عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حوارات عامة

عبد الله المتقي يحاور الشاعرة والفنانة التشكيلية هاجر ريدان

سيواصل الصالون نشاطه وكلنا أمل أن يعود الإشعاع للثقافة

هاجر ريدان: شاعرة وفنانة تشكيلية تونسية، ومديرة المركز الثقافي ريدآر بمنزل تميم، وصديقة للأطفال، ترى اللوحة شغفا يوميا وشكلا من أشكال الخلاص والمقاومة، وكي تكون حرة، أما فراشتها الشعرية بأوان متنوعة، أما البحر فمؤنسها وملهمها ويظل، ولأنها شبيهة بإرم ذات العناد الذي لم يخلق مثلها في منزل تميم، ظلت مصرة على تنظيم الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا رغم غياب الدعم، ومؤخرا كانت نسخته الثالثة تكريما لصالح الدمس أحد مؤسسي كتابة القصة القصيرة جدا والذي لقي نجاحا باهرا

1- من تكون هاجر ريدان في خضم العولمة والاحتجاجات والحروب التي تشغل الدنيا؟

- حين يرهقنا الوعي بفعل محاولات الفهم للإنسان والحياة والكون يصبح الفن ضرورة ويصير نوعا من الخلاص وشكلا من أشكال المقاومة ويتحول إلى هاجس يومي وشغف متواصل به نتجاوز حيرتنا ونؤثث عزلتنا فتثمر. نحن لا نختار ما نكون في البداية لكن الظروف قد ترمي بك في مسارات متنوعة حينها تختار من بين هذه الطرق طريقا يخفف عليك وطأة ما يعيشه الإنسان من مشاغل في عصر العولمة والاحتجاجات والحروب وهاجر ريدان ليست سوى هذا الإنسان الذي يحاول أن يكون حرّا -ناهيك أنها امرأة في مجتمع ذكوري بامتياز - في عالم يعيش اللاّمعنى لأنّ اللاّمعنى يكتسح ثقافتنا اليوم كما يقول عالم الإجتماع الطاهر اللبيب. بالفن نحاول أن نعود بالدّال إلى مدلوله فقد ابتعد الإنسان عن إنسانيته وصار مغتربا محاصرا غارقا في التفاهة التي اكتسحت كل شيء مستلبا في عمله تفزعه الحروب وتطوح به الاحتجاجات المتواصلة.

2- أصدرت ديوانك الثالث "شغف الفراشة" فما نوع فراشتك كبريتية خطافية الذيل أم هي فراشة شعرية وكفى؟

- فراشتي هي كل أنواع الفراشات كبريتية خطافية الذيل وألوانها متنوعة لكنها شعرية المنحى رسمتها على المجاز فقد نسبت إليها الشغف لتصير كائنا بأبعاد رمزية متنوعة متراكمة متناقضة تشبه الإنسان عموما والمبدع تحديدا في أبعاده وثنائياته المتعددة. فالفنان كائن رقيق حساس يبحث عن الجمال ويتصيده في ذاته وفي العالم المحيط به وهو يشبه الفراشة في مراحل تحولها من بيضة إلى شرنقة إلى دودة قز إلى فراشة وهي مراحل مكابدة بالنسبة إلى المبدع ومع قصر عمر الفراشة يسعى الفنان من خلال هذا البحث عن الجمال إلى الخلود ففعل الموت فعل مدمر للإنسان لا نقاومه إلاّ بالفن.

3- ما الذي بقي في ذاكرتك من حلاوة قصب السكّر وروائح الياسمين؟

- التجارب الأولى لها طعم خاص ومميز طعم البدايات والبحث عن طريق مخصوص وأسلوب مخصوص بعيدا عن قراءاتنا وشغفنا بهذا الشاعر أو ذاك هي مرحلة نريد أن نكون فيها ذواتنا التي تضيف. والبدايات صعبة دائما فقد لا نجد من يرشدنا من يقرأ لنا ويسعفنا برأي قد لا نجد من ينشر لنا فأنت مضطر إذن لخوض المغامرة بنفسك متسلحا بشجاعة فريدة وشغف عنيد. فديواني الأول "قصب السكر " الصادر سنة 2002 يشبه الحبيب الأول فيه اكتشاف للذات والعالم الصغير المحيط بنا هو ديوان قريب إلى قلبي جمعت فيه نصوص مرحلة الجامعة وبدايات العمل في التدريس. فقد كانت نصوصه في غاية الصدق والشفافية وجودية ووجدانية بامتياز بسيطة لا تكترث لردود الفعل.كما قال الأستاذ عادل الحداد في مقال له عن الديوان:

" الشاعرة مولعة بتعرية العالم. مغرمة بأحاديث الفضائح. لا تتستر على شيء. كلماتها مباشرة بسيطة وشفافة أنيقة لكن في تواضع. تضع بين يديك الأشياء وتمضي لا تهمها ردود الأفعال. تضع بين يديك قليلا من القصب وكثيرا من السكر".

أما ديواني الثاني "كزهر الياسمين " الصادر سنة 2011 فقد جاءت جل نصوصه بطعم الحلم وقد كتب أغلبها قبل الأحداث التي عرفتها بلادنا في 2010 والتحقت بها نصوص أخرى في تلك الفترة. وكان الأمل يحدونا لنعيش حلم الحرية ويفوح عطر الياسمين لكن الثورات التي تحاك من الخارج لا تنجح. ورغم كل شيء يبقى الشاعر متفائلا يقظا فهو ضمير الشعب وصانع الحلم. وتظل حلاوة ما نكتب طعاما لذيذا للذاكرة.

4- أين تجد هاجر هاجر في لوحاتها وكائناتها التشكيلية أم في دواوينها؟

- أجد نفسي مع الألوان أساسا ومع كائناتي العجيبة أمّا الشعر فهو منقذي من تعب التشكيل الذي يبقى عملا مكلفا جسديا وماديا لذلك أجدني ابحث عن الراحة في أحضان الكلمة فكتابة الشعر لا تتطلب منك سوى جهد فكري وحس وفكرة ولغة تسرقها من المجاز وقلم وورقة أو هاتف جوال. أما التشكيل فأنت أمام أدوات ومحامل وألوان ومرسم مخصص للغرض لا يتنقل هذا الجهد المالي نضيف إليه الجهد البدني. فأنا أكتب نصوصي شعرا أو سردا بين لوحة ولوحة أو بين جزء من اللوحة وجزءها الآخر أو حين تعوزي الأموال أو ربما حين يلح علي الشعر إلحاحا.

5- ما أسباب نزول هذه الكائنات التشكيلية في الكثير من لوحاتك؟

- هذه الكائنات تشكلت تدريجيا خلال تجربتي التي انطلقت منذ سنوات وتكاثرت كائناتي واقتحمت فضائي التشكيلي خلال فترة الكوفيد حين باتت العزلة قدر الإنسان في العالم. فقد كانت هذه الكائنات الغريبة تعبيرا عن تشكل عالم جديد سيجعل الإنسان تجاه الطبيعة أكثر شقاء وحيرة. كائنات من عجين الغرائز ونفوق العقل وانحسار القيم الإنسانية أمام طبيعة تفقد توازنها بفعل تدخل سافر للإنسان المدمّر.

6- ما أسباب حضور تيمة البحر في الكثير من نصوصك؟

- أنا بنت البحر ولدت على ضفافه وركضت على شواطئه الرملية وكابدت المشي على صخوره وأحببت ألوانه وأصواته وامتداده وعمقه وأحببت خوفي منه زمن الغموض وعشقي له زمن العشق أحببته صيفا وشتاء أحببته في كل فصول السنة. فالبحر ملهمي ومؤنسي يفتح لي دائما جناحين من أمل كلما لجأت إليه.

7- بصفتك مديرة لفضاء ثقافي أولا حبذا سيرة مقتضبة عن صالون ريدار بمنزل تميم ثانيا ما الأهداف التي تتوخينها من هذا الفضاء الجمالي؟

- انطلق نشاط المركز الثقافي ريدآر بمنزل تميم في 9 أوت 2014 بعد أن صار فضاء "نادي عبّاد الشمس للفنون التشكيلية" الذي فتحه سنة 2001 غير كاف لاحتضان أنشطة عديدة ومتنوعة في الموسيقى والمسرح وغيرها. ومن أهدافنا في فضاء ريدآر أن نساهم في الحراك الثقافي والفني والأدبي في المدينة وفي الجهة ولم لا على المستوى الوطني وأن نعمل على تشجيع المواهب عند الأطفال والشباب والإحاطة بهم حتى لا ينساقوا وراء الانحراف. وقد عمل الفضاء على بعث نوادي وورشات في كل الفنون منها ورشات الرسم للأطفال والشباب والكهول والتي تختتم في آخر شهر جوان من كل سنة بمعرض جماعي للأعمال المنجزة وورشة الكتابة التي تهتم بالكتابة والكتاب لتساهم في ترويجه والحث على القراءة من خلال توقيعات الكتب ومعارض الكتب وانجاز الملتقيات من أهمها الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا الذي وصل إلى دورته الثالثة هذه السنة والتي ستكون أيام 8و9و10 ماي 2026 لتكرم رائدا من رواد القصة القصيرة جدا الكاتب صالح الدمس. إضافة إلى الدورات التكوينية في المسرح والسينما واللقاءات الموسيقية المتنوعة.

8- ماذا عن ضيوف الصالون تونسيا ومحليا؟

- بعد إثنى عشر سنة من النشاط المستمر استطاع الفضاء أن يكسب جملة من الصداقات الجميلة والمتينة من تونس والمغرب والأردن في مختلف الفنون وخاصة منها ما تعلق بالكتاب وقد زار الفضاء ضيوف احتفينا بإصداراتهم ونشأت بيننا وبينهم شراكات وأنجزنا كتبا مشتركة. من تونس لنا أصدقاء وصديقات مبدعين ومبدعات في الأدب والسينما ساهموا في التعريف بالفضاء ومساندته لن اذكر الأسماء بل أحييهم جميعا لعرفانهم وودهم ودعمهم المتواصل. ومن بين الأصدقاء من خارج تونس الكاتب الأردني جلال برجس الكاتب المغربي عبد الله المتقي ومن المغرب أيضا د. العالية ماء العينين والشاعر والفنان نور الدين ضرار.

9- الصالون باب مفتوح للكبار والصغار، فما الذي قدمه لهذه الطفولة¨؟

- في البداية كانت الورشات المخصصة للأطفال كالمسرح والرسم والشطرنج والكتابة والموسيقى تستقطب عددا لا بأس به من المنخرطين لكن تدريجيا بدأ العدد يتقلص وتعود الأسباب ربما إلى تقلص اهتمام الأسر بالثقافة والفنون نتيجة اكتساح وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا اليومية أو ربما وإضافة إلى ذلك ما تعيشه الطبقات الفقيرة والمتوسطة من انخفاض رهيب في القدرة الشرائية وتدهور مستوى العيش عموما.

10- ما الذي أنتجته هذه الورشات التشكيلية والقصصية؟

- الورشات التشكيلية كان لها الفضل الكبير في اكتشاف المواهب وصقلها والتعريف بالأعمال المنجزة فقد نظم نادي عباد الشمس أولا ثم رواق الفنون ريدآر ما يقارب 24 معرضا تشكيليا جماعيا وأطر مئات من المنخرطين والمنخرطات عدد هام منهم صارت لهم اليوم مكانة في الساحة الفنية. أما ورشة الكتابة فإلى جانب نشاطها المستمر في تقديم وتوقيع الكتب بحضور كتابها فإنها أنجزت ثلاث كتب جماعية في الشعر والقصة بالتعاون مع رابطة الكتاب الأحرار / فرع الوطن القبلي وورشة نصر سامي في القصة وهي:

"قطاف الورشات "سنة 2017 صدر بتونس/ "عبق لاحق" سنة 2020 صدر بالأردن/

"غرف العزلة" سنة 2023 صدر بتونس.

11- وماذا عن تنظيم النسخة الثالثة للملتقى الوطني للقصّة القصيرة جدّا، لهذا احتفاء بالقص الوجيز وبالكتاب عموما؟

 - انتهت النسخة الثالثة للملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا بإصدار كتاب “ جمالاية القصة القصيدة جدا “ وتكريما للمبدع الرائد صالح الدمس، بعد كتابين للدورتين الأول بعنوان الإقامة في القصّة القصيرة جدّا في تونس، تكريما للكاتب محمد بوحوش، والثاني بعنوان القصّة القصيرة جدّا تصوّرات ومقاربات تكريما للكاتبة فتحية دبش، وكلها إصدارات جمعت فيهما مداخلات الدورات، مع تنظيم مسابقات للشباب التونسي، ومعارض للكتاب والتشكيل.

12- سابعا ما أحلام الصالون في الأيام المقبلة؟

- سيواصل الصالون نشاطه وكلنا أمل أن يعود إلى الثقافة الإشعاع الذي يليق بها فلا خلاص للمجتمعات التي ترزح تحت التقليد والجمود إلا من خلال الانفتاح على الفنون والثقافة والعلوم لتحرير العقول وبناء حياة راقية تليق بالإنسان.

13- ماذا عن الدعم بعد هذا التراكم من المناشط الثقافية والتشكيلية:

- سنوات من النشاط بلا أي دعم تقريبا وكل ما نقوم به هو مجهود ذاتي ولو لا الشغف لما تواصل هذا النشاط ولو لا أيضا المساندة الدائمة لبعض الأصدقاء لتركنا الساحة وانسحبنا.

14- كلمتك الأخيرة

- كشاعرة أحلم بالقصيد الذي سيحملني على جناحي فراشة قبل الاحتراق بالضوء وأحلم وكفنانة تشكيلية أحلم باللوحة التي توصل هموم الإنسان ومظاهر قهره وصموده ضد كل أنواع القهر. وكمديرة لفضاء ثقافي أحلم باكتساح الناس لكل الفضاءات الثقافية وانخراط كل فئات المجتمع في المشهد الثقافي والفني بعيدا عن المهاترات والنفاق والحقد في عالم يسوده الحب وتسوده والحرية.

***

حاورها: عبدالله المتقي