شهادات ومذكرات

سُوف عبيد: الشيخ الحبيب المِستاوي شاعرًا

بمناسبة الذكرى المئة لميلاد الشيخ محمد الحبيب المستاوي أصدر نجله الأستاذ صلاج الدين المستاوي عددا خاصا من مجلّة ـ جوهر اﻹسلام ـ تضمّن مقالات عديدة تناولت شخصية الشيخ من نواحيها الذاتية والتربوية والوطنية ومنهجه الإصلاحي بالإضافة إلى بعض الشهادات من لدن معاصريه وتلاميذه وقد تشرّفت بالمساهمة في هذه المناسبة بمقالة حول الناحية الشعرية لدى الشيخ الجليل الحبيب المستاوي الذي كان من أصدقاء والدي رحمهما الله.1305 almusawi

إنَ المتأمّل في سيرة الفقهاء والعلماء في إفريقية على توالي العصور وتتالي الأمراء والسّلاطين والبايات يلاحظ

أولا ـ أنهم دأبوا على نشر العلم في الحواضر والبوادي والجبال والفيافي فعاشوا بين الناس عيشة البساطة والشَظف ونشروا اللغة العربية والقرآن الكريم فبفضلهم أضحى اللسان العربي سائدا في ربوع بلاد الأمازيغ بل اِمتدَت بفضلهم لغةُ الضاد إلى ما وراء الصحراء في إفريقيا واِنتشرت على مدى السواحل الشمالية من الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط من صقلية إلى الأندلس والبرتغال

ثانيا ـ أن الكثير من أولئك الفقهاء والعلماء قد كانوا من المدافعين عن حمى الأوطان أو مرابطين في قلاع الثغور أو مشاركين ضدّ الغزاة أو حاملين للألوية في الفتوحات من بينهم ـ عبد الرحمان بن زياد بن أنعم المولود حوالي سنة 74 للهجرة وقد شارك في الوقائع البحرية فأسره الرَوم ثم اُفتدي وفُكّ من الأسر فأرسل مقطوعة إلى أهله يقول فيها

ذكرتُ القيروانَ فهاج شوقي * وأين القيروان من العراقِ

مسيرة أشهر للعِيس ِ نــصًا * على الخيل المضَمّرَةِ العِتَاق

فَبَلِّغْ أنْعَمًا وبني أبيــــــــــه * ومَنْ يُرجَى لَنَا وَلَهُ الــتّلاَقي

بأنَّ الله قد خلّى سبيــــلي * وَجَدَّ بِنا المسيرُ إلى مـزاقِ

ومن أولئك الذين حملوا لواء الجهاد الإمام سحنون المولود سنة 160 هـ فقد كان كثيرا ما يَتَمثّل بقوله

 كُلّ شيءٍ قد أراه نُكْــــرًا * غيرَ ركز الرّمح في ظهر الفرسْ

وقيامٍ في حناديس الدّجى * حارسًا للقوم في أقصى الحرسْ

ثالثا ـ أن عددا كبيرا من أولئك العلماء والفقهاء كانوا مستقلين عن الحاكمين غير راغبين في تولَي المناصب مثل منصب القضاء والحسبة وتدريس أبناء الطبقة الحاكمة فعاشوا من كدّ يمينهم ومن كسبهم في سائر ضروب المعاش وكانوا ينتصرون للضعفاء ناصحين لأولي الأمر ولا يخشَوْن في الحق لومة لائم وإنّ كُتب التراجم والطبقات زاخرةٌ بعديد الأمثلة من بينها ما أورده حسن حسني عبدالوهاب فقد أورد أنّ الإمام سحنون الذي توفي سنة 240 للهجرة اِشترط على الأمير الأغلبي عندما قلّده القضاء بعد إلحاح أن يبدأ بتطبيق الأحكام على أهل بيته وأعوانه وأن لا يتسلم عطية أو مالا منه فقبل الأمير منه ذلك وأورد كذلك حسن حسني عبد الوهاب أن محرز بن خلف كتب رسالة إلى الأمير الصنهاجي يقول فيها وقد أوصى إليه ببعض تلاميذه ـ أنا رجل عرف كثيرٌ من الناس اِسمي وهذا من البلاء وأنا أسأل الله أن يتغمدني برحمةٍ منه وفضل وربما أتاني المضطر يسأل الحاجة فإن تأخرتُ خفتُ وإن ساعدتُ فهذا أشدّ وقد كتبتُ إليك في مسألة رجُل من الطلبة طولب بدراهم ظلما ولا شيء عليه فعاملْ فيه مَن لابد لك من لقائه واِستح ممّن بنعمته وَجدتَ لذيذ العيش واِستعنْ في أمرك بمن يتّقي الله

أمَا الملاحظة الأخيرة فإنها تتمثل في أن العديد من أولئك الفقهاء والعلماء في تونس و إفريقية تُنسب إليهم أشعار قليلة أو كثيرة و لم يخالف هذه الوتيرة حتى الفقيهُ اِبنُ عرْفة والمؤرخ اِبنُ خلدون ويمكن أن نعدّ البعض منهم شعراء بارزين في عصورهم مثل مُحرز بن خلف الذي عاصر القرن الرابع والخامس الهجري ومثل إبراهيم الرياحي الذي عاصرالقرن التاسع عشر الميلادي وقد سار على هذا المنهج في قرض الشعر كثيرٌ من الشيوخ المعاصرين المتخرّجين من الزيتونة نذكر منهم خاصة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور والشيخ الخضر حسين وقد نسج على منوالهما الشيخ الحبيب المستاوي الذي نعتبره آخر عنقود الفقهاء الذين جمعوا بين منهج الدعوة الدينية

والشيخ الحبيب المستاوي صاحب ديوان ـ مع اللّه ـ وقد أصدره سنة 1980 نجلُه الأستاذ محمد صلاح الدين بعد وفاته ويبدو أن الديوان هو أقرب إلى المختارات الشعرية التي يجمع بينها النفس الديني المشوب بالدعوة إلى الإصلاح ولعل المستقبل القريب يسمح بنشر بقية القصائد كي نقف على المسيرة الشعرية الكاملة للشيخ الشاعر الحبيب المستاوي

ـ2 ـ

الشيخ الحبيب المستاوي من مواليد سنة 1923 بالرُّقبة وهي واحة جبلية من ضواحي مدينة تطاوين بالجنوب الشرقي من البلاد التونسية وقد حفظ القرآن علي يد جدّه وفي سنة 1935 اِلتحق بجامع الزيتونة بالعاصمة تونس حيث تخرج منه بشهادة العالمية في الآداب سنة 1951 فباشر التدريس والوعظ والخطابة والمحاضرة وكان ناشطا في المجالات الاِجتماعية والسياسية والنقابية وأصدر مجلة ـ جوهر الإسلام ـ سنة 1968 فالشّاعر حينئذ قد عاصر مرحلة الكفاح ضد الاِستعمار ثمّ مرحلة بناء الدولة الوطنية ويبدو أنه قد اِنخرط في الحركة الإصلاحية الدينية العامة قبل أن تتحوّل هذه الحركة إلى التنظّم السياسي المباشر بعد أن تأثرت بالجماعات الإسلامية في المشرق العربي فالشيخ الحبيب المستاوي سليل المدرسة الإصلاحية التونسي التي ظهرت منذ القرن التاسع عشر والتي تمخّضت عنها الحركة الوطنية بأبعادها المتنوعة لذا نجد الشاعر يذكر بإجلال أحد رموز هذه الحركة وهو الشيخ محمد الفاضل بن عاشور وذلك في قصيد رثائي بليغ بعنوان ـ أنّة مكلوم ـ حيث يقول فيه ص 30

سنبقى ـ مع التوفيق ـ جند محمد * ونعمل للإصلاح دون تراجـــــــع

فنم مطمئن البال خلفك نخبة * سمُوا بالمعالي عن رخيص المطامع

لقد لُقنوا منك الرباط وإنهم * لماضون في درب الكميّ المدافــــــع

فالشاعر يَعتبر نفسه من تلاميذ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور الذي يمثل أحسن تمثيل المدرسة الإصلاحية التونسية المعاصرة التي اِنبرت منذ القرن التاسع عشر في محاولاتها المتوالية جيلا بعد جيل للعمل في جميع المجالات ضمن الاِجتهاد والتجديد وفي التصدي للحكم المطلق حينا وفي التصدي للاِستعمار الفرنسي حينا آخر وفي بناء أسس الدولة الوطنية بعد الاِستقلال بعد ذلك فالشيخ محمد الفاضل بن عاشور يُمثّل رمزا للعالم المسلم المتأصّل والمتفتّح على العصر والمتجذر في بيئته الوطنية ونرى الشيخ المستاوي يقول فيه ضمن قصيد آخر ص52

لقد عاش بين الناس عيشة مُصلح * وعَيشُ ذوي الإصلاح مُرّ مُعذّبُ

قليل هُمو الواعون أهداف نهجه * وغيرهُمُو نابٌ عليه ومخـلــــــــب

له صبر أيّوب إذا ما تلبّــــــدت * غيومُ البلايا أو تجهّم غيهـــــــــــبُ

درسنا مع الشيخ العظيم ظروفنا * وأوضاعنا والدّرس وافٍ ومُسهَبُ

ـ 3 ـ

والشيخ الحبيب المستاوي كثيرا ما نراه يستلهم القيم الإسلامية في دعوته إلى اِستنهاض المسلمين كتأكيده على المساواة والعدل والعمل والعلم والإبداع حيث يقول في ذكرى مولد الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلّم ص50

وما اللّون والأجناس إلا عوارض * فأفضل خلق الله ذو العقل واليــــــد

وأقربُهم لله من كان نفعُـــــه * عميما ولم يخلِط بغاية مُفســــــــــــد

على هذه الأهداف عاشت جدودُنا * فظلت تسُوس الكون دون مُهنّـــد

وبالعلم والإبداع والخلق أخصبت * عقولُ بني الإسلام في فجرنا النّدي

وبالإضافة إلى ما سبق ذكره من القيم فإن الشيخ المستاوي يؤكد على الدّعوة السلمية التي كانت أساس اِنتشار الإسلام كأنه بهذا يدعو إلى نبذ العنف ذلك الذي أمسى منهجا لبعض الحركات الإسلامية وبالتالي فإن الشيخ الحبيب المستاوي إنما ينتمي إلى الحركة الإسلامية التي تتبنّى الوعظ والإرشاد والدعوة إلى صحوة إسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة وبالاعتماد على العلم والإيمان حيث يقول في قصيد إلى الأدباء العرب ص48

وما فرّقت إلا الجهالة بيننا * ألا إنها ـ لا غيرُها ـ بيننا الخصمُ

 ُوليس لنا من مأزق الذل مخرج * نُيمّمُه إلا التدين والعلــم

 ومن الأسباب التي دعت الشاعر إلى التمسك بالقيم الإسلامية ما لاحظه من مظاهر عديدة للتفسخ والانحلال والميوعة فابتعد المجتمع عن أصالته التي كانت قائمة على الأسس الصحيحة للدين الحنيف ومن بين تلك المظاهر نراه يصف الجنوح الأخلاقي الذي كان سائدا لدى عدد كبير من الشباب المتأثر بالموضة الغربية حيث يقول ص38

فترى الفتاة خليعة مرذولة * ممسوخة في الشكل والهنــــــدام

وترى الفتى متخنّثا متشبّها * بالمائسات وساخرا بمـــــــــــــلام

خلع العذار ولم يَخَفْ من خالق * أبدا ولم يُمسك بأيّ زمـــــــام

زحفت قشور حضارة مزعومة * نحو الشباب فغاب في الأوهام

ـ 4 ـ

 من القصائد التي تُعبّر بوضوح عن المنهج الإصلاحي القائم على النّصح والوعظ قصيدة ـ وإذا تنكّر للأصالة أرعن ـ ص35 وهي قصيدة أنشأها بمناسبة زيارته للمغرب الأقصى وقد خاطب فيها الملك الحسن الثاني فاِستهلّها على النمط الجاهلي غير أنه وصف الطائرة بَدَل الناقة حيث يقول

 سَبحتْ بنا في الجوّ أختُ حمام * نفّاثة محفوفة بســــــــــلام

تطوي السماء بخفة وبدقة * فتخالها برقا بدا بغمــــــــــــــام

صُنعت لتختصر البعيد فيلتقي * أهل المحبة من بني الاعمــام

قطعت مسافة أشهر في ساعة * عجبا رأيتُ وما انا بمنــــام

أين الفدافدُ والسباسب أين ما * شاهدتُه من بُعدها المترامـي

طُويت كما يَطوي السّجلُ كتابَه * فيلفُه ويُحاط بالإبهـــــــام

للّه كم بالعلم حُقّق مـــــأرب * للعاملين بحكمـــــــة ودوام

فالتجديد واضح في الاِستهلال الذي يختمه بالدعوة إلى العلم وهي من ثوابت الشاعر في كثير من قصائده ثم يتخلص بعد ذلك قائلا في ما يقترب

من أسلوب المدح التقليدي مؤكدا على شرف النسب ومسؤولية الاِنتساب إلى الرسول المصطفى حيث يقول

جئنا لنشهد أمة عربيـــــة * زحفت تُشيّد مُحكمَ الآجـــــــام

أنّى توجّهنا رأينا نهضــــة * تبني بجدّ صادق ونظــــــــــــام

والأمن يسحب ذيله متبخترا * في حُلّة فضفاضة الأكمــــام

أمّا المآثر والمشاهد فهي قد * نُقشت بلوح ما يزال أمامي

 وتمضي القصيدة العصماء في اِستعراض مجد المغرب الأقصى في شتى المجالات ومغتنما المناسبة لتذكير الملك ببعض النصائح كضرورة الاِلتزام بالعدل واِعتبار الحُكم أمانة وتجنّب الظلم والقهر والأهواء كما ورد في قوله

المُلك عدل والشعوب وديعة * والحُبُّ يجرحه عنيف حســام

مَن صانه لاشك سوف يصونه * أبدا فيَضحَى فوق كل خصام

مَن حكّم العقل الرّصين مُجرَّدا * وافاه ما يرجوه من إنعـام

ويؤكد الشيخ المستاوي في الجزء الأخير من القصيدة على أن يكون الإسلام أساس الحكم في جميع المجالات ومذكّرا الملك الحسن الثاني أنه جدير بهذه المهمة حيث يقول

هلاَّ أعَدتُم يا مليكُ بنــاءه * في الحكم في التغليم في الإعــــــــــــلام

في كلّ شيء من حياة شبابنا * في الشكل في المضمون في اﻷفهام

حتى تكونوا أسوة نبويــــــــــة * أنتم لها والله خيرُ إمــــــــــــــــــام

 أما مسك ختام القصيدة فقد تضمن على لسان الشاعر تحية الشعب التونسي وزعيمه الحبيب بورقيبة وقتذاك بالإضافة إلى ذكره لتلاميذ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ومن أسرة مجلة ـ جوهر الإسلام ـ التي أسسها وأدارها الشيخ فكانت خاتمة طربفة دالة ومعبرة عن منهجه الإصلاحي القائم على الحكمة والموعظة الحسنة

إنّ مثل هذه القصائد التي تَوجّه بها الشيخ الحبيب المستاوي إلى بعض الرؤساء والملوك والتي دعا فيها إلى منهجه الإصلاحي لابدّ من التساؤل إلى أي حدَ كان الذين خاطبهم فيها مثّلوا جزءا من الفساد الذي واجهه وهل كان بإمكانهم الإصلاح المنشود؟ وهل كان شاعرا وواعيا بذلك؟

في هذا السّياق من الضروري أن نبحث بعمق وبكل موضوعية في العلاقة التي كانت بين الشاعر الحبيب المستاوي والرئيس الحبيب بورقيبة وكيف تعايش في فترة من الفترات المنهج الإصلاحي لدي الشيخ الزيتوني ذي الأس التقليدي مع المشروع التحديثي لدى الزعيم بورقيبة ذي التوجه الغربي بالرّغم من أنّ ذينك البُعدين يُمثلان طرَفي معادلةٍ سادت على مدى القرن العشرين في تونس وقد تراوحت العلاقة بينهما بين المدّ والجزر حينا وبين الاِختلاف والاِئتلاف حينا وبين الوئام والاِنسجام أحيانا وقد مثّل شعر الشيخ الحبيب المستاوي صورة لبعض تلك الفترات من العلاقة بين المشروعين المتناقضين في الظاهر لكنهما يمثلان في الباطن جدلية التطور في تاريخ المجتمعات تلك الجدلية التي لم نظفر بمعادلتها الصحيحة إلى اليوم غير أني أرى أنها تتطلب بعض الشروط من بينها

ـ إذكاء حركة الاِجتهاد والتجديد ضمن مقاصد الإسلام السّمحة

 ـ اِعتبار المنجزات الإنسانية في العالم من مساهمات العرب المسلمين فيها أيضا

ـ الاِبتعاد عن الولاءات الخارجية فلا ولاء إلا للأوطان وحدها

ـ إبراز قيمة العمل والكسب والسّعي نحو الترقّي

 ـ إشاعة مناخ الحوار وقبول الاِختلاف في كنف الاِحترام

فلقد قال أسلافنا الصّالحون ـ رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصّواب

ـ 5 ـ

وفي الديوان قصائد أخرى قيلت بمناسبات دينية مثل الحج وحلول شهر رمضان والإسراء والمعراج والمولد النبويّ وغيرها ويؤكد فيها الشيخ المستاوي على القيم الإسلامية وأبعادها المتنوعة وثمة قصائد أخرى في الديوان تتتضمّن الشكوى من الحيف الذي نستشفه في غضون بعض الأبيات كقوله ص76

أغثني إلاهي فإني فقير * وغوثك يُزجي لقلبي مُنــــــــاهْ

و جُدْ لي بنصر عزيز على * زمان حقود بدا ناجـــــــــذاهْ

وصُنْ حرمتي باِكتفاء جميل * فغيرك ـ ربي ـ سئمت نداهْ

وقد تضمنت قصيدة ـ إلى الله أشكو ـ ص81 ـ عشرين مقطعا يتضمن كل مقطع منها عشرة أبيات يستعرض فيها بلوعة أصناف المجتمع فيبدأ كل مقطع على هذا المنوال

إلى الله أشكو شبابا تردّى * وزلّت به الرل في الهاوية

وكقوله

إلى الله اشكو ضياع الرجولة * وما كان من قومنا من فُحولة

وكقوله

إلى الله أشكو رجال الصحافة * وأهل العقول وأهل الحصافة

وكقوله أيضا

إلى الله أشكو رجال السياسة * لما عندهم من بديع الكياسة

ففي هذه القصيدة نرى الشاعر قد عدّد مظاهر التدهور السائدة في المجتمع ولعله قد مرّ بمرحلة من اليأس بعد محاولاته في الإصلاح على مدى فترات ومناسبات متنوعة تراوحت من المجال التربوي والثقافي إلى المجالات الاِجتماعية والسياسية سواء في تونس أو خارجها مما جعله يركن إلى الشعور بالخيبة في آخر المطاف ولعل السيرة الشخصية بما فيها من ملابسات تاريخية توضح هذه المسألة

ـ 6 ـ

لئن كان هذا الديوان يندرج ضمن سياق الشعر الديني عامة بما فيه من دعوة واضحة إلى المنهج الإصلاحي الإسلامي فإنه يتراوح أحيانا بين الوجدان الرومنطيقي والوجدان الصوفي كقوله في قصيد ـ هو سر الوجود ـ ص45

بسمة الدهر بالسّنَى قد تجلّتْ * والأماني ثمارُها قد تدلّــتْ

والشحارير بالحبور نشاوى * ردّدت لحنها الجميلَ وغنّــــتْ

والرياض الغَنّاء داعبها البِشرُ فماست أغصانُها ثم صلّـــــتْ

والنسيم العليل ضمّخه العطر ففاحت أنفاسُه وتنـــــــــدّتْ

وعذارى الفردوس ترفُل تيها * في حُلاها وحُسنِها قد تبدّتْ

إن مثل هذه الأبيات تؤكد أن الشيخ الحبيب المستاوي لئن اِلتزم في هذه الديوان بالمنهج الإصلاحي فإن شاعريته تبدو ذات شجون وارفة تنداح على أبعاد عديدة لعلنا نقف على معانيها في ما لم يُنشر له من قصائده الأخرى.

***

سُوف عبيد

في المثقف اليوم