نصوص أدبية

الحسين بوخرطة: حين تكلّم الصمت

في تلك الليلة، لم تكن العاصفة خارج البيت فقط.

كانت السماء تنقلب على نفسها، كأنها تُفرغ ذاكرة قديمة، والريح تجرّ الأشجار من ظلالها جرًّا، والمطر ينهمر كاعترافٍ متأخر.

وقف سلام في منتصف غرفته، عاري الروح، حين انشقّ الهواء بصوتٍ لا يشبه الرعد.

لم يأتِ من نافذة، ولا من سقف، بل من جهةٍ لا تُرى.

"اهتمّ بالقرب… والقريب أولًا… قبل فوات الأوان."

ارتجف الضوء في المصباح، وتمايلت الجدران كأنها تنصت.

تكرّر الصوت، لا أعلى ولا أخفض، بل أقرب.

اقترب من أذنه.

بل من داخله.

وضع كفّه على صدره.

كان قلبه يضرب بعنف، كأنه يريد أن يهرب من قفصه.

همس:

"من هناك؟"

لم يجبه أحد.

لكن الغرفة ضاقت فجأة، كأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق. أحسّ أنه يُسحب نحو نقطةٍ غير مرئية، نقطةٍ بين ومضتين: ومضة حياة… وأخرى لا اسم لها.

نظر إلى قدميه.

الرخام بارد.

صلب.

حقيقي.

قال بصوتٍ حاول أن يجعله يقينيًا:

"أنا هنا."

لكن الصدى لم يعد إليه.

اندفع خارج البيت.

العاصفة صارت ستارًا كثيفًا من الماء، والشارع خالٍ على نحوٍ غير مألوف، كأن المدينة انسحبت بهدوء وتركت خلفها ديكورًا فقط.

توجّه إلى بيت الشيخ عبد المحفوظ.

كان الباب مضاءً بخيطٍ رفيع من نور.

طرق.

مرة.

مرتين.

انفتح الباب ببطء.

وقف الشيخ هناك، ساكنًا أكثر من اللازم.

عيناه لا تعكسان البرق.

وجهه بلا أثر للدهشة.

قال بهدوءٍ صافٍ:

"تأخرت يا سلام."

تلعثم:

"النداء… سمعته؟".

ابتسم الشيخ، ثم رفع يده إلى أذنه وفمه.

قال:

"لم أسمع شيئًا منذ زمن.

اخترت الصمت… فصار الصمت يختارني."

"منذ شهور أضع قطنا سميكا في أذني لكي لا أسمع، وألوك العلك نهارا لكي لا أتكلم".

حدّق سلام فيه.

ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل:

خلف الشيخ، لم يكن هناك بيت.

لم يكن هناك أثاث.

لم يكن هناك عمق.

فقط ظلام كثيف، كأن الباب مفتوح على فراغ.

تراجع خطوة.

قال بصوتٍ مكسور:

"أين الجدران؟"

أجابه الشيخ:

"أي جدران؟"

نظر سلام حوله.

الشارع اختفى.

المطر توقّف في الهواء، معلّقًا كحبيبات زجاج.

حتى البرق تجمّد، خطًّا أبيض لا يتحرّك.

عاد الصوت.

لكن هذه المرة لم يأتِ من السماء.

خرج من فمه هو.

"اهتمّ بالقرب… والقريب أولًا…"

وضع يده على شفتيه مذعورًا.

حاول أن يتراجع، لكن قدميه لم تستجيبا.

نظر إلى الشيخ… فلم يجد أحدًا.

كان الباب مغلقًا.

البيت مظلمًا.

الشارع عاديًا.

والمطر يهطل كما يهطل كل شتاء.

وقف وحيدًا.

لم يكن هناك عاصفة غير مألوفة.

لم يكن هناك صوت في السماء.

بدأت الذاكرة تتصدّع.

رأى نفسه - لا الليلة - بل قبل أيام، جالسًا في غرفته ذاتها، يضع قطعتي قطن في أذنيه ليتجاهل صراخ أمه المريضة في الغرفة المجاورة.

يتظاهر بأنه لا يسمع.

يمضغ علكة بصوتٍ عالٍ كي لا يجيب.

رأى الباب مغلقًا.

النافذة محكمة.

الصوت محبوسًا في الداخل.

ثم رأى السرير.

ورأى جسدًا ممددًا عليه.

جسده.

باردًا.

ساكنًا.

والقطن ما يزال في الأذنين.

تراجع، أو ظنّ أنه يتراجع، لكن الأرض لم تعد تحت قدميه.

كان واقفًا منذ البداية في البرزخ الذي خافه.

لم يخرج من بيته.

لم يطرق باب الشيخ.

لم تكن هناك عاصفة إلا في رأسه.

النداء لم يكن تحذيرًا من السماء.

كان صدى متأخرًا لصرخةٍ لم يُجبها.

اقترب الصوت للمرة الأخيرة، هامسًا هذه المرة:

"القريب أولًا…"

وحين حاول أن يرد،

لم يكن له فم.

ولم يكن هناك زمن يحتضر.

بل إنسانٌ تأخر.

ثم أُطفئ المشهد…

كما تُطفأ غرفةٌ لم يعد فيها أحد.

***

(قصة قصيرة)

الحسين بوخرطة

في نصوص اليوم