عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

بقلم صبيح الكعبي: الشخصية المتزنة

رمز الثقة وركيزة بناء المجتمع

لا تُقاس مكانة الإنسان بما يمتلكه من مال أو جاه أو نفوذ، ولا بما يشغله من موقع اجتماعي، بل بما يتركه من أثر في نفوس الآخرين، وما يجسّده من صدق في القول، واستقامة في السلوك، وتواضع في التعامل، واتزان في المواقف. فالشخصية المتزنة ليست صورة يصنعها الإنسان لنفسه أمام الآخرين، وإنما حصيلة تربية راسخة، وأخلاق أصيلة، وتجارب تنضج بها الرؤية، ومسيرة تكشف حقيقة المبادئ عند الاختبار.

وتبدأ قيمة هذه الشخصية من مصداقيتها؛ فالإنسان الذي تتطابق أقواله مع أفعاله يكتسب ثقة الآخرين واحترامهم من دون أن يسعى إلى استعراض مكانته. أما حين تتباعد الوعود عن الممارسات، وتتبدل المواقف تبعاً للمصالح، فإن الثقة تتراجع مهما امتلك صاحبها من إمكانات. فالمصداقية لا تُبنى بكثرة الكلام، بل بالوفاء بالوعد، والاعتراف بالخطأ، والالتزام بالمبادئ في مختلف الظروف، وهي بذلك تمثل الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الإنسانية السليمة.

وإذا كانت المصداقية ثمرة تظهر في سلوك الإنسان، فإن جذورها الأولى تنشأ في التربية؛ ففي الأسرة يتعلم الطفل الصدق واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية، وفي المدرسة تتسع مداركه، وفي المجتمع تُختبر القيم التي نشأ عليها. ومن هذا الترابط تتشكل الأخلاق بوصفها ميزاناً يوجّه السلوك ويضبط القرارات، لا مجرد شعارات تُرفع في المناسبات. فكلما اقترنت المعرفة بالمسؤولية، والقوة بالإنصاف، والمكانة بالتواضع، ازدادت قدرة الإنسان على الإسهام في بناء مجتمع متماسك تسوده الثقة والاحترام.

غير أن القيم، مهما رسخت في النفس، لا تكتسب أثرها الكامل إلا حين تتحول إلى ممارسة يومية. فاحترام الرأي المخالف، وحسن الاستماع، وضبط النفس عند الغضب، والابتعاد عن التعالي، مواقف تكشف نضج الشخصية وعمق تربيتها. والتواضع في هذا السياق لا يعني ضعفاً أو تنازلاً عن المبادئ، بل يعبر عن ثقة الإنسان بنفسه وقدرته على التعامل مع الآخرين من دون انتقاص من شأنهم. فالتأثير الحقيقي لا يقوم على فرض الهيبة، وإنما على استحقاق الاحترام، ولا يتحقق بالصوت المرتفع، بل بثبات الموقف ونبل السلوك.

ولأن المواقف هي المحك الذي يكشف حقيقة المبادئ، فإن التاريخ يقدم لنا نماذج تستحق التأمل في العلاقة بين اتزان الشخصية والمسؤولية العامة. فقد ارتبطت سيرة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بمحاولات الإصلاح وإقامة العدل وردّ المظالم، وأصبحت تجربته حاضرة في الذاكرة التاريخية عند الحديث عن مسؤولية الحاكم وواجباته الأخلاقية. وتبرز أهمية هذه التجربة في أن المكانة لا تمنح صاحبها قيمة أخلاقية تلقائية، بل تتحدد بما يسعى إلى تحقيقه من إنصاف، وما يقدمه من عمل لخدمة الصالح العام.

وفي التاريخ المعاصر، تقدم تجربة نيلسون مانديلا شاهداً آخر على أثر المواقف في تشكيل رمزية الإنسان. فقد أمضى أكثر من سبعة وعشرين عاماً في السجن بسبب نضاله ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ثم أسهم في الانتقال ببلاده نحو الديمقراطية، وجعل المصالحة الوطنية محوراً أساسياً في مشروعه السياسي. ولم تكن تجربته خالية من التحديات أو الخلافات، غير أن اختياره العمل من أجل مستقبل مشترك، رغم قسوة التجربة التي عاشها، جعل سيرته موضع تأمل في الصبر والتسامح وتجاوز الأحقاد. وعلى اختلاف الظروف التاريخية والسياسية التي أحاطت بعمر بن عبد العزيز ومانديلا، تبرز قيمة مشتركة تتمثل في أهمية توظيف المكانة والمسؤولية لخدمة الناس، وفي قدرة المواقف على منح المبادئ معناها العملي.

ومن هذين النموذجين ننتقل إلى أثر الشخصية المتزنة في المجتمع؛ فهي لا تقتصر على إصلاح الفرد لنفسه، بل قد تتحول إلى مصدر إلهام لمن حوله، حين يرى الناس في سلوكها تجسيداً للقيم التي يؤمنون بها. فالأب الذي يعدل بين أبنائه، والمعلم الذي يصون كرامة تلاميذه، والمسؤول الذي ينصف المواطنين، والمثقف الذي يحترم الحقيقة، جميعهم يسهمون في ترسيخ الثقة وبناء الوعي. ولا يشترط أن يكون الإنسان صاحب منصب أو شهرة حتى يترك أثراً؛ فقد يبدأ التأثير من موقف صادق داخل الأسرة، ثم يمتد إلى محيط أوسع، حتى تصبح القدوة سلوكاً تستلهمه الأجيال.

ومن هنا، فإن بناء الشخصية المتزنة ليس مسؤولية الفرد وحده، بل هو مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية. ويتطلب ذلك بيئة تحترم النزاهة، وتقدّر الكفاءة، وتكافئ العمل الصادق، وتتيح للإنسان مراجعة أخطائه وتصحيح مساره. فحين تتسع الفجوة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، تضعف الثقة وتتراجع فرص التأثير الإيجابي؛ أما حين تتوافق المبادئ مع السلوك، فإنها تتحول إلى قوة أخلاقية تسهم في تماسك المجتمع واستقراره .

وفي المحصلة، لا تُبنى المجتمعات بمواردها ومؤسساتها وحدها، بل تحتاج إلى الإنسان الذي يمنح هذه المؤسسات روحها، ويجعل القيم جزءاً من الحياة اليومية. فالشخصية المتزنة ليست إنساناً معصوماً من الخطأ، وإنما إنسان يراجع نفسه، وينصف غيره، ويتحمل مسؤولية كلمته وموقفه. وإذا كانت المصداقية أساس الثقة، والأخلاق ميزان التعامل، والتواضع عنوان النضج، فإن المسيرة الصادقة هي الشاهد الذي يجمع هذه المعاني ويمنحها قيمتها الحقيقية .

إن الاستثمار في بناء الإنسان المتزن هو استثمار في استقرار المجتمع ومستقبله؛ لأن الأثر الطيب قد يتجاوز عمر صاحبه، ليبقى قيمة تتناقلها الأجيال، وذكرى تستمد منها طريقها نحو غد أفضل. فالأمم لا تخلّد أسماء أبنائها بما يقولونه عن أنفسهم، بل بما يتركونه في حياة الآخرين من عدل وثقة وأمل.

***

بقلم صبيح الكعبي

في المثقف اليوم