرّات.
*
وأنتِ...
تنامين في الجهة الأخرى
من المعنى،
حيث لا تصل الساعات،
وحيث يصبح الغياب
نوعًا آخر من الحضور.
*
أدخلُ غرفتكِ
فلا أجدكِ.
أجدُ الكرسيَّ
يحفظُ انحناءةَ جسدكِ،
والنافذةَ
تفتحُ نصفَها للضوء
كي لا توقظَ غفوتكِ،
وفنجانَكِ القديم
يضع أُذنهُ على الطاولة
وينصتُ إلى خطاكِ
القادمة من جهةٍ لا تُرى.
*
صورتكِ
معلّقةٌ على الجدار،
لكنها لا تستقر.
*
كلما اقتربتُ منها
تحرّكتْ عيناكِ قليلاً،
فتسقط من أهدابهما
أوراقُ خريفٍ لم يأتِ بعد،
وتخرج النوارسُ
من إطار الصورة،
وتدور حول مصباح الذاكرة
كأنها تبحث عن شاطئٍ
ضاع من البحر.
*
أمدُّ يدي...*
فلا ألمسُ الصورة،
بل ألمسُ زمناً طريّاً،
يسيل بين أصابعي
كالماء.
*
تتساقط من كفّي
فراشاتٌ من طفولتي،
تفتح أجنحتها
على أسماءٍ قديمة،
وأسمعُ صوتكِ
يناديني من آخر الحديقة:
*
لا تتأخر...
*
فألتفتُ،
فلا أحد.
*
فقط شجرةٌ
كانت تعرفني قبل أن أعرف نفسي،
تمدُّ إليَّ غصناً،
وتضع في يدي
ثمرةً من ضوء.
*
أقول:
أمي؟
*
فتجيبُ الريح
بصوتكِ.
*
أمي؟
فيجيبُ الباب
بصوتكِ.
*
أمي؟
فيتسعُ الصمت
حتى يصير بيتاً.
*
وأفهمُ، متأخراً،
أن الذين نحبهم
لا يغادرون تمامًا؛
إنهم يغيّرون مكانهم فقط
داخل الأشياء.
*
في المسافة
بين عينيكِ
تنام مدنٌ كاملة،
وتعبر قطاراتٌ من نور،
وتهاجر مواسمُ لا أعرف أسماءها،
حاملةً حقائبَ صغيرة
ممتلئةً برائحة الخبز
وصوت الصباح
ويدٍ كانت تمسح عن جبيني
تعب النهار.
*
حتى الزمنُ
ذلك العجوزُ
المستندُ إلى عتبة الغياب،
حاول أن يمضي.
*
لكنه تعثرَ
بخصلةٍ من ضوئكِ،
فسقطتْ ساعته،
وتناثرت عقاربها
كالطيور.
*
ومنذ ذلك الحين
لم يعد يعرف
أيَّ يومٍ نحن.
*
صار كلُّ صباحٍ
يشبهكِ قليلاً،
وكلُّ مساءٍ
يبحث عن نافذةٍ
تطلُّ على وجهكِ.
*
أما صورتكِ...
فلم تعد صورة.
*
صارت باباً
يدخل منه الضوء
حين تضيقُ بي العتمة،
وصارت يدًا
لا أراها
لكنها تعرف
موضعَ قلبي حين يؤلمني.
*
وفي كل ليلة
أضع ساعة الرمل
قرب صورتكِ.
*
ينزل الرملُ...
حبةً...
حبةً...
*
وأنتظر أن يصل إلى القاع.
لكنه لا يصل.
*
كأن الزمنَ نفسه
يتوقف هناك،
في منتصف الغياب،
لأنه يعرف أن أمي
ما زالت نائمةً
في ساعة الرمل.
*
وأنا...
كلما حاولتُ إيقاظها،
أستيقظُ أنا.
فهل كان الغيابُ
هو الحلم؟
*
أم أنني، منذ رحيلكِ،
أعيشُ في الجهة الأخرى
من نومكِ؟
*
وفي الصباح...
حين فتحتُ النافذة،
كان الضوءُ جالسًا على الكرسيِّ
يبتسم.
*
وعرفتُ...
أن بعض الأمهات
لا يمتن.
*
إنهنّ فقط
يتركنَ أجسادهنَّ للأرض،
ويصعدنَ
ليديرنَ من مكانٍ خفيّ
فصولَ قلوبنا.
***
عماد خالد رحمة








