شهادات ومذكرات
حميد بن خيبش: جوليا كريستيفا..عابرة بين النصوص
يتميز حضور جوليا كريستيفا في المشهد الثقافي الفرنسي بالثراء وتنوع الاهتمامات، فهي المتنقلة دوما بخفة الموسوعي والخبير بتفكيك الشفرات لتطرق فلسفات اللغة والمعنى و الرمز والصمت، وتقارب تشكلاتها التاريخية و الابستمولوجية بأسلوب عبّر عنه اللغوي الروسي رومان ياكوبسون بالقول: " إن كلا من القراء والمستمعين، سواء كانوا متفقين أو غير متفقين معها، يشعرون بالفعل بانجذابهم إلى صوتها المُعدي، وموهبتها الحقيقية في التشكيك في البديهيات المعتمدة عموماـ وموهبتها العكسية المتمثلة في إطلاق أسئلة ملعونة من علامات استفهامهم التقليدية" كما أن هناك إقرارا بتأثيرها الفريد في الفكر البنيوي، خاصة حين كان للبنيوية هيمنة قوية على العلوم الإنسانية.
ولدت الناقدة الأدبية والمحللة النفسية والنسوية جوليا كريستيفا في مدينة سليفن ببلغاريا سنة 1941لأم مسيحية وأب يشتغل محاسبا للكنيسة. وتلقت تعليمها في مدرسة فرنكوفونية تديرها راهبات من الدومينكان، حيث اطلعت على أعمال الفيلسوف و اللغوي الروسي "ميخائيل باختين"، قبل أن تنتقل إلى جامعة صوفيا لمتابعة الدراسة بالجامعة.
أثناء دراساتها العليا حصلت على زمالة بحثية انتقلت بموجبها إلى فرنسا سنة 1965وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، لتواصل تعليمها في مدرسة المعلمين العليا، تحت إشراف أساتذة بارزين أمثال: لوسيان غولدمان و رولان بارث. وسرعان ما تأثرت بالحراك اليساري الفرنسي لتنضم إلى جماعة "تيل كيل" التي كان يرأسها الناقد والمفكر الفرنسي فيليب سوليرز الذي ستتزوجه سنة 1967.
خلال هذه المرحلة المبكرة في باريس نشرت جوليا عددا من المقالات في دورية "تيل كيل"، وبدأت في حضور السيمنار الذي كان يعقده المنظر التحليلي جاك لاكان. كما نشرت كتابها" السيميوطيقا" الذي أكد قدرتها على التأثير في التحليل النقدي الدولي والدراسات الثقافية، حيث وجهت من خلال بحوثه انتقادات للنموذج العلمي العقلاني للسيميوطيقا، والذي كان يتطور آنذاك تحت تأثير اللغويات البنيوية. وفي سنة 1973 نالت شهادة دكتوراه الدولة في باريس، لتتولى بعدها منصب أستاذ كرسي اللغويات في جامعة باريس السابعة، ثم أستاذا زائرا في جامعة كولومبيا بنيويورك، وتوجت مسارها التحصيلي بشهادة في التحليل النفسي سنة 1979.
تمثل كتابات جوليا كريستيفا توليفا معقدا للنظريات المادية والنفسية، في محاولة لتطوير فهم ما بعد بنيوي للغة والذات. فهي ترفض فهم المواضيع ضمن إطارها البنيوي مقابل فهم يندرج ضمن ما يسمى ب"فلسفة الصيرورة". وبذلك تؤسس لنقد ما بعد بنيوية يحافظ في الآن نفسه على مبادئ التحليل النفسي، والذي يكشف عن تشابه وجهات نظرها، خاصة في المواضيع الفلسفية، مع سيغموند فرويد وجالاك لاكان. حيث تعتبر أن فرويد فتح لنا طريقا بقوله أن المجال النفسي لا يكون حيا إلا إذا انطوى على فكر ثوري.
تكشف منشورات كريستيفا منذ أواخر الستينات عن معارضتها لنظرية الثقافة الغربية حول اللغة، بوصفها نتاجا أو تمثيلا. وتقترح بديلا للغة بكونها ممارسة مادية يمكن أن تؤيد الثورة السياسية. فهي تدعو في كتابها "السيميوطيقا"(1969) إلى تطوير منهج تسميه "تحليل علاماتي" يحلل النصوص بوصفها نتاجا ماديا. أما في كتابها "نص الرواية :مدخل سيميولوجي إلى بنية استطرادية متحولة"(1970)، فتستعرض مفاهيم متحولة للنص في الأعمال المبكرة لأنطوان دي لاسال. وتكشف هذه الإنتاجات المبكرة عن تأثر واضح بالشكلانية الروسية، خاصة أعمال ميخائيل باختين، الذي طوّرت مفهومه للتناص واللغة الشعرية.
وامتد منهجها في التحليل العلاماتي ليشمل نظرية التحليل النفسي، من خلال كتابها " ثورة في اللغة الشعرية"(1974)، حيث تُطور فكرة عن اللغة بوصفها نضالا جدليا بين قطبين : سيميوطيقي هو عبارة عن نمذجة ما قبل لغوية لنقوش النفس التي تتحكم فيها العمليات الأولية للإزاحة والتكثيف. ورمزي يشكل تمثيلات مكونة للغة بوصفها نظاما للعلامات. وتعتبر أن المجتمع الغربي الحديث رفض دوما ال" سيميوطيقي" ليقطع بذلك الصلة بين الذات واللغة. وهنا تدافع كريستيفا عن ضرورة تجاوز هذا النموذج الأحادي، مقابل نظرية لهُوية الذات تستحضر الجدلية السابقة، وتُفرد مجموعة من كتاباتها لتحليل نصوص أدبية ومرئية في ضوء نظريتها عن الذات في اللغة، خاصة كتابها "تحاوُر"(1977)،و" الرغبة في اللغة"(1980).
أبدت جوليا كريستيفا انشغالا واضحا بالهوية الأنثوية منذ كتاباتها المبكرة. فأعادت تقويم معنى الاختلاف الجنسي وعلاقته بالتحول الاجتماعي، كما اهتمت بتحليل التقديرات التاريخية للمرأة في ضوء نظريتها عن الذات في اللغة. فتقدم في كتابها " قوى الرعب" (1980) مناقشة تحليلية نفسية لما تسميه ب"الدناءة"، أي طرد الآخر ورفضه، وعلاقة ذلك بالاستبعاد التاريخي للمرأة. بينما يقوم كتاب" في البدء كان الحب"(1985) على موازنة بين الفهم الديني والفهم التحليلي النفسي للحب والجنسوية والرغبة. وهي إلى جانب ذلك تسلط الضوء على التفرد باعتباره صيغة راقية للوجود النسائي، حيث يصبح التعبير الفني والجمالي وسيلة للكشف عن الأزمات النفسية، في أفق تمكين المرأة من تجاوز معاناتها، وإعادة تشكيل كيانها الخاص وروابطها المجتمعية. تقول كريستيفا في حوار مع إليان بوكي نُشر ضمن كتابها "نساء بصيغة المفرد"(2008): " أنا مقتنعة بأنه ينبغي الاحتراز من جنسنة الانتاجات الثقافية: هذا مؤنث وهذا مذكر. يبدو المشكل مختلفا بالنسبة إلي: منح النساء الشروط الاقتصادية و الليبدية من جل تحليل وجدلنة القمع الاجتماعي و الكبت الجنسي، بكيفية يمكن معها لكل واحدة، بما تتمتع به النساء من تفرد، تحقيق خصوصياتها واختلافاتها التي أنتجتها الصدف، وضرورات الطبيعة والأسرة والمجتمع".
ولا يمكن الحديث عن جوليا كريستيفا دون أن نستحضر نظريتها التناصية، والتي استكملت بها جهود الباحث الروسي ميخائيل باختين. ففي محاضرة لها بعنوان " الكلمة و الحوار والرواية" سنة 1966، قدمت كريستيفا مفهوم التفاعل النصي كبديل لمصطلح الحوارية الذي اعتمده باختين. وأنهت بذلك نصف قرن عاشه النقاد داخل النص وفي سجن اللغة.
فهي تنفي من خلال مفهوم التناص وجودَ أي نص خال من بقايا نصوص أخرى، حيث أن كل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى تقول كريستيفا. بمعنى أن قراءة النص تسمح بالعبور إلى كل النصوص الأخرى التي اشتركت في نسجه وبنائه. ولا يوجد بالمحصلة نص مغلق وقائم بذاته كما يدعي نقاد البنيوية.
النص إذن عند كريستيفا هو إنتاجية، وترحال وتداخل نصي تتقاطع وتتنافى فيه ملفوظات عديدة من نصوص أخرى". وهذا التقاطع في النظام الصوتي نحتت له كريستيفا مصطلح "الإيديولوجيم" الذي يعني تلك الوظيفة للتداخل النصي التي يمكن قراءتها ماديا على مختلف مستويات بناء كل نص؛ تمتد على طول مساره لتمنحه معطياته التاريخية و الاجتماعية. وهكذا أبدعت كريستيفا في بلورة نظرية للتناص، وأرست تصورا منهجيا منذ ستينيات القرن الماضي، ينقل النص من بنية مغلقة إلى أخرى مفتوحة تؤثر وتتأثر.
برزت جوليا كريستيفا بوصفها واحدة من أهم المنظرين الفرنسيين المعاصرين، الذين ينكبون باستمرار على دراسة مختلف التحولات التي تعتري النسيج المجتمعي؛ حيث تكشف أعمالها عن استعداد دؤوب لكشف إمكانات التحليل النفسي في قراءة الظواهر النفسية والثقافية والاجتماعية، والانتقال ضمن قوس شديد الاتساع من الممارسة التحليلية و المصاحبة العيادية، إلى التأمل الفكري العميق في قضايا من قبيل الغربة والاكتئاب، والأمومة والقلق الأنثوي. إنها تؤكد مجددا بأن الفكر ثورة مستدامة، مهمتها أن تضع الحياة دوما تحت علامات الاستفهام، وتفضح البنى الهشة للقناعات و المعتقدات.
مقابل هذا العطاء المميز والنشاط النظري الدال داخل النقد الأدبي والحركة النسوية، حظيت جوليا كريستيفا باعتراف دولي من لدن عدد من النظم المعرفية الأكاديمية، بحصولها على وسام الاستحقاق الوطني، وجائزة هولبرج الدولية، ووسام جوقة الشرف الوطني برتبة ضابط، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية من الجامعة العبرية بالقدس وجامعة بوينس آيرس، وعضوية مؤسسات ولجان ثقافية متعددة.
***
حميد بن خيبش
..................
إحالات:
- إيرينا.ر.ماكاريك: موسوعة النظرية الأدبية المعاصرة .
- حوار مع أرنو سبير. مجلة إبداع.عدد12.دجنبر 1980
- نهلة فيصل الأحمد : التفاعل النصي: النظرية والمنهج.







