شهادات ومذكرات
قاسم المحبشي: عيدروس النقيب ومحاكاة ابن سينا في قلق البحث عن المعنى
حينما قرأت قصيدة الدكتور، عيدروس النقيب (ذات المقام الأرفع) قبل أيام في صفحته. احسست بحالة من المتعة والذهول وشاركتها في صفحتي على طول بعنوان (ابن سينا وابن النقيب وقلق البحث عن المعنى) استوقفتني بقدرتها التعبيرية على حمل الأفكار الفلسفية على اجنحة الصور الشعرية البديعة. قصيدة عمودية طويلة جاءت في ٦٢ بيتا شعريا فصيحا موزعة في ستة اعمدة بتناسق بنائي مقصود الشكل والمعنى. نشرها الشاعر لأول مرة بعنوان (فتشت عن ذات المقام الأرفع” في مارس ١٩٩٧م، أبين. ولهذا المكان والزمان دلالة بالغة الأهمية في حياة الشاعر، الدكتور عيدروس نصر ناصر النقيب، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني الذي وقع أمينه العام في ٢٢ مايو ١٩٩٠ (علي سالم البيض) اتفاقية الوحدة اليمنية الاندماجية مع صنوه القادم من صنعاء (علي عبدالله صالح) رئيس المؤتمر الشعبي العام ورئيس الجمهورية في نفق التواهي المظلم. حكاية يطول شرحها.
ثلاثة سنوات فقط مرت على حرب اجتياح الجنوب الغاشمة وقلع أظافر وأنياب الحزب الاشتراكي الذي كان حاكما في عدن لمدة ٢٣ عاما منذ نيل الاستقلال الوطني من الاستعمار البريطاني في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧ وحتى نفق التواهي في ٢٢ مايو ١٩٩٠م مدة ليست طويلة في حياة الدول والشعوب ولكنها كان مؤثرة جدا بالنسبة لجيلنا نحن جيل الثورة والاستقلال، مواليد ستينيات القرن العشرين. كانت تلك اللحظة بالنسبة لجيلنا الذي ولد مع الثورة هي لحظة ثورية بامتياز وكنا نستلهم الإبداعات الثورية الأتية من كل مكان ومنها الأدب القادم من الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي اتذكر منها: رواية كيف سقينا الفولاذ، لنيكولاي أوستروفسكي ورواية الأم لمكسيم غوركي ورواية الحرب والسلام، وفارس الرمال ورجال تحت الشمس والحلم القادم والمتشائل وخطابات عبدالناصر وجيفارا وبابلو نيرودا وعبدالفتاح إسماعيل، دق أمريكة وإسرائيل وغير ذلك من الرموز والأحلام التي كنا نعيشها في مراهقتنا. مازلت اتذكر تلك الكلمات المجنحة التي جعلتني اتسمر وأنا استمع اليها من اذاعة عدن الحبيبة في برنامج صباح الخير يا وطني، كلمات مفحمة بالحلم والسحر والأمل والثقة بالذات وبالمستقبل. جاء فيها: على هذه الأرض التي تضم رفاة أسلافنا... على هذه الأرض التي رويت بدماء شهدائنا.. وفي هذه الأرض التي سقيت بعرق جباه آباءنا.. مات الذي عاش دون أن يشك بان الفجر صالح لكل الأعمار، وأن الشمس تشرق كل يوم من جديد وأن الحرية تنتزع بارادة الأحرار ولا تمنح للعبيد. حينما مات فكر بالولادة وكتب تلك العبارة: هنا غرست شجرة الحياة التي سوف تنمو وتزهر وتثمر بالألف الرجال والنساء الأحرار؛ أطباء ومهندسين وتجار وفلاسفة وعلماء ومعلمين ورجال دين وكتاب وصحفيين وسياسين ومثقفين وشعراء وفنانين وصيادلة وعمال وفلاحين وعسكريين ومن كل الاختصاصين والأجيال هم وهن من تزهر بهم شجرة الحياة؛ حياة الأوطان ويزهرون على أغصانها بألف وجه ووجه من الجمال الفتان. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة! كنت استمع اليها وأنا اطّير من الفرح بما تحمله من شحنة ايجابية من المشاعر الرمانسية والأحلام الثورية التي كانت تمدنا بالزاد الروحي في واقع شديد البؤس والتخلف حين ذاك لم نكن ندرك أبعاده الوعيرة. كان الدكتور عيدروس النقيب من الجيل السابق لنا ممن عاشوا مرحلة الصراعات الخطرة؛ تلك اللحظة التاريخية اليسارية الخاطفة في جنوب شبه الجزيرة العربية. ربما بيننا عشرة سنوات فقط. في الواقع كان صوت الايديولوجيا وضجيجها الصاخب يخفي القدرات الحقيقية للأفراد الذين كانوا يمثلونها انذاك حينما كان لا (صوت يعلو فوق صوت الحزب! أو الحزب هو الذي يوجّه البندقية وليس العكس! وغيرها من شعارات مرحلة العنف الثوري المنظم، صوت الايديولوجيا اليسار العالي الذي أخفى الصوت الإبداعي للكثير من المواهب التي ماتت أو اختفت في تلك الأيام الرهيبة.
كان عيدروس النقيب سليلة عائلة يافعية عريقة تجيد الشعر الشعبي الحكمي. إذ علمت إن جده هو الشعبي صالح طالب بن معبد الذي اشتهر بزامله الحكيم الشهير بزامل جهنم إذ إنشد في لحظة بالغة الحساسية والتوتر بأبيات حاذقة. أطفت فتنة كانت مشتعلة بقوله:
الله يحي كـل مـن حيا بنا
قفـل جهـنم لا تفـك ابوابها
ظنّه حجر ياجور من شامخ عجي
عوجا عجية والعجي قلابها.
كان جد عيدروس شاعرا حكيما فضلا عن تفوقه في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وابتعاثه للدراسات العليا في دولة بلغاريا الاشتراكية، حيث الدراسة الجامعية تخصص الفلسفة وهناك حضر رسالة الماجستير وأطروحته في الملامح المادية في الفلسفة السينوية نسبة إلى إن سينا فضلا عن مواهبه الإبداعية الأخرى منها نظم الشعر وإجادة العزف على العود والغناء وربما الرسم. التشكيلي تلك المواهب المتعددة هي التي جعلت من عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني ينتج قصيدة (ذات المقام الأرفع) في لحظة سياسية خانقة. ثلاثة سنوات فقط من حرب اجتياح وتدمير مؤسسات دولة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن) حدث كل ذلك أمام نظر استاذ الفلسفة الشاعر الذي يرى أكثر الأشياء عادية بعيون شعرية فالشعر مثل الحب؛ حالة شعور مكثفة من الجذب الروحي للكائن الحاس المرهف الحواس يندمج فيها العقل الفعال والوجدان والانفعال والحدس والإحساس والتأمل والحيرة والدهشة والكشف والفرح والحزن والغضب والرغبة في التعبير عن اللحظة وفهم معناها وتجاوزها. وهكذا يظل الشعر مثل غيره من أشكال الفنون الإبداعية والفكرية مرهون بالقدرات الذاتية للأشخاص القادرين على مناوشته بوصفه حالة معقدة من وعي العالم والذات كما عبر الفيلسوف أحمد نسيم برقاوي ” فهو يرسم باللغة أعماق اللاشعور الذي صار شعوراً شعرياً والشعور الذي يرهق كاهل النفس إذا لم يخرج من النفس لغة. والنفس هنا هي الذات بكل تكويناتها. ويتأسس الوعي الجمالي بانزياح للغة عن الأشياء عبر صياغة علاقة جديدة بالأشياء لا وجود لها في الواقع لكنها بنت الواقع” فأجمل الشعر هو نتاج هذه اللحظة المتمردة التي تستحوذ على وجد الشاعر وتسيطر عليه قاطعة كل صلته بالعادي والروتيني اليومي المباشر إي الحياة بلا مزايا التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، الذي نعيشه في عالمنا الواقعي المعيشي الحي الفوري، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ ملموسيتها وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلبر دوران بـ «الجو الخانق» في تلك اللحظة الخانقة والضيق والمحنة حضرت الطاقة الإبداعية الثقافية للقيادي الأشتراكي الذي كان مخفيا بسبب ايديولوجيا (الصوت العالي) وربما رفعت تلك الايديولوجيا من اشخاصا ليس لديهم إي مميزات أو مواهب جديرة بالقيمة والاهمية والاعتبار. قليلون جدا هم الذي صمدوا بما لديهم من قدرات إبداعية في ذواتهم الفردية والدكتور عيدروس النقيب هو أهم شخصية مثقفة من حطام اليسار اليمني، فهو الفيلسوف والناقد والشاعر والفنان والروائي والقاص وكاتب الرأي وما زال يبدع ويتحف الناس بإبداعات متميزة في مختلف المجالات الثقافية الإبداعية.
والثقافة هي ما يبقى بعد خراب كل شي! فضلا عن كونه حيلتنا الوحيدة في أزمنة المحن والتحديات الصعيبة. اختفى معظم قيادات الحزب الاشتراكي اليمني التي كانت تتصدر المشهد منذ ١٩٦٧م دون إن تترك أثرا يدل عليها بينما ها هو عيدروس النقيب يزدهر كل يوم بابداعاته ومنها قصيدة (ذات المقام الأرفع) إذ تُعدّ من الأعمال الشعرية العميقة التي تتجاوز المحاكاة الأرسطية إلى التأمل الفلسفي، حيث ينسج الشاعر رحلة بحثٍ مضنية عن “معشوقة” رمزية تتجاوز الحسيّ إلى المعنوي، مُستخدمًا لغة شاعرية غنية بالصور البلاغية والمعاني الميتافيزيقية. إذ جاءت القصيدة في ٥٧ بيتا من النمط العمودي الفصيح
" فتشت عن ذات المقام الأرفعِ
وبحثت عنها في الفضاء الأوسعِ
معشوقةٌ محجوبةٌ أسرارها
"وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ"(1)
أنثى بلا جسمِ ولا لوناً لها
وجميلةٌ فوق الجمال الأبدعِ
إني أغامر في هواها مغرماً
وأهيم في عشقي لها وتطلُّعي
أهفو إليها في صبابةِ مولعٍ
وأذوب في شوقي وجمر تولُّعي
"أنا لست بالحسناء وحدي طامعاً
كم راغبٍ في وصلها كم طامعِ(2)
يتغزلون بحسنها وجمالها
يتذللون لقربها بتمتعِ
يتسابقون إلى رضاها كلّما
لاحت من الآفاق بعض توقُّعِ
حتى إذا ما شهادوا أطيافها
وتوهّموا قرب اللقاء الممتعِ
زادت غموضاً رائعاً وتدلّلاً
وترفّعت في الوصل أي ترفُّعِ
**
ولقد سألت الضوء عنها والدجى
فإذا هما متحيران لمطمعي
لم يدركا ما مقصدي، ماغايتي
لم يفصحا عن أي ردٍّ مقنعِ
وبحثت عنها في السماء مفتشاً
بين الكواكب والنجوم السطَّعِ
فإذا النجوم تناثرت أضواؤها
تسعى لجمع حصيلةٍ لم تجمعِ
ولكم سألت البحر عنها حائراً
وركضت ركض اللَّاهث المتتبعِ
فتضاحكت أمواجهُ من مطلبي
واستنكرت شطآنهُ ما أدَّعي
ورجعت أبكي خيبتي ومرارتي
والبحر يلهو ساخرا من مرجعي
**
وبحثت عنها في القصور منقباً
وسالت في الأكواخ دون تورِّعِ
وهرعت في الغابات عنها باحثاً
ونشدتها في الدارسات الأربعِ
فإذا الذي القصر يلهو عابثاً
وإذا الذي في الكوخ مثلي لا يعي
وإذا الذي في الغاب مثلي حائرٌ
وإذا الرياح تهزُّني من موضعي
ولقد شممت من الزهور عبيرها
فظننتها في عطرها المتضوعِ
وزعمت أني في الكؤوس جرعتها
فإذا خلاف الوهم لم أتجرِّعِ
وعجبت من سجع الطيور فخلتها
فيه فلم تَكُ في غناء السجَّعِ
ولمحت في ماء الجداول طيفها
فحسبتها في الجدول المترعرعِ
فإذا المياه تساءلت محتارةً
عنها وعن إسفارها المتقنِّعِ
وبحثت عنها في المنام فلم أفز
إلاّ بحظّ الواهم المتضعضعِ
أمعنت في صوت الرعود تحرّياً
عنها وفي ضوء البروق اللمّعِ
فإذا الرعود تنوح مثلي حيرةً
وإذا البروق كأنها لم تلمعِ
ذهب الربيع ولم تكن في زهرهِ
والصيف في أضوائهِ لم تسطعِ
وأتى الخريف ولم تكن في ريحهِ
ومضى الشتاء وطيفها لم يطلعِ
**
ولقد زهدت من الحياة تبتّلاً
في حبِّها المغري بغير تمنّعِ
فوأدت أهوائي بدون تردّدِ
ومضيت في درب التقاة الخشّعِ
"وهجرت أقداحي وقلبي ظامئٌ
وأبيت من قوتي ولّما أشبعِ"
وحجبت عن خضر الروابي مقلتي
وحبست عن صوت الأغاني مسمعي
وحرمت من طعم السعادة مهجتي
وسلخت آمالي التي في أضلعي
وعزفت عن وهم الغرام تعفّفاً
وسلكت درب الزاهد المتورّعِ
أرنو إليها وهي تدنو غضّةً
مني وألمسها بلمس الإصبعِ
وأظنني قد صرت من ملاّكها
وبأنها قربي بذات الموقعِ
فإذا الدنوُّ يزيد من جهلي بها
وإذا ملاكي لم تعد في الموضعِ
**
لما حسبت بأنني قد نلتها
وفرشت روحي للعناق المزمعِ
ألفيتني ما نلت إلا ظلّها
من بعد ما قد خلتها كانت معي
ووجدتني ما ذقت إلا علقماً
منها ولم أظفر سوى بتصدّعي
قد كنت أحسب أنني عانقتها
فإذا الملحية تختفي من مضجعي
"لما حلمت بها حلمت بصهوةٍ
لا تمتطى وبقمَّةٍ لم تطلعِ"
أسعى إليها طامعاً في بعضها
أو كلها فكأنني لم أطمعِ
من كان ينوي الانفراد بوصلها
خسر الرهان بحلمه المتقوقعِ
"لم يجدني فيها شبابٌ طائشٌ
لم يدنني منها ذكاء الألمعي"
"فتزعزعت في الوصل أحلامي بها
وهي التي من قبل لم تتزعزعِ"
وبلعت مأساتي وطلّقت المنى
ومضيت أحسو شكوتي وتضرّعي
غمر الأسى روحي وزادت لوعتي
وغرقت في يأسي وفاضت أدمعي
**
وعلمت بعد اليأس أن حبيبتي
موجودةٌ ملء الوجود الأوسعِ
موجودةٌ في الشهد والُصبَّار في
صوت الأغاني والنحيب المفجعِ
موجودةٌ في الرجس في الإحسان في
القرآن في فعل الطغاة الأبشعِ
في كل شيء ظاهرٍ أو باطنٍ
في الشامخ السامي وفي المتواضعِ
وبأنها مثل الهواء مباحةٌ
ومشاعةٌ مثل النهار الطالعِ
تأتي لمن يسعى إليها صادقاً
ويصونها في رهبةٍ وتخشّعِ
نمضي الحياة تسابقاً في وصلها
ونغيب عنها كالقطار المسرعِ
وتظل خالدةً كنهرِ دافقٍ
بوميضها المتألق المتدافعِ
أزليةٌ مثل الوجود وجودها
أبديةٌ بعد الفناء المفزعِ
جزئيةٌ كالكون في أجزائهِ
كليةٌ كالدهر لم تتوزّعِ
ملء المكان بصمتها وضجيجها
ملء الزمان بوهجها المتشعشعِ
أبين مارس 1997م
ولا يخفي الشاعر تأثره بالفيلسوف ابن سينا الذي تخصص بفلسفته وقصيدته المشهورة في النفس الذي قال فيها:
" محجوبةٌ عن كل مقلةِ عارفٍ
وهي التي سَفَرَتْ ولم تتبرقعِ
ظاهرُها غيبٌ، وباطنُ سرُّها
قد احتجبَتْ عن كل ذي تطلعِ
هي جوهَرٌ قد جلّ عن إدراكِنا
لطفًا، وتدركه العقولُ بمرجعِ
وإذا نظرتَ إلى الزمان وأهله
علمتَ أن الأمر ليس بمخدعِ
فانظرْ، وتأملْ في النفوس فإنها
عجَبٌ عجابٌ في الأمور المرجعِ"
فكلمة “المقام الأرفع” تحمل دلالات صوفية وفلسفية وسيكولوجية، إذ تُشير إلى درجة من الكمال أو القرب من الحقيقة المطلقة. وربما تحكي تجربة الشاعر الحياتية الذي عاش تجربة سياسية واجتماعية معقدة في اليمن، يمكن قراءة القصيدة كتعبير عن الإحباط من الواقع السياسي والاجتماعي، أو كسعي لاستعادة قيم إنسانية عليا فقدت وسط الصراعات.
وقد عبر القصيدة عن عرى العلاقة بين الأدب والفلسفة المتأصلة في تاريخ الثقافة الإنسانية بوصفها كل التطور الدائم المستمر بالعلم والفن والأدب. تلك هي الثقافة بالمعنى الواسع لها. بَيْدَ أنَّ العلاقة بين الفلسفة والأدب ليست ذات بُعْدٍ واحد، بل إنَّ الوشائج التي تربطهما أفضت إلى تأثير متبادل بينهما. فإذا كانت الفلسفة قد مارست تاثيرًا على الأدب والفن والثقافة منذ ملحمة جلجامش، فإنَّ الأدب بدوره أثَّر تاثيرًا كبيرًا على إنضاج وتفتُّق واندياح المزاج والقلق الفلسفي الوجودي في أوروبا منذ القرن التاسع عشر تقريبًا. حيث يمكن القول: إنَّ القلق المحموم بشأن الذات المغتربة بدأ أوَّل ما بدأ في رحاب الأدب الحديث، وذلك مع زيادة وعي الإنسان وإحساسه المتوتر بالذات الفردية محاولًا فهمها. بسبب النزعة الفردية، وازدياد مفهوم الإنسان لدى الإنسان، وزيادة وعي الانسان بالحرية وظمأ مقابل للحرية الواقيعة المفقودة. ويرى كامو" أن المسألة هي مسألة شعور بالذات متزايد الاتساع نشأ لدى الإنسان خلال مغامراته لتأكيد وجوده" وسوف نلاحظ أن الكثير من المشكلات التي اهتم بها كامو وأقرانه – كالذات والاغتراب، والحرية، والموت، والتمرُّد، والقلق. إلخ كانت مثار اهتمام أساطين الأدب الحديث أمثال "شكسبير، غوته، دوستويفسكي، هولدرين.. منذ ردْح طويل من الزمن، ولعل هذا ما حدا بهيدجر أن يكتب كتابًا خاصًّا عن الشاعر الألماني "هولدرين والشعر" مميطًا اللثام عن ما تنطوي عليه أشعاره من روح فلسفية ميتافيزيقية. فإذا كانت صرخة شكسبير على لسان بطل مسرحيته "هاملت" (نكون أو لا نكون) تنصح بتحدِّي العدمية والهجران في عالم غربت عنه الأصنام والآلهة. وهكذا بدأت الفلسفة آدبًا أسطوريًّا ثم أمّا للعلوم وفي الأخير عادت إلى الأدب لتجعل منه حصان طروادة لتسرُّب الأفكار الفلسفية. في ضوء هذا يمكننا النظر إلى قصيدة عيدروس النقيب فإذا افترضنا أن القصيدة تعكس تجربة النقيب كسياسي وأكاديمي مثقف، فقد تكون رحلة البحث هذه استعارة لمحاولته إيجاد توازن بين المثالية الفكرية والواقعية السياسية. اليمن، بتاريخه الحافل بالتحديات، يوفر خلفية غنية لمثل هذه التأملات. ربما يعبر الشاعر عن شعور بالاغتراب أو الفقدان، حيث يجد نفسه عاجزًا عن تحقيق “المقام الأرفع” في ظل الفوضى والانقسامات.
ويمكن تأويلها بوصفها رحلة الشاعر في البحث عن “ذات المقام الأرفع” معشوقة رمزية تُجسّد قيمة عليا أو حقيقة مطلقة، قد تكون الحرية، أو العدالة، أو الحقيقة، أو الحكمة، الله، أو النفس البشرية، الروح..الخ معشوقة تتسم بالغموض والتجريد، فهي “أنثى بلا جسم ولا لون”، و”محجوبة الأسرار” طبيعتها المتعالية التي تتجاوز الإدراك الحسي إذ يفتش الشاعر عن معشوقته في الطبيعة (الضوء، الدجى، البحر، النجوم)، في المكان (القصور، الأكواخ، الغابات)، وفي الزمان (الأيام والفصول الأربعة)، لكنه يصطدم بخيبة الأمل من عدم العثور عليها ثم يلجأ إلى الزهد والتبتل والتخلي عن الملذات الحسية فيما يشبه النيرفانا الهندية، ظنًا منه أن يجدها في لحظة كشف صوفية، لكنه يكتشف أن التقرب الحسي أو الروحي لا يكفي للأمساك بها رغم أنه يدرك قربها منه فهي ليست بعيدة، بل هي “موجودة ملء الوجود الأوسع”، متجلية في كل شيء، ظاهر وباطن، خير وشر، وهي متاحة لمن يسعى إليها بكل جوارحه العقلية والعاطفية بحماسة وحب وخشوع وقناعة في المقصد والهدف. لاحظت أن القصيدة تُحاكي التجربة الصوفية، ومقاماتها في الشوق، الفناء، والاتحاد. إذ تذكر لغة النقيب بقصائد جلال الدين الرومي أو ابن الفارض هذا من جهة ومن جهة أخرى تحذو حذو ابن سينا في تأمل النفس البشرية بقصيدته المشهورة يُبرز تأثر النقيب الفلسفة السينيوية الإسلامية لاسيما في وحدة الوجود كما عرفها المعلم الثاني بقوله إن واجب الوجود هو الذي إذ تصورته غير موجودا نجم عن تصورك محال. كما يكن رصد تأثر عيدروس النقيب بالشاعر المهاجر إيليا أبي ماضي وقصيدته العنقاء بما حملته من تباريح الشوق إلى المثالية والتغني بالجماليات المتعالية،كما جاء فيها:
أنا ليست بالحسناء أول مولع
هي مطمع الدنيا كما هي مطمعي
فاقصص علّي إذا عرفت حديثها
واسكن إذا حدّثت عنها واخشع
ألمحتها في صورة؟أشهدتها
في حالة؟ أرايتها في موضع؟
إني لذو نفس تهيم وإنها
لجميلة فوق الجمال الأبدع
ويزيد في شوقي إليها أنها
كالصّوت لم يسفر ولم يتقنّع
فتّشت جيب الفجر عنها والدّجى
ومددت حتى للكواكب إصبعي
فاذا هما متحيران كالاهما
في عاشق متحير متضعضع
وإذا النجوم لعلمها أو جهلها
مترجرجات في الفضاء الأوسع
رقصت أشعتها على سطح الدجى
وعلى رجاء فيّ غير مشعشع
والبحر... كم سائلته فتضاحكت
أمواجه من صوتي المتقطّع
فرجعت مرتعش الخواطر والمنى
كحمامة محمولة في زعزع
وكأنّ أشباح الدهور تألبت
في الشطّ تضحك كلّها من مرجعي
ومن لا يعرف الدكتور عيدروس نصر النقيب اليكم سيرته الذاتية
- د عيدروس نصر ناصر نقيب بن معبد
- من مواليد 22 يناير 1955م في منطقة العمري مديرية رصد يافع محافظة أبين.
- أنهى تعليمه الابتدائي في مدرسة رخمة الابتدائية بمديرية رُصُد، محافظة أبين وحصل على دبلوم معلمين من دار المعلمين أبين في العام1977م.
- عمل معلماً ومديراً لإعدادية رُصُدْ.
- حصل على شهادة الماجستير في الفلسفة العامة من أكاديمية العلوم الاجتماعية في بلغاريا في العام 1988م.
- عمل سكرتيراً لدائرة الثقافة والتربية في المكتب التنفيذي لمجلس الشعب المحلي لمحافظة أبين حتى العام 1991م.
- في العام 1994م حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة العربية الاسلامية من جامعة صوفيا في جمهورية بلغاريا عن أطروحة الدكتوراه الموسومة بـ" المنظومة الفلسفية عند الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا".
- نشر العديد من الدراسات الفلسفية والفكرية والمقالات النقدية وعدد من القصائد الشعرية والقصص القصيرة في الصحف والمجلات والدوريات المحلية والعربية.
صدر له:
1. "أقسمت أن أبتسم" مجموعة قصصية، مركز عبادي، صنعاء، طبعة أولى 2003م، طبعة ثانية 2009م
2. "معادلة الجمر والفرح" مجموعة شعرية، مركز عبادي صنعا 2003م
3. "ملصقات على جدران الذاكرة" مجموعة شعرية، اتحاد الأدباء والكتاب، مركز عبادي صنعاء، 2003م
4. "ظِلال الشوك" مجموعة شعرية، مركز عبادي، صنعاء، طبعة أولى 2003م، طبعة ثانية، 2009م
5. "أهل الحسب والنسب" مجموعة قصصية، وزارة الثقافة صنعاء 2004م
6. "ذاكرة الإسفلت" مجموعة قصصية، مركز عبادي، صنعاء 2004م
7. "جمعية الفتنة الخيرية" مجموعة قصصية، مركز عبادي صنعا 2005م
8. "ابن سينا - من فلسفة الطبيعة إلى الفلسفة السياسية والاجتماعية" دار جامعة عدن، 2007م
9. "همس اليراع"، آراء ومواقف في الحياة السياسية اليمنية، مركز عبادي، صنعاء 2008م
10. "من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة العربية الإسلامية"، دراسة فلسفية تاريخية، مركز عبادي، صنعاء 2009م
11. "درس في الشرف والأمانة" مسرحيات، مركز عبادي، صنعا، 2009م
12. "لا شريف بعد اليوم" مسرحيات مركز عبادي، صنعاء، 2010م
13. "ملتقى الأرواح والأغاني" مجموعة شعرية، مركز عبادي، صنعا، 2011م
14القضية الجنوبية وإشكالية الهوية، دراسة تحليلية سياسية تاريخية، دار يسطرون، القاهرة 2023م
15. حنين الأماكن، رواية، دار يسطرون القاهرة 2023م
16. بالروح بالدم نفديك يا جلاد، مسرحية، الدار اليمنية للكتب والتراث، القاهرة، 2023م
17. أوراق من دفتر العشاق، قصائد غنائية، بالعامية، الدار اليمنية للكتب والتراث، القاهرة، 2023م
18- (همس اليراع 2)، اليمن ولعنة الثنائيات، دار الشواهين للنشر والتوزيع، القاهرة، 2024م.
19- (همس اليراع3) قضية شعب الجنوب..الموعود والمشهود، دار الشواهين للنشر والتوزيع، القاهرة، 2024م
له تحت الطبع:
1. (همس اليراع 4)، يوميات الحرب على عدن.
2. (همس اليراع 5) طموحات وتحديات جنوبية.
3. عذراء البحر والجبل، مجموعة شعرية.
4. من مهرجان البوح، مجموعة شعرية.
5. جئت منها إليها، مجموعة شعرية.
صدر له بحوث ودراسات:
1. "ابن رشد، وفلسفة التوفيق بين الحكمة والشريعة" مجلة الثقافة، العدد، 48، صنعاء 1996م
2. "الفارابي وفلسفة المدينة الفاضلة" مجلة الحكمة اليمانية، 88،صنعاء، 1996م
3. "ابن باجة، وفلسفة البحث عن السعادة في المدينة الفاسدة" مجلة الحكمة اليمانية، العددين، 91، 92م، صنعاء، 1997م
4. "أزمة العلاقة بين الكم والنوع في العملية التعليمية في الوطن العربي" منتدى البرلمانيين العرب للتربية والثقافة والعلوم، بيروت، 2007م
5. "أحزاب المعارضة العربية، والتوفيق بين الممارسة الديمقراطية ومواجهة السلطات الاستبدادية"، ندوة البرلمانيين العرب، بيروت، 2008م
6. "التعددية الحزبية وتجربة الانتخابات اليمنية"، ندوة المعارضة البرلمانية العربية، بيروت، 2009م.
7. "القضية القومية في فلسفة أنطوان سعادة"، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة عدن، العدد 15، عدن 2012
8. "الثورة السلمية اليمنية، وتحدياتها: المؤسسة العسكرية، القضية الجنوبية، قضية صعدة"، ندوة المركز العربي للدارسات وأبحاث السياسات، الدوحة، 2012م
9. "النقد الأرسطي لنظرية المُثُل الأفلاطونية"، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة عدن، تحت الطبع.
له مخطوطات:
1. مواكب وعناكب، مجموعة قصصية
2. "فلسفة المدينة بين الفارابي وابن رشد"، كتابات فلسفية.
3. "نظرية النفس عند ابن سينا وابن رشد"، كتابات فلسفية.
4. "الفلسفة الذرية بين المعتزلة والأشاعرة"، كتابات فلسفية.
5. "نظرية العقل في الفلسفة العربية الإسلامية" كتابات فلسفية.
6. نقد العقل السياسي الجنوبي.
7. "شغف الأزمنة"، الجزء الثاني من رواية "حنين الأماكن"
8. " مقدمة في علم النفس التربوي".
9. موسوعة الفلاسفة العرب والمسلمين.
- أستاذ مساعد في جامعة لحج.
- عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وعضو اتحاد الكتاب العرب.
- عضو المنظمة العالمية للبرلمانيين ضد الفساد، وعضو مؤسس لفرعيها العربي واليمني.
- عضو منتدى البرلمانيين العرب للتربية والثقافة والعلوم.
- عضو الشبكة البرلمانية للبنك الدولي
- مؤسس ومدير مدرسة المستقبل، العربية في مدينة شيفيلد البريطانية 2015-2017م
- رئيس الإدارة العامة للعلاقات الخارجية للمجلس الانتقالي الجنوبي 2017-2021م.
- رئيس مركز شمسان للدراسات والإعلام.
- رئيس تحرير جريدة شمسان.
- رئيس المؤسسة الجنوبية للدراسات والبحوث الاستراتيجية 2022-2024م).
- حائز على ميدالية التفوق العلمي مرتين للعام الدراسيين 1977م، 1988م
- متزوج وأب لخمسة أبناء وثلاث بنات هم : محجوب، ماهر، مراد، ملاك، منال، مها، محمد ومهند.
***
ا. د. قاسم المحبشي
...........................
(1) تضمين محوّر لقول الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا في قصيدته عن "النفس"
(محجوبةٌ عن كل مقلة عارف
وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ
(2) كل مابين القوسين عبارة عن تضمينات محورة لعبارات وردت في قصيدة إيليا أبي ماضي "العنقاء".







