عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

أمين الزاوي: المقاومة بالثقافة

في كل بلدية معهد للموسيقى

أفصح اللغات العالمية هي الموسيقى، والمجتمع الذي يمتلك أذناً موسيقية جماعية يكون فيه المواطن مستعداً وقابلاً للعيش المشترك في سلام مع الآخر المختلف عنه، فالموسيقى لا تؤلف بين القلوب فقط بل تؤلف بين العقول أيضاً..  منعطف حاسم

اليوم حين يأمر رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بحسب بيان مجلس الوزراء المؤرخ في فبراير (شباط) 2026، بإنشاء معاهد للموسيقى في بلديات الوطن كافة والتي يبلغ تعدادها 1541 بلدية، فهذا موقف سياسي وجمالي نبيل يصدر عن أول مسؤول في البلاد، موقف يتماهى مع طبيعة المواطن الجزائري المحب للفرح، إنه قرار وموقف يدرك جيداً بأن بناء دولة حديثة ومعاصرة لا يكون بالأسمنت المسلح فقط ولكن أيضاً بأسمنت الجمال الناعم.

في الجزائر لم ينتبه كثير إلى أهمية مثل هذا القرار الذي أتمنى أن يتجسد على مستوى الواقع بكل أبعاده الحضارية والجمالية والسياسية، فهو قرار رئاسي يعيد للموسيقى مكانتها بوصفها مقاومة ناعمة ضد كل سلوك يائس أو بائس أو انتحاري.

إن فكرة إنشاء معهد موسيقي في كل بلدية هو مشروع حضاري كبير لا يقل أهمية عن مشروع مد خطوط السكك الحديد من العاصمة إلى تمنراست في الجنوب، والتي تبعد بنحو 2000 كيلومتر، ولا يقل أهمية عن مشروع تأسيس شركة مزارع وحظائر الأبقار في أدرار بالجنوب والتي ستغطي كما هو متوقع 50 في المئة من نسبة الحليب المستورد، ولا يقل أهمية أيضاً عن الاستثمار في منجم غار جبيلات للحديد.

إن مشروع معهد موسيقي في كل بلدية هو استثمار في منجم الإنسان صانع الغد وصانع الثروة وصانع السكك الحديد ومربي الأبقار وحامي الأمن الغذائي الوطني هو أولوية الأولويات، وإذا ما تأملنا الدلالات الفلسفية لمشروع معهد للموسيقى في كل بلدية سنجد بأنه يمثل ثورة ثقافية حقيقية.

علّمنا التاريخ الإنساني بأنه لا يمكن لأي مشروع اقتصادي أو تجاري أو فلاحي أو صحي أن يحقق مبتغاه في غياب نسيج ثقافي جمالي يحميه ويشكل من حوله طوق نجاة إن على مستوى الفرد أو الجماعة.

الموسيقى هي اللغة العالمية التي يتكلمها الجميع بغض النظر عن لغاتهم الأصلية المحلية وبغض النظر عن عقائدهم وأديانهم وألوان بشراتهم، وهذا المشروع الجمالي الحضاري الضخم المتمثل في إنشاء معهد للموسيقى في كل بلدية هو معركة حقيقية ضد التطرف، ضد ثقافة الانتحار، ضد ثقافة اليأس، هو الطريق إلى اكتشاف لمواهب موسيقية كثيرة كثيراً ما جرى اغتيالها يومياً بالصمت تارة وبالأحكام المسبقة تارة أخرى. لقد ركزت الدولة الوطنية طويلاً اهتماماتها على الجانب المادي المتمثل في توفير السكن والنقل والصحة والمواد الغذائية والتعليم، لكن هذه الجبهات على أولويتها وأهميتها القصوى لا يمكنها أن تكون محصنة إذا لم تتقدم في ظل مجتمع يكون فيه المواطن يعيش في علاقة منسجمة مع الثقافة والفنون الراقية، فلا المستشفيات ولا الطرقات ولا وسائل المواصلات العامة ولا المدارس ولا المساكن الاجتماعية يمكنها أن تظل في حال صحية جيدة إذا لم تكن متوازية مع إستراتيجية لتوزيع الخيرات الجمالية على المجتمع الذي يحضن هذه المشاريع المادية ويستفيد منها.

مواجهة خطر التطرف

إن مواجهة خطر التطرف بأشكاله كافة لا يكون على الجبهة الأمنية فقط، وإن كان لهذه الأخيرة دور كبير، إنما يجب أن يرفق هذا العمل الأمني بإستراتيجية محكمة لصناعة إنسان محصن ضد التطرف وكل الأمراض الأيديولوجية الفاسدة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال انتشار الموسيقى والثقافة وسائر الفنون الراقية.

حين يتجاور وبتناغم المسجد ومعهد الموسيقى وصالة السينما وخشبة المسرح والمدرسة، فاعلم بأن المجتمع يتقدم بخطى ثابتة ومن دون تطرف، وحين يأمر رئيس الدولة بإنشاء معاهد للموسيقى في كل بلديات البلد فإن مثل هذا الموقف ينم عن رؤية إستراتيجية شاملة لمفهوم التنمية المستدامة التي يكون فيها الإنسان المواطن هو الهدف الرئيس، مواطن متوازن يعيش بقلبه وعقله وساعده.

وحتى لا يذهب مثل هذا المشروع النبيل أدراج الرياح بوصفه مكسباً لبناء إنسان جديد، فيجب أن تكون ومنذ الانطلاقة هذه المعاهد قائمة على قوانين واضحة، وأن تتأسس على قاعدة صلبة يقودها فريق من المنشغلين بالشأن الموسيقى والفني حتى لا تتعرض للإهمال فتحول عن أهدافها التي أنشئت لأجلها.

الدول التي لا تصنع مواطنها بالثقافة والفن والعلم معرضة للانهيار في كل حين، لأن التركيز على الجانب المادي لا يمكنه أن يضمن مستقبلاً مشعاً وديمومياً للبلد، إن أفصح اللغات العالمية هي الموسيقى، والمجتمع الذي يمتلك أذناً موسيقية جماعية يكون فيه المواطن مستعداً وقابلاً للعيش المشترك في سلام مع الآخر المختلف عنه، والموسيقى لا تؤلف بين القلوب فقط بل تؤلف بين العقول أيضاً، فالموسيقى أخلاق سامية.

***

أمين الزاوي

عن موقع إندبندنت عربي، يوم: 23/5/2026