عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أنور ساطع أصفري: تلازم الحرية مع الوعي والنضج الثقافي

من يمنح الحرية لجاهلٍ، كمن يمنح سلاحاً لمجنون

 الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس يرون أن الحرية، إذا لم تُصاحبها المعرفة والوعي والنضج الأخلاقي، قد تتحول من نعمةٍ إلى مصدرٍ للقلق والتعاسة.

الحرية ليست مجرد غياب القيود، وإنما هي القدرة الفعلية على الاختيار المسؤول قولاً واحداً. وكلما اتسعت مساحة الحرية، ازدادت مسؤولية الإنسان عن قراراته ونتائجها.

وإذا كان الإنسان يفتقر إلى الوعي والنضج، فإنّه قد يسيء استخدام حريته، وسيقع في مستنقع الحيرة والفوضى والندم.

لقد أشار الفيلسوف إريك فروم في كتابه " الهروب من الحرية " إلى أن بعض الناس يخشون الحرية لأنها تُحمّلهم مسؤولية الاختيار، فيفضّلون الهروب إلى التبعية أو الامتثال للجماعة، لأن ذلك يعفيهم من عبء اتخاذ القرار.

كما أنّ " جان بول سارتر " رأى أن الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، أي أنه لا يستطيع التهرب من مسؤولية اختياراته، وهذه المسؤولية قد تولّد القلق الوجودي إذا لم يمتلك الإنسان رؤية واضحة لحياته.

ومن منظورٍ نفسي واجتماعي، يمكن القول إن الحرية بلا وعي تؤدي إلى:

تضخم الرغبات دون ضابط.

العجز عن اتخاذ القرار بسبب كثرة الخيارات.

الوقوع في الإدمان أو السلوكيات الهدامة باسم الحرية الشخصية.

فقدان المعنى، عندما تصبح الحرية غاية في ذاتها لا وسيلة لتحقيق حياة أفضل.

الشعور بالوحدة والاغتراب نتيجة غياب المرجعيات الفكرية والأخلاقية.

أما الحرية المصحوبة بالوعي، فهي تختلف جذريًا:

 إذ يصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين ما يريده وما ينبغي أن يريده، وبين الرغبة العابرة والمصلحة الحقيقية. فالوعي يمنح الحرية اتجاهًا، والنضج يمنحها حكمة، والأخلاق تمنحها حدودًا تحفظ كرامة الفرد والمجتمع.

ولعل من أجمل ما يمكن قوله في هذا السياق:

ليست المشكلة في أن يكون الإنسان حرًا، بل في أن يكون حرًا قبل أن يتعلم كيف يستخدم حريته. فالحرية بلا وعي قد تتحول إلى فوضى، وبلا مسؤولية قد تصبح عبئًا، وبلا قيم قد تنقلب إلى طريق يقود الإنسان إلى تعاسته بدلًا من تحقيق إنسانيته.

ولهذا يمكن أن نقول:

الحرية ليست نقيض القيود، بل نقيض الجهل. وكلما ازداد الإنسان وعيًا ونضجًا، أصبحت حريته أكثر قدرة على صناعة السعادة والمعنى، لا على إنتاج الفوضى والتعاسة.

إن الحرية ليست قيمةً مكتملةً بذاتها، وإنما هي طاقة إنسانية تحتاج إلى عقلٍ يوجّهها، وضميرٍ يضبطها، وحكمةٍ ترشدها. فإذا سبقَت الحريةُ الوعيَ، تحولت إلى فوضى، وإذا انفصلت عن المسؤولية، أصبحت عبئًا على صاحبها وعلى المجتمع.

 أما الحرية التي تنبع من المعرفة والنضج، فهي ليست مجرد حقٍ في الاختيار، بل قدرةٌ على اختيار الخير، واحترام الآخر، وتحمل نتائج القرار. ومن هنا، فإن بناء الإنسان الواعي يسبق توسيع مساحة الحرية؛ لأن الحضارات لا تنهض بكثرة الحريات وحدها، بل بعمق الوعي الذي يحسن استخدامها.

وأختم بحكمة يمكن أن تكون عنوانًا أو مقولةً في مستهل بحث:

"ليست الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يشاء، بل أن يعرف لماذا يشاء، وأن يدرك إلى أين يقوده ما يشاء."

***

د. أنور ساطع أصفري

في المثقف اليوم