نصوص أدبية
الحسين بوخرطة: بين النفق والفانوس
في فجرٍ باهتٍ، كان الهواء باردًا يلسع الوجوه، والشارع المؤدي إلى المسجد شبه خالٍ إلا من خطوات مترددة تتكسر فوق الإسفلت الرطب. كنت أمشي ببطء، أضم معطفي إلى صدري، وأحاول أن أسبق ارتجافًا بدأ يتسلل إلى أطرافي.
توقفت لحظة عند زاوية الطريق. همس صوتٌ خلفي، غليظٌ كأنه يخرج من جوف الليل:
- "إلى أين تمضي؟".
التفتُّ بسرعة، فلم أرَ أحدًا.
- "إلى المسجد".. تمتمت، وكأنني أجيب ظلّي.
عاد الصوت، أكثر اقترابًا:
- "الطريق ليس كما تظن."
تابعت السير رغم القلق الذي بدأ يشتد في صدري. الغلس كان يزحف ببطء، يبتلع التفاصيل، ويترك الأشياء نصف مرئية، نصف متخيلة. فجأة، لاح أمامي ضوء خافت، فانوس يتمايل في يد رجل تحيط به مجموعة من الوجوه الجامدة.
اقتربت أكثر. صرخ أحدهم بصوت حاد:
- قف، لا عبور دون تفتيش."
تجمدت في مكاني.
- "تفتيش؟ إلى المسجد؟"، سألت بدهشة.
ابتسم آخر بسخرية:
- "كل الطرق تغيرت.. لم تعد كما كانت."
وراءهم، بدا مدخل ضيق يشبه نفقًا، تتكدس عنده أجساد صامتة، تنتظر. كان الحراس يتحركون بعنف، يدفعون الناس ويصرخون في وجوههم. أحد الواقفين بجانبي، رجل بملامح مرهقة، همس:
- "إنه الطريق الوحيد.. أو هكذا يقولون."
سألته: "وأنت.. تصدقهم؟"
هز رأسه بتردد: "لا.. لكن لا خيار لنا."
شعرت بشيء في داخلي يرفض التقدم. ارتفع صوت آخر من الصف: "لن أدخل هذا النفق."
التفت الجميع نحوه. تقدم حارس، قبض على كتفه بعنف:
- "إما العبور.. أو العودة من حيث أتيت."
ساد صمت ثقيل. نظرتُ خلفي. في البعيد، كان الفانوس الأول ما يزال يلمع، يحيط به أناس آخرون.. ربما عائلات، ربما أحبة.
قال الرجل بجانبي بصوت مكسور: "هناك.. كانوا ينتظروننا."
أجبته: "وربما ما زالوا."
تبادلنا نظرات طويلة. شيئًا فشيئًا، بدأ التوتر ينحل، لكنه لم يتحول إلى طمأنينة.. بل إلى حيرة أثقل.
فجأة، جلس الرجل على ركبتيه. ثم آخر.. ثم ثالث. وجدت نفسي أفعل مثلهم، دون أن أفكر. رفع أحدهم سبابته نحو السماء، وقال بصوت مرتجف:
- "ادخل أنت.. أنا لن أفعل."
في تلك اللحظة، بدا أن الظلام نفسه يتراجع خطوة. الغلس، الذي كان يلفّ المكان، صار أقل كثافة، كأن الحلكة بدأت تفقد سطوتها.
همستُ، وأنا أحدق في الأفق: "هل ترى ذلك؟"
رد الرجل بجانبي، وقد لمعت عيناه: "نور.."
كان ضوءًا خافتًا في البداية، ثم أخذ يكبر ببطء، ينساب بين الوجوه، يوقظ فيها شيئًا دافئًا.. شيئًا يشبه الأمل.
تبادل الحراس نظرات سريعة. أحدهم شد على قبضته... ثم تركها. خفت الصوت ... ولم يعد يعرف من أين يأتي. وقفتُ ببطء، شعرت أن الطريق لم يعد ضيقًا كما كان.
سألت الرجل: "إلى أين الآن؟"
ابتسم، لأول مرة: "إلى حيث لا يحتاج النور إلى إذن."
ومضينا.
حين مررنا بمحاذاة الفتحة، شعرتُ بأنفاس باردة تخرج منها، كأنها تحاول أن تستعيدنا. لم نلتفت.
عند الباب، توقفتُ لحظة. نظرتُ خلفي. القضبان ما زالت في مكانها.
قال الرجل: "هل سيبقونه مفتوحًا؟"
نظرتُ إلى المصباح، ثم إلى السماء التي بدأت تكتمل. الناس يعبرون واقفين.
عند المدخل، التفت. أحد الحراس يراقبنا... دون أن يتحرك.
المصباح لا زال يرمش.
دخلنا، وخلفنا بقي الممر موحشا.. ينتظر من يعود إليه، أو من يتجاوزه.
***
الحسين بوخرطة







