شهادات ومذكرات

عبد القادر بوطالب: سلفادور دالي والثالوث المعشوق

"الفرق بيني وبين المجنون هو أنني لست مجنونا.."

"عندما كان عمري ست سنوات، كنت أريد أن أصبح طباخا، وعندما بلغت السابعة، وددت أن أكون نابليون، وبعد ذلك ما توقف طموحي عن الازدياد، ولو للحظة واحدة.."

بهذه الكلمات التي عبر بها سلفادور دالي عن نفسه، هذا الفنان الاستثنائي في تاريخ الفن التشكيلي، يمكننا أن نفهم شخصيته والاقتراب أكثر من أعماله الفنية من خلال تناول ثلاثة جوانب أساسية من حياته، وهي عشق الرسم وحب غالا، وحب المال.

يستحيل الفصل بين عشق دالي للرسم وحبه لغالا، أو حتى أن نتجاهل عنصرا من هذين الجانبين، فهما - مجتمعين - شكلا مصدر تميزه وتفرده، ولولاهما ما تعددت انشغالاته الفنية وامتدت إلى مجالات متنوعة (النحت السينما، التلفزيون الديكور الموضة)، وكان هذا - في الواقع - استجابة لحب آخر ظل كامنا في شخصيته، ويتعلق الأمر بحب المال، وإن كان هذا الحب سيأخذ أبعادا أكثر وضوحا بعد اقترانه بغالا، وسيكون ذلك بهدف إرضاء رغباتها.

عكست شخصية دالي - بوصفه فنانا أو إنسانا - نوعا من الجنون والغرائبية سواء تعلق الأمر بالمواقف أو التصرفات، وفي الوقت نفسه لا يمكن للمرء إلا أن يقف مشدودا إليها لما تضمنته من رؤية عميقة للقضايا التي شغلت الإنسان على أكثر من صعيد، ومن جوانب متعددة، وخصوصا عندما تطرح بالجرأة التي ميزته، الشيء الذي جعل منه الرسام الأكثر شهرة بعد بابلو بيكاسو والشخصية الأكثر جدلا داخل الأوساط الفنية والإعلامية، فدالي شغل العالم بتصريحاته ومواقفه. ومن المؤكد أن جانبا مهما من شخصيته صنعته وسائل الإعلام، إذ أنه أينما حل وارتحل لم تكن تفارقه أضواؤها، ولن نبالغ إذا قلنا: أن جزءا من قوة شخصيته كان يكمن في قدرته على أن يظل موضوع جذب واهتمام. يقول دالي: «من الصعب أن تشد انتباه العالم أكثر من نصف ساعة على التوالي؛ لكنني نجحت في أن أفعل ذلك كل يوم، وذلك خلال عشرين سنة «.

هذا، ومن جانب، أنه لم يكن يخفي - على الإطلاق - تأثره بالآخرين، وفي الوقت نفسه كان يصر على نوع من التميز والتفرد في كل ما يرتبط بشخصيته وأعماله الإبداعية يقول دالي: «أتأثر بالكل، لكن لا شيء يغيرني «.

أولا: عشق الرسم: في فهم تقاطعات الثالوث

اقترنت حياة سلفادور دالي بجملة من الأحداث والوقائع والتي كان لها تأثير بالغ في تشكيل شخصيته، وبالتالي ساهمت في نبوغه كأحد العظماء القلائل خلال القرن العشرين، فدالي أخذ اسم ومكان أخيه الذي توفي قبل ولادته بثلاث سنوات، إذ اعتبر بديلا عن الأخ الميت، فكان لذلك أكبر الأثر على نفسيته، الشيء الذي يفسر حضور الموت بشكل لافت في أعماله الفنية والتي ما انفكت تنعكس على مجمل سلوكاته ومواقفه، فبدت أقرب إلى الجنون، وفي الوقت نفسه ليست بعيدة عن العقل إذا ما نظرنا إليها في السياق العام، الذي يجد مبرراته في نظرته الفلسفية إلى الوجود والفن والتي اغتنت بروافد متعددة كان أبرزها انضمامه إلى السريالية، واحتكاكه بمعظم أقطابها الكبار كأندري بروتون ولويس أراغون وبول إيلوار، وارتباطه بصداقة الشاعر فدريكو غارسيا لوركا والسينمائي لويس بينيل، من دون أن ننسى لقاءه بسيغموند فرويد سنة ١٩٤٨، وإن كانت معرفة دالي به ترجع إلى مرحلة شبابه من خلال ولعه الشديد بقراءة مؤلفاته، وبالخصوص كتابه: " تفسير الاحلام".

وعلى الرغم من التعثر الذي صاحب دراسته وبالأخص في أكاديمية الفنون الجميلة بمدريد بسبب تمرده على الأساتذة، الأمر الذي انتهى بفصله نهائيا منها، فإن دالي ظل - على الدوام - يظهر تمكنا فريدا واطلاعا واسعا على الفن وتاريخه وتقنياته، بحيث يمكن أن نلمس في أعماله بصمات العديد من المدارس والاتجاهات وحضور تقنيات مختلفة، لكن في الوقت ذاته لا يمكن إلا أن نؤكد هيمنة أسلوب وحيد هو أسلوب دالي ذاته.

ولد دالي في ١١ من مايو سنة ١٩٠٤ ، وبدأ عشقه للرسم خلال طفولته المبكرة، حيث رسم أول لوحة سنة ۱۹۱۰ ، وأقام أول معرض سنة ۱۹۱٨ بمسقط رأسه فيغيراس (مقاطعة كاطالانيا بشمال إسبانيا)، حيث احتضنت جنبات المسرح البلدي فيها باكورة أعماله الفنية. ومما يؤكد هذا العشق ما كتبه في مذكراته، وكان عمره آنذاك خمس عشرة سنة: «بالنسبة إلي تحتوي قارورات الصباغة الصافية والمتلألئة كتلة هائلة من الآمال، أداعبها بأصابعي، والتي ترتجف انفعالا كما يفعل العشاق.. وتراني أستمتع بالرسم. «

بدأ دالي حياته الفنية انطباعيا، وخبر معظم المدارس، وانتهى سرياليا، ذلك لأن انضمامه إلى السريالية يعتبر النقطة الفاصلة في تشكل أسلوبه الفني واكتمال شخصيته الإبداعية، وإن وجد بعض المهتمين في انضمامه إلى السريالية تجسيدا لنوع من الموضة التي سادت وقتئذ، بينما فسرت من طرف البعض الآخر كوسيلة أراد من خلالها قياس درجة تميزه عبر مقارنته بالآخرين، وقد تكون هذه المسألة صحيحة إذا ما استحضرنا السرعة التي انقطعت بها علاقته بجماعة السرياليين، إذ سيجري إبعاده رسميا منها سنة ۱۹۳۸، وسيتخلل ذلك جملة من الاتهامات، وصلت حد نعته بالفاشية وتمجيد لهتلر، وبالفعل هذه المسألة التي أثيرت حولها أراء متعارضة ومتباينة، كما عاب عليه اندري بروتون إخضاعه الإبداع لنوع من النزعة التجارية.

شكلت القطيعة مع أقطاب السريالية بداية ولوجه مرحلة جديدة، كانت – في العمق - امتدادا للمرحلة السابقة إلا أنها كانت أكثر تميزا وتفردا، فدالي ظل يعتبر نفسه أكثر من يمثل للسريالية ولكن بأسلوبه الخاص، فالسريالية - وإن كانت تمجد نوعا من الفوضى والتحرر فيما يتعلق بالإبداع والفن - فإنها كانت تقر بنوع من الالتزام السياسي والأخلاقي، الأمر الذي اعتبره عائقا أمام حرية الإبداع والخلق، وبالتالي ظل يردد. «السريالية هي أنا «.

وفي هذا الإطار، ابتكر عام ١٩٣٥ ما أسماه بـ "الهذيان النقدي"، الذي قصد به: "المنهج العفوي للمعرفة اللاعقلانية القائمة على المشاركة التأويلية والنقدية للظواهر الهذيانية"، وبذلك تبنى نوعا من الهذيان الممنهج، الذي كان يقتضي أو يفترض استحضار اللاشعور والتحرر من حالة الوعي، مما يسمح بالتعبير عن الرغبات وتجسيد الاستيهامات les fantasmes بحيث لا تغدو الطابوهات  tabousعائقا أمام الإبداع وتشغيل الخيال. فدالي مثل الاتجاه الأكثر  ميلا للفرويدية داخل  الاتجاه السوريالي، وهذا ما نلمسه في أعماله، ولعل أشهرها:

- ثبات الذاكرة la persistance de la mémoire

- الدم أكثر نعومة من العسل le sang est plus doux que le miel

- الطفل الجيوسياسي يراقب ولادة الإنسان الجديد

L’enfant géopolitique observant la naissance de L’homme nouveau

- الرغبات المكبوتة   les plaisirs illuminés

ومما يشد الانتباه في أعماله ذلك الحضور اللافت لجملة من العناصر كالنمل والجراد والدم، وهذه العناصر قد تبعث على الاشمئزاز، وقد تبدو مرعبة، لكنها تتضمن - في الوقت ذاته - أبعادا رمزية، تكثف المعنى، وتلج بنا حالة اللاوعي الكامنة داخل كل إنسان، وفي هذا السياق، جسدت الحشرات والأشكال الرخوة أبعادا تكاد تقترن -على وجه الدقة - بحالة دالي النفسية، التي ترجع - أساسا - إلى تجربته المريرة مع الموت، وبالتالي فهي تحيل على الموت، ولكنها قد تستهدف - كما قد نلمس في الساعات الرخوة - استحضار الزمن كبعد مقلق في التجربة الوجودية للإنسان، بحيث يستحيل الإمساك به سواء تعلق الأمر بالزمن الطبيعي أو الزمن بالمعنى النفسي.

ظلت أعمال دالي الفنية مسكونة بأسئلة الموت والوجود، فتجربته مع الموت بدأت بولادته، إذ كان تعويضا داخل العائلة عن أخيه الميت، وعرفت منعطفا مؤلما بوفاة والدته سنة ۱۹۲۱ ، وكذلك بوفاة أعز أصدقائه، وبالخصوص اغتيال الشاعر غارسيا لوركا خلال الحرب الأهلية الإسبانية وانتحار الشاعر السريالي روني كروفيل. يقول دالي: «لم تكن تمضي دقيقة واحدة من حياتي إلا وكان طيف الموت يرافقني في أبسط استيهاماتي... «  وبالتالي فدالي استحضر الموت في معظم إبداعاته، فالعناصر المتعفنة والحشرات تجسد كل المعاني الدالة على الموت والفناء، ولا يوازي ذلك - في الحقيقة - سوى ذلك الشغف الشديد بتعرية اللاشعور وتجسيد الاستيهامات الأكثر تعبيرا عن الرغبة والعنف. بحيث تتعدد وتتداخل الرموز والإيحاءات، وتتكثف من حيث الدلالات والأبعاد الرمزية، وفي هذا السياق ذاته تفرض غالا نفسها كموضوع أساسي في العديد من اللوحات، إذ من خلالها استحضر معظم استيهاماته، فأبرز جاذبيتها من خلال استحضار الجسد، حيث زاوج بين الدقة في الرسم وتنوع الأوضاع، الشيء الذي يعكس قمة الافتتان بتفاصيل الجسد؛ ذلك - على الأقل - ما يمكن أن نلمسه في لوحاته مثل:

غلارينا Galarina

غالا من الظهر Gala de dos

غالا تراقب البحر الأبيض المتوسط

Gala regardant la méditerranée

ليدا أطوميكا Leda atomica

ورد دموية roses sanglantes

اتجه دالي، بعد انتهاء الحرب العالمية، نحو تعميق دراسته للفن خلال عصر النهضة، فبدأ يستلهم التقاليد الإيطالية في مجال الرسم، وانتهى به المطاف مشتغلا على موضوعات ذات مضمون ديني وصوفي، فكتب في هذا السياق البيان الصوفي.

والواقع، أن هذا التحول يبدو منطقيا، إذا ما استحضرنا مختلف التجارب التي عاشها، والتي ساهمت في تشكيل نفسيته، وهنا يمكن أن نسجل أنه في أخريات حياته ازداد خوفا من الموت، وبدأت علاقته بغالا في الانحسار شيئا فشيئا، فأصبح أكثر عزلة وقلقا من أي وقت مضى، مما أدى به إلى حالة من الاضطراب الذهني، والتي اقترنت بمرض البركينسون Parkinson، وذلك - ربما -لأن ثمة أسئلة كبرى لم يستطيع الإجابة عنها. ألم يكن دالي بديلا عن أخيه الذي مات؟ ألم يكن جنونه نوعا من العبث من هذا القدر الذي وجد نفسه محشورا فيه؟ ألم تكن تجربته مع الموت أكثر ألما وقسوة؟ وبالفعل فهذه التجربة قد تكون كذلك، إلا أنها أثمرت أعمالا متميزة مثل:

سيدة بورليغات la madone de portlligat

العشاء الأخير     la dernière Cène

المجمع المسكوني la concile œcuménique

غواية سانت انطوان la tentation de Saint Antoine

عذراء دي غادلوب la vierge de Guadeloupe

ثانيا: حب غالا أو الولادة الثانية لدالي

ولدت Helena Ivanorna Diakonova والتي اشتهرت بلقب: «غالا» سنة ١٨٩٤ في مدينة  kazan بروسيا، تعرفت أثناء مقامها في سويسرا على الشاعر الفرنسي بول إيلوار وتزوجت به سنة ۱۹۲۷، غير أن حياتها ستعرف منعطفا حاسما بعد زيارتها لإسبانيا سنة ۱۹۲۹ برفقة زوجها، حيث ستقع في حب سلفادور دالي، فقررت البقاء إلى جانبه، وفي المقابل وجد دالي فيها المرأة التي كان يبحث عنها في تخيلاته واستيهاماته.

ونتيجة هذا الحب وجد دالي نفسه مطرودا من منزل العائلة، فغالا بدت في نظر عائلته امرأة منعدمة الأخلاق وخصوصا بالنسبة إلى والده، فانقطعت نتيجة ذلك العلاقة بينها، ولم يسترجعها إلا بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٤٨، بعد لجوئه إليها نتيجة الحرب العالمية الثانية.

تميزت شخصية غالا بالقوة والثقة الكبيرة بالنفس، واستطاعت أن تصقلها بنوع من الثقافة الواسعة والشاملة، فاحتكت بحلقات المثقفين خلال مقامها في باريس، إذ شاركت في مختلف النقاشات التي كانت تعرفها وقتئذ، وبالخصوص تلك التي كانت تجري داخل الأوساط التقدمية، فغالا لم تستهويها - على الإطلاق - أشغال المنزل، ولم يكن يغريها دورها كامرأة تقليدية، لذلك كانت تجد نفسها أكثر انجذابا نحو عالم الثقافة والفكر وأشد ميلا إلى حب الحياة والمال. هذا من دون أن تفقد خاصيتها كأنثى فاتنة.

استحوذت غالا على كل شيء في حياة دالي، ولعبت كل الأدوار الممكنة في حياته، ولم تترك له إلا دورا وحيدا هو ممارسة الإبداع، يقول دالي عنها : «جردتني من قلق أن أكون رجلا، إنها دمي والهواء الذي أتنفسه، إنها ملاك التوازن»، وبالفعل، إن العلاقة بينهما شكلت بالنسبة لدالي ولادة جديدة، أثمرت أعمالا كثيرة، إن لم نقل إنها كانت متحفا متكاملا، لقد كانت موضوعه الأساس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ كانت ملهمته، وجسدت بالنسبة إليه - أحلام طفولته واستيهاماته الأكثر عنفوانا والأشد تعبيرا عن الرغبة واللاشعور، وبالتالي فقد ملأت كل الفراغ الداخلي الذي كانت تحتويه بالشكل الذي أصبحت - بالنسبة إليه محور العالم، فعالمه يبدأ وينتهي عند غالا، يقول دالي:

«أحب غالا أكثر من أمي، وأكثر من أبي، وأكثر من بيكاسو بل وأكثر من المال».

شغلت غالا الحيز الأكبر في مجمل أعمال دالي، فبقدر ما كانت موضوعا كانت فاعلا؛ فالفواصل بينها وبينه انعدمت، فثمة لوحات حملت توقيع Gali - Dali أو - Dali -Gali  أو Gali كصيغة تركيبية تجمع بين اسميهما، فسلطة الاسم تبدو أقوى مما يمكن أن نتصور، وبالتالي تتعدد الأسماء، فالمسمى يستعصي على التسمية، فالاسم قد يحيل على المسمى، لكنه قد لا يكشف كل التعدد الكامن في ذاتيته.

كل هذا يؤكد أن غالا كانت مصدر إلهام، ويوضح التأثير الذي أحدثته على أكثر من صعيد وبالخصوص على الصعيد النفسي والإبداعي، حيث حضرت كموضوع إبداع وكملهمة في الوقت ذاته، فمن خلالها جسد مختلف أفكاره، إذ أنها كانت الطبيب المعالج، يقول دالي: «لقد كانت تداويني من خلال قوة حبها الجموحة والعميقة، التي هي - من حيث عمق الفكر ونباهة الذهن تتجاوز أكثر مناهج التحليل النفسي طموحا».

استطاعت غالا بهذا المعنى، أن تحتوي القلق الذي لم يفارقه يوما، وأن توجهه نحو الخلق والإبداع، وهي بذلك وفرت له ذلك التوزان الذي مكنه من الاستمرارية في زمن كانت سمته البارزة كثرة التقلبات التي انعكست عليه، فكانت ساعاته الرخوة أحد تجليات رؤيته للزمن بالمعنى الفلسفي والنفسي، وربما بالمعنى الفيزيائي، وفي هذه الحالة تبدو رؤية دالي أكثر عمقا لمعنى الزمن وبالخصوص إذا ما استحضرنا نظرية أينشتاين، بالشكل الذي يلتقي فيه الفن بالعلم وإن اختلفت أدوات التعبير وأشكالها.

ثالثا: حب المال كتعويض عن الحرمان في مجتمع رأسمالي

والواقع، أن هناك جانبا مهما يبقى ضروريا لفهم شخصية دالي وأعماله الفنية، ويتعلق الأمر بحبه الشديد للمال، الشيء الذي انعكس سلبا على صورته، وقد تضافرت في ذلك جملة من العوامل، كان أبرزها الدور الذي لعبته غالا بحيث كانت هي الأخرى تبدي حبا كبيرا للمال وربما كان ذلك نتيجة طفولتها الصعبة، وبالتالي وجدت في جمع المال وتبذيره تعويضا لما عاشته من حرمان، كما ساهمت هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، إذ انخرط سريعا في مجتمع رأسمالي تحكمه بشكل رهيب وسائل الإعلام، فأصبح مشهورا بين أوساط الملايين من الأمريكيين، الأمر الذي جعله ينساق وراء نمط الاستهلاك السائد في المجتمع الأمريكي، فأخضع بعضا من أنشطته الفنية لمنطق السوق، ووسع مجال أنشطته، فامتدت إلى الإشهار وتصميم الملابس والواجهات و الديكور، ونتيجة لذلك عرفت السوق الفنية انتشار لوحات حملت توقيعه من دون أن تكون من إبداعه، إذ كان يوقع  بعضا منها على البياض. وهكذا انتشرت العديد من اللوحات التي أنجزها فنانون يجيدون تقليد أسلوبه، وقد ساهمت غالا ومديرو أعماله في تفشي هذه الظاهرة، حيث أصبح ثلاثة من مديري أعماله من الأثرياء خلال فترة قصيرة، وعلى الرغم من التفسيرات التي أعطيت لذلك، فإن الوقائع تؤكد انفلات تدبير شؤون دالي الفنية من تحت سيطرته، وخضوعها المطلق لغالا ولمديري الأعمال، وهذا بطبيعة الحال لا يعفيه من المسؤولية.

ومع ذلك، يبقى دالي فنانا كبيرا، وعبقريا مجنونا، فكثيرا ما كان يقترب من الجنون، لكن كان على الدوام يدرك أن الحياة لا يمكن أن تعاش إلا إذا كان الإنسان كذلك، وكان - بالإضافة إلى ذلك - يمتلك طموحا لا يعرف التوقف ولم يكن بعيدا عن الصواب حين قال: "سأكون عبقريا وسأدهش العالم، ربما قد أكون محتقرا، ولن يقدرني أحد، لكن سأكون عبقريا، عبقريا كبيرا. ذلك لأنني متأكد من هذا"

***

عبد القادر بوطالب

في المثقف اليوم