نصوص أدبية
الحسين بوخرطة: حين قرر اليمام أن يفكر
سمّته قدر، وكأنها كانت ترى أبعد من جناحيه الصغيرين.
لم يكن الاسم عبثًا، كانت الأم تدرك ـ وهي تراقب ارتعاشه جناحيه الصغيرين ـ أن هذا الفرخ لن يُترك للصدفة.
فهم انشغال أمه رغم صغر سنه. أصر على تحمل عناء تدريبه على الطيران كما تدرب الأرواح على الصبر: خطوة في الهواء، ثم أخرى، حتى يتعلم أن السقوط ليس نهاية، بل درس.
في فضاء كل صباح، كانت تحلّق قبله بخطوة، تُبطئ أحيانًا، وتنعطف فجأة، كأنها ترسم له دروبًا خفية في الهواء.
كان يتبعها، يتعثّر، ينهك، ثم يرفع رأسه مستعطفًا.
تقترب منه، تُثبّت عينيها في عينيه، وتهمس بتغريدة دافئة:
- نحن اليمام.. من صنف المنقار المسنّن، لا نعرف التعب.
يستجمع أنفاسه.
يضرب الهواء من جديد.
يرتفع.. أعلى مما فعل في المرة السابقة.
وتبتسم.
مع كل حصة، كانت تحدد المسار بدقة، تتجنب الرياح الغادرة، وتدلّه على فسحات الأمان.
لم يكن تدريبًا فحسب، بل رحلة عيش.
عند الغروب، كان قدر يقف أمامها على أعلى غصن في شجرة الإيواء.
الصمت يلفّ الجبل، إلا من صدى كلماتها التي لم تكن حكايات، بل خرائط نجاة.
كانت تتكلم ببطء، وكأنها تنقش حكمتها في الهواء.
وهو، بعينين مفتوحتين، لا ينام قبل أن يحفظ الدرس.
حين يغمض جفنيه أخيرًا، يكون قد حفظ طريق الغد واستعد له.
في عتمة الصباح، انضمّ إلى سربٍ مهيب لا يعيش إلا بالحذر.
الصيادون أطلقوا عليه اسمًا، أمّا اليمام فكانوا يسمّونه: سرب الزعيمة.
اجتمعوا على أغصان شجرة سامقة في قلب الأطلس الكبير.
مكان لم تطأه قدم بشر.
كانت الزعيمة أول من اكتشفه، بعد أن جابت القمم واحدة تلو الأخرى، بحذر من يعرف أن خطأً واحدًا يعني الفناء.
تبدأ الجلسة دائمًا بصمت.
ثم تتوالى الأصوات:
تشاور.. تخطيط.. نصح.
الغاية واحدة:
لا ليغلبوا أحدا، بل ليضيفوا يومًا آخر إلى أعمارهم دون الوقوع في فخّ إنسان.
كان قدر يصغي.
يراقب أمه وهي تتكلم.
يفهم، مع مرور الأيام، كيف تُصنع الزعامة:
كلمات قليلة، موزونة، تخترق العقول قبل القلوب.
- نحن قلة، تقول.
- لكننا نعيش لأننا نعرف كيف نعيش.
في ليلة باردة، ضمّته إلى صدرها.
كان القمر شاهدًا على ابتسامتها المتعبة:
- كنا أصابع، يا بني.. فأصبحنا سربًا.
مرّت الأيام.
وانحنى جناح الزعيمة.
لم تعد تطير.
اعتكفت في عشّها أعلى الجبل، حيث تُبنى الأعشاش بحكمة الشيوخ.
أمّا قدر، فقد تحمل العبء للحفاظ على ما حققته أمه.
ورث عنها الصمت المثقل بالحكمة. صار يقود السرب، ويعود بأخبار البشر: طريق تشق، أشجار تجتث، وغابة تضيق.
يزور أمه كل يوم للاطمئنان على حالها والاستفادة من خبرتها.
لكن في تلك الليلة.. عاد مختلفًا.
وجهه شاحب، صوته مكسور.
المناشير كانت تأكل الغابة المجاورة.
الأشجار تسقط واحدة تلو الأخرى.
انعزل.
وسؤال قديم عاد ينهشه:
- كيف ننجو منهم؟
- هل النجاة في الهرب ... أم في القطيعة؟
في منتصف الليل، لمعت الفكرة.
مع الفجر، كان السرب ينتظره.
اعتلى غصنًا عاليًا.
أحاطوا به.
قال بصوت ثابت:
- علينا أن نغادر عالم البشر.
همهمة.
صمت.
ثم سؤال شيخٍ هرم:
- وإلى أين؟
قدر: إلى جبلٍ بلا طرق.. بلا بنادق.. فيه ماء وسهول.
الشيخ: وكيف نعيش؟
قدر: بالبذور التي سنأخذها اليوم لنزرع بها الغد... بالمخاطرة.. اليوم نحمي الغد.
فجرًا، انقضّوا على الحقول.
مناقير تغترف، أجنحة تهرب.
دوّى الرصاص.
سقط بعضهم.
لكن البذور وصلت.
وفي الجبل الجديد، نبتت الحياة.
وقف قدر أمام السرب، وقال بهدوء:
- قد نخسر اليوم ... رحم الله شهداءنا ... لكن أبناءنا سيعيشون.
- من اليوم.. نحن أحرار.
ليلًا، جمعهم من جديد.
قال بهدوء يشبه الأنين:
- الأرض تضيق.. والبشر يبحثون عن عوالم أخرى بعدما دمروا عالمهم...
- نحن ابتعدنا اليوم..
- أثبتنا أننا سلالة لا تصاد...
- وغدًا؟.. الغد في علم الغيب.
وسكت.
وكان الصمت أثقل من كل الكلمات وأبلغ من كل الخطب.
***
(قصة قصيرة)
الحسين بوخرطة






