نصوص أدبية

ناجي ظاهر: مشكلة زوجية

هذه المرأة غلّبتني. نسّتني أنام الليل، بتّ أنام مفتّح العينين لكثرة ما شاكستني وخالفتني، حتى أنني بتّ أتوقّع المشكلة بين كلّ فتح باب وإغلاقه. على الطالع مشادّة وعلى النازل في المقابل مشادة أخرى. بالاختصار يمكنني القول أنها.. حين بداية هذه القصّة، غلبَتني مرات وبالكاد غلبتها مرة.. او نصف مرّة. بقي وضعها يجري على هذا النحو الى ان هدأت مثلَ عاصفةٍ انهت مهمتها، او افعى افرغت سُمّها في جسد غير مفتئت او معتدٍ. نعم فقد هدأت. لأجد نفسي بين الف سؤال وسؤال.. ما الذي حدث لها. في البداية جمعت بيننا المحبة وطالما كانت تتصل بي خلال عملي في المصرف، لتسال عن هذا الامر او ذاك. كانت في الواقع تبتكر الأسئلة وتفتعلها افتعالا، للاتصال. ضايقتني اتصالاتها وتسببت لي بالكثير من الاحراجات حتى ان بعض الزملاء الاشقياء باتوا يعتقدون انني امسيت ضحية امرأة عاشقة ومحبة. منوهين الى انه يوجد هناك في البنك رجل ذو عين زائغة ولحية ناعمة. لذا لم يكن امامي من مفرّ سوى ان اهتف بها وان احاسبها طالبًا منها ان تخفّف من اتصالاتها تلك. وكان ان استجابت زوجتي بصعوبة لطلب التخفيف من الاتصالات وابتدأت حالة فطام، كما خيّل لي، مُنقصةً كل يوم اتصالا إلى أن توقفت اتصالاتها نهائيا. لتبدأ بالتالي.. مرحلة أخرى في علاقتنا الزوجية. تمثلت في المشادّات اليومية المتواصلة حينا والمتقطعة في بعض الحالات.

هكذا وجدت نفسي وسط معركة لا تنتهي مع تلك الزوجة، لأفاجأ بها تنتقل الى حالة من الهدوء، فحالة من الاتهامات،.. انت رجل خائن ذو عين زائغة ولحية ناعمة، انت لا تؤتمن، وطالما استمعت الى من يتهمك من زملائك في الموظفين في البنك، هناك مَن تتصل بك يوميا. انت توقفت عن محبتك لي، لذا لن اخلّف لك الأولاد، وعندما كنت اقسم لها انني لست كما تظن وتعتقد، وأن صاحبة تلك الاتصال ما هي الا حضرتها، فقد كانت تستشيط غضبًا، وتعود الى مشادّاتها المحيّرة.. ما جعلني اشعر انني انما أعيش في مشكلة متواصلة لها بداية وليس لها نهاية. الامر الذي أدخلني في حيرة متواصلة ودفعني لأن اطلب إجازة من عملي، لقضاء وقتي بالتالي في المقاهي والمقاصف المنتشرة في طول البلد وعرضها. في تلك الفترة حدث امر آخر اثار استغرابي واستهجاني، فقد دخلت زوجتي في مرحلة أخرى من الخلافات والمشادّات، فهي ترفض ان اقترب منها كلّما حاولتا، وهي الى جانب هذا، تتبرّج وتتزين، بصورة لافتة وغير مسبوقة، وعندما سألتها عن سبب كل تلك التغيّرات والتبدّلات، والتبرجات أيضًا، نظرت الى باستهانة واستهزاء، غامزةً بعينها اليمنى، ومقترحة عليّ ان اسأل اهل المعرفة والخبرة عن السبب الذي يدفع المرأة للتبرّج والتجمّل. أما عندما سألتها لمن تتبرجين ما دمت ترفضين ان اقترب منك، فقد ردّت بأنفة وشمم قائلة: لنفسي. انا اتبرّج لنفسي. لا أحد هناك يستحق ان اتبرّج له ومن اجله. فكل الرجال خائنون. وانت اولهم.

اثارت تصرّفات زوجتي هذه العديد من التساؤلات فبتّ وكأنني أعيش في متاهة لا مخرج منها. وكان ان استمعت خلال ترددي على مقاهي البلدة ومقاصفها، الى مَن يتحدّث عن النساء في فترتنا الحالية الجارية، فترة وسائل الاتصال الاجتماعي، والهاتف الخليوي، فانت عندما تتشاجر مع زوجتك فإنها لن تجلس لتندب حظها التعس، وانما ستتوجّه الى غرفتها الخاصة وسوف تغلق عليها بابها مُحكمةً إياه بادعاء انها لا تريد ان تراك، ولتجد نفسها في داخل غرفتها بالتالي تتلقى أكثر من خمسة الاف دقّة على بابها المُغلق ذاك. المرأة يا صاحبي لم تعد تلك التي كانت في الامس. فكن يقظًا وإلا وقعت ضحية نومتك غير السعيدة.

عندما استمعت الى هذا الكلام ومثله مرة تلتها مرة و.. مرة.. كان لا بدّ من ان يلعب الفار في عبُّي، وان افكّر مجرّد تفكير، في اتخاذ خطوة ما. ويبدو انني دخلت في الأجواء المستجدة، فرحت اعود الى البيت بصورة متوقّعة حينا وغير متوقعة أحيانا. وكان لا بدّ والحالة تلك من ان وقوم بفعل ما. اخبرت زوجتي، انني سأغيب عن البيت مدة ثلاثة أيام، وقلت لها إنه بإمكانها أن ترافقني، فرفضت قائلةً لي، انها لا ترافق رجالا غرباء. وقد قضيت الليلة الأولى في بيت صديق تعرّفت إليه خلال جولاتي في المقاهي والمقاصف، وقرّرت في الليلة الثانية العودة الى البيت، تسلّلت داخلا اليه على رؤوس اصابعي، توقفت قريبًا من باب زوجتي المغلق، لاستمع اليها وقد رفعت سماعة خلويها، وراحت تستمع إلى صوت رجالي يفيض بأحلى الكلام. وكان اقلها أميرتي وسيدتي واصيص وردتي. اما زوجتي فقد راحت تتضاحك. بين الكلمة والأخرى، ما جعل محدّثها يندمج أكثر بالدور، فيفيض عليها بالمزيد من الكلام، بل إنني فوجئت به يقرأ عليها شيئا من اشعار عمر ابن ابي ربيعة وسعيد عقل ونزار قباني. وكنت اشعر ان قراءته تلك الاشعار تُدخلها في حالة من البهجة والسعادة. بل انني تصوّرتها تعبث بشعرها الناعم المسترسل، مبعثرة إياه حينا ومعيدة ترتيبه احيانا.

توقّفت قُبالة بابها المُغلق متفاجئا مبهوتا، وشرعت بالتفكير فيما يمكنني ان افعله. هل ارتكب جريمة؟.. لست قاتلًا ولا مجرًما. هل أطلّقها؟.. لا.. لن افعل فانا أحبّها، وزاد في رفضي طلاقها، انني فهمت مما استمعت اليه من كلام بينها وبين ذاك الزعيم، ان العلاقة ما زالت في أولها. ماذا بإمكاني أن افعل؟.. وكان أنني توصّلت الى فكرة ما لبثت أن بادرت بتنفيذها.

خرجت من البيت متسلّلا على رؤوس اصابعي، بالضبط مثلما دخلته. توجّهت الى أحد الفنادق المنتشرة في البلدة. استلقيت على سرير واسع هناك، تناولت تلفوني وضغطت على نمرة خليوي زوجتي. كان خليويها.. كما توقّعت.. مشغولًا، فواصلت اللعبة. اتصلت بها مرّة أخرى، وحدث ما توقّعته، فقد ردّت بسرعةٍ.. ما عنى انها عرفت انني أنا المتصل. وابتدأتُ اتحدث اليها عن رحلتي الرائعة في حدائق الورد وجزر المُرجان، وعندما اندمج كل منّا بالدور، وجدتني اقولها لها بأرق ما في روحي وقلبي من كلام وشعر.. تمنيتك ان تكوني معي. لا أنكر ان زوجتي تفاجأت في البداية، الا انها عندما اندمجت بالدور نسيت نفسها وواصلت الحديث معي. وكنت كلّما شعرت بان ذاك الزعيم يتصل بها ويلح بالاتصال، اواصل تودّدي اليها، واقرأ لها من كتاب عيون الشعر الغزلي العربي.. وحتى الأجنبي.

طال الاتصال فيما بيننا، ووجدت نفسي أعيش قصة حبّ جديدة ومتجددة. والطريف انني كلّما كنت اتحدّث في مواضيع الحب والغزل أجد المزيد من الكلمات والاشعار. هل كان ذلك بسبب تشجيعها وتفاعلها؟.. الاغلب ان الامر كان كذلك.. عندما شعرت انها تعبت قليلًا، قلت لها إن شوقي لها كبير، غير انني لا اريد ان ارهقها. وزدت هامسًا في اذنها.. ارتاحي الآن قليلا.. بعد ساعة او أكثر قليلا سأتصل بك. فانا كلّي شوق اليك. الى روحك الحلوة وقلبك الطيب الطاهر.

بعدها. تعمّدت الاتصال بها قبل مضي الساعة الموعودة رغبة مّني في ان اعرف ما إذا كان هاتفها مشغولًا، وفوجئت به هذه المرة، منتظرًا ومتوقعًا اتصالي. سرّني ما توصّلت اليه في مغامرتي تلك. فقرّرت ان اواصل اللعبة حتى ذروتها المتوقّعة. وزدت انني مدّدت رحلتي ثلاثة أيام أخرى. وكنت كلّما خطرت زوجتي الحبيبة في بالي.. اتصل بها.. حدّ انها رجتني ان اقطع رحلتي وأن اعود الى البيت.. فهي لا تطيق بُعدًا عنّي. وعندما ابتكرت قصة مفادها ان شخصا آخر.. في الخيال، هو انا.. في الواقع، ورويت لها تفاصيلها ممثلةً بخلاف زوجته المتواصل معه. ومشادّاتها اليومية معه.. ضحكت من أعماق قلبها وهي تهتف بفرح طفولي: الله يبعد عنا شرّ المشادات واهلها.

***

قصة: ناجي ظاهر

في نصوص اليوم