عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: التحابطية!!

حبط: بطل، فسد وذهب سدى

أحبط: أفسد، أبطل

الإحباط: إعاقة النشاط المتجه نحو هدف، أما بإيقافه او التهديد بإيقافه، أو الإيحاء إن مآله إلى الهزيمة والخيبة.

ما يعترينا إفساد الصالح فينا، ولدينا طاقة لتثبيط عزائم بعضنا، وهدر طاقاتنا، ومناوأة أي تطلع إستشرافي وثاب.

ولهذا تجدنا بلا قدرة على التأثير والتغيير، ومعظم جمعياتنا وتجمعاتنا مصيرها الفشل، والتأسن في مدارات ما فينا من الأهواء المعجونة بأمّارة السوء المتسيّدة على وعينا الجمعي.

وهذه بعض العوامل المبنية على الملاحظة والتجربة:

أولا: غياب الهدف الجامع

من الصعب في مجتمعاتنا الإعتصام بهدف مشترك جامع، ولهذا فالمصالح المشتركة لا قيمة لها ولا معنى، وكل منا يغني على ليلاه المدنفة (مَن أضناه الحب وأتعبه) في دنياه.

فلكل هدفه ورأيه المتمترس فيه ولا يرى هدفا سواه، فالغلو منطواه، ويكره سواه.

ثانيا: التناحرية

تناحر: تخاصم بعنف وقوة

ينطبق علينا القول "وما اجتمعت بأذواد فحول"، فالروح الغابية فاعلة فينا ومؤثرة في مسيرتنا على كافة المستويات، ولهذا ما أصلح أمر الأمة سُراتها.

التناحر بأنواعه وأساليبه قائم في مجتمعاتنا، والشجاع مَن ينال من غيره ويحط من قدره ويسفه ما يقدمه للبلاد والعباد.

ثالثا: معاداة الناجحين والمتميزين

من عجائب سلوكنا أننا نضع المصدات والعثرات أمام الناجحين من أبناء أمتنا، ولا نريد التصديق بأن لدينا طاقات وقدرات ذات قيمة حضارية معاصرة، بل تجدنا نهرول وراء الآخرين ونحسب أننا دونهم بكثير، ونتوهم أننا في مستنقع وعلينا أن نأكل بعضنا لنبقى إلى حين.

رابعا: نكران التطور والتقدم وعدم الإعتراف بأن الأرض تدورر

ليس غريبا إذا قلنا بأن العديد من أبناء الأمة ينكرون دوران الأرض ولا يتفكرون في توالي الليل والنهار، والعديد من نخب الأمة يتجاهلون أو يتغافلون عن هذه الحقيقة وكأنهم يعيشون في عصر كوبرنيكوس.

أي أنهم يتمترسون فيما بدا لهم راسخا وفاعلا في الحياة وفقا للزاوية العليلة التي يحدقون فيها ومنها، وتلك معضلة خفية ذات آثار سلبية كارثية.

خامسا: القهقرية

أي الإندفاع للتدحرج إلى الوراء، فالميل للخطو إلى الوراء منهج معزز بآليات نفسية وسلوكية، جعل الأجيال تبدو وكأنها تتزحلق على السفوح بتعجيل متسارع نحو وديان الغياب.

فالكل ورائي النظر، وكأن عيونه خلف رأسه، ولا يبصر ما يرى، بل يحسب أنه يرى وفقا لما تمليه عليه مطموراته المتسيدة عليه.

سادسا: تفسير الأحداث المعاصرة بما جرى سابقا بتبريرية فاضحة

لا يوجد حدث معاصر إلا وتحقق تفسيره وفقا لما جرى فيما مضى من العقود والقرون والعصور، وهذه حالة تراجعية تمويتية لا تعترف بالحاضر ومفرداته، وتميل إلى الإتيان بالغوابر وفرضها على زمن لا يعرفها ولا تعرفه.

سابعا: لا يجوز الإعتراف بقدرات بعضنا

من الخطوط الحمراء المفروضة علينا، ونجهل مصادرها، أو نتغاضى عنها خوفا ورهبة، أن لا يسمح لنا بالتفاخر ببعضنا، لأن في ذلك سلوك إيجابي بنّاء، والمطلوب السلوك السلبي الهدام، لنبقى في خنوع وإمتثال لإرادة الآخرين.

ثامنا: الإعلام التقنيطي

إعلامنا مروّج لما يحط من قدراتنا، ويمعن بإلهائنا وتغييبنا وتنويم الأجيال وتخديرها بطروحات متنوعة، ذات إنحدارية عالية نحو تجريدها من دورها الحضاري، وإخراجها من دائرة الحياة، وذلك بتحبيب الموت ونكران الدنيا وما فيها، وفقا لمعتقدات مسوّقة وأضاليل مؤججة للعواطف والإنفعالات.

تاسعا: الفريسة يجب أن تتمرغ بمأساتها

إستلطاف المآسي والويلات مشروع ذو ربحية عالية، ووسيلة ناجعة لصناعة القطيع الرابض في ميادين السمع والطاعة، وإعتبار الأحداث من المسلمات المرسومة والأقدار المحتومة، وعلينا الإستسلام وإستعذاب النكبات والتغني بالتداعيات، واللوذ بالصمت وذرف الدموع الآسيات.

عاشرا: العاطفة عقلنا الفاعل فينا

العواطف المؤججة تقودنا إلى سلوكيات إنعكاسية ذات تداعيات مأساوية، وتترجم في واقعنا الدامي إرادة  " سبق السيف العذل"، ثلاث كلمات تمحق الإثم والخطيئة، وتحررنا من تأنيب الضمير، وتدعونا إلى تكرار ردود أفعالنا الآنية.

حادي عشر: إغماط حق الآخرين شجاعة

أسس تربيتنا وتنشأتنا غابية الأركان ويحكمها القول: " إذا لم تكن ذئبا ذؤوبا بالت عليك الثعالب"، هذا هو المسار المخفي في حياتنا التي نحاول أن ندثرها بأنواع الأقنعة، وخصوصا التي تتصل بالقيم السامية، فالبشر يرتدي أزياء غيره وما فيه لا يبديه بوضوح، بل بمخاتلة ومراوغة معقدة.

ثاني عشر: النفس الطاغية

الطغيان من أهم أركان وجودنا، ويعتمل في دنيانا، ونكون مؤهلين للتعبير عنه عند أية فرصة تعزز فرديتنا وتمنحنا صلاحيات إتخاذ القرار. وهذه الروح الطغيانية تعطل التشاور والتحاور والإنصات للرأي الآخر، وتؤكد على الإستبداد والإنفراد في كل شيئ لتأكيد الذات المكلومة.

ثالث عشر: الجوع النفسي

الحاجات النفسية للبشر في مجتمعاتنا لم يتحقق إرضاؤها، ولهذا فأنه محمّل بكدمات وجراح وأقياح نفسية متنوعة، ما أن تجد فرصة مواتية حتى تنطلق، والمؤلم أن الكثير من أبناء المجتمع يكنزون دمامل محتقنة بالأقياح، والويل لنا من إنفجارها، فالأقياح النفسية المتراكمة فينا تقودنا إلى سوء المصير.

رابع عشر: التنافس المجهول

في واقعنا التنافس يعني التقاتل والإنتقام من بعضنا، فمفهوم التنافس بيننا غير محكوم بضوابط ذات قيمة وطنية أو مجتمعية، إنه تناطح أكباش وصراع ديكة، ومبارزة دامية، الفائز فيها قاتل والخاسر مقتول.

خامس عشر: الإعتصامية الغائبة

نجهل ما يعصمنا ويجمعنا ونقترب منه إن عرفناه بإنفعالية تقضي عليه وتكرهنا به، وبرغم معرفتنا بالآية " واعتصموا بحبل الله جميع ولا تفرقوا..."، لكننا أغفلنا كل حبال الألفة والمودة والرحمة والتمسك براية، قل هو الله أحد، وقديما قال حكماؤنا

"تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا

وإذا افترقن تكسرت آحادا"

سادس عشر: صعوبة العيش كأحرار

فلا بد لنا من شخص نضفي عليه هالة القدسية ليأخذنا إلى حيث يشاء، ونحن نتبع نخنع ومَن يرفع صوته يستحق الرجم والإعدام

سابع عشر: الغدر والخيانة

الغدر شطارة والخيانة بسالة، ولهذا لا نحفظ العهود والمواثيق، والكراسي السلطوية في مجتمعاتنا تدوس على رقبة الدستور والقانون، والعديد من المتنفذين لا يمسهم القانون، ويكون وسيلتهم للنيل من الآخرين.

ثامن عشر: الإذعانية

مجتمعات الإذعان للآخرين لا تمتلك إرادة تقرير المصير، ومن الواضح أن السائد في طروحاتنا، أن ما حصل لنا سببه أن الآخرين قروره وأرادوه، ولا نجرؤ على التساؤل عن إرادتنا، فالحياة صراع إرادات، فلماذا نلغي إرادتنا ونلقي باللوم على غيرنا؟

تاسع عشر: التواكلية

سلوك الإعتماد على الغير يتحرك بنشاط مروع في مجتمعاتنا، ويمثل علاقة الطفل بوالديه، وكأن لكل شيئ في حياتنا أبٌ وأم، وعلينا أن نلقي بأوزارنا عليهما، ومن النادر أن تجد من يعتمد على نفسه ولا يتواكل على غيره.

وهذا واضح في سلوك أنظمة حكمنا التي تغذي الإعتماد عليها لتتمكن من الحكم بالحرمان والقهر والجور المبرر بألف حيلة وحيلة.

عشرون: الإدعائية

لا يوجد بيننا من لا يعرف، ولا مَن يرى أن الله أعلم، وأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا، الجميع يعرفون، وفي جهلهم وغفلتهم يغرقون، وبكل ما لا تعرف يعرفون، وكأننا كرات بليارد متصادمة، والحقيقة الغائبة أو المتجاهلة أننا لا ندري شيئا في خضم الوجود المتسع الأطراف، لكننا ندعي ما ندعيه، ونندس في جلابيب الأوهام.

هذه بعض العوامل التي تساعدنا على فهم تبعثرنا وتناثرنا كالهشيم، رغم ما يجمعنا ويؤسس لقوتنا المتميزة وإبداعنا الأصيل.

فهل لدينا القدرة على إستثمار طاقاتنا وبناء وجودنا الحضاري المنير؟

***

د. صادق السامرائي