لطالما راودني، في غفلة أحلام اليقظة، شعور خبيث بأن مسرحنا المدرسي ليس سوى الندبة الأكثر براءة على جسد تعليم مات واقفاً.
أجل، إنني لا أثق به، كما لا يثق المرء بابتسامة المأذون. لا أثق به لأنهم حولوه إلى طقس من طقوس العبث المهذب، إلى ذيل بائس للمناهج العرجاء، أو إلى عظات أخلاقية جوفاء يلقيها صغار ترتعش فرائصهم، لا من خشية الله، لكن من خشية معلم يتربع في الصف الأمامي، ينظر إليهم بعيني رب غاضب، وأولياء أتوا لاقتناص الصورة التذكارية، لا لاقتناص لحظة دهشة عابرة.
لقد صار مسرحنا المدرسي مثل حصص "التربية الرياضية"، تلك الجملة المستحيلة، إذن كيف تربى الروح وهي في منفى الجسد؟ صار بنداً روتينياً، معادلة نظرية عقيمة، إذا ما طبقت، ولدت في القلب كراهية المسرح والرياضة معاً، ودفعتك إلى التعلق بحلم القعود على دكة البدلاء، متفرجاً على عرض حياتك المبتور.
لهذا، حين همس صديقي في أذني بخبر عرض "طب وآخرتها" للمخرج هاني كمال، لم أفعل سوى أن رفعت حاجباً واحداً. تلك الحركة الأثرية التي ورثناها عن أجداد السخرية في أفلام الأبيض والأسود، حركة تقول بوقار المتفرجين لا بجهل المستهزئين: "هات ما عندك أيها الساحر، ولنر إن كنت ستخرج الأرنب من القبعة، أم القبعة من بطن الأرنب!". وذهبت كي أرى. وعدت كي أكتب. وها أنا أكتب، مما يعني أن شيئاً خارجاً عن ناموس الخراب المعتاد قد حدث. شيئاً يستحق أن نشهر به، لا أن نربت على كتفه.
فصول خمسة.. كمحكمة تفتيش في ضمير ميت
تتوزع المسرحية على خمسة فصول. وحين وقع عليها بصري في البرنامج، تساءلت بهلع من يخاف على الزمن من عبث العابثين: "يا سيدي، هل نحن بصدد محاكمة الصغار أم تعذيبهم؟ هل يخرجون من العرض وقد أدركهم المشيب قبل أن يدركوا الحكمة؟".
لكن العجيب أن الزمن في القاعة تسلل خفيفاً، ماكراً، كروح لص عتيق يدرك أن ثمة مهمة عاجلة تنتظره. كل فصل كان طعنة مباغتة، لا في خاصرة الجسد، لكن في خاصرة الروح المصرية الراهنة. طعنة لا تميت، بل توقظ، والمسافة بين الطعنتين هي المسافة بين الموت واليقظة بعينها. مسافة قطعها العرض في ساعة ونصف، ونحن نقطعها منذ عقود ولم نصل.
التريند.. صنم العصر!
في الفصل الأول، تستقبلنا مسابقة غنائية يتسابق فيها ثلاثة. ثلاثة! للعدد ثلاثة هيبة درامية عجيبة، كأنها الثالوث المقدس للتفاهة (الخير، والشر، وذاك المغلوب على أمره البائس). وتنتهي المسابقة بفوز صاحب الكلمة الصادقة. عند هذا الحد، تجمد تصفيقي في حلقي، وتساءلت بسذاجة الحالم الأخير: أما زلنا نعتقد أن الصدق ينتصر؟ هل بقي من يظن أن الكلمة الصادقة قادرة على دحر الضجيج الأجوف، وتصفيق المأجورين، ولجان ابتياع الضمائر التي صارت أرخص من ثمن كوب شاي في مقهى رصيف؟.
يبدو أن المخرج هاني كمال ما يزال يصدق، أو أنه يريد للأطفال أن يصدقوا، ولو لساعة درس مسروقة من جدول الحصص. وفي هذا وحده ما يكفي من الجسارة حتى نرفع له القبعة، أن تحمل الصغار على الإيمان بغلبة الصدق في عصر صار فيه الفن مجرد صراخ منظم، والموهبة "ترينداً" يولد ميتاً، وتنطفئ شمعته قبل أن يستوفي النهار أجله. لقد تحولت الوسائط الاجتماعية إلى صنم، أجل، صنم بلا سدنة، ندور حوله آناء الليل وأطراف النهار، نذبح له قرابين الساعات والأعصاب وأسرار البيوت، ونسجد له كلما رن بإشعار جديد. والمسرحية تبدأ من هذه النقطة بالذات، من تحطيم هذا الصنم في هدوء، بمشهد مسابقة وأغنية، وكأنها تسر للأطفال بلا خطابة ثقيلة: تأملوا، هذا الذي تركضون وراءه، أتراه يستحق حقاً كل هذا الركض؟ أم أنه مجرد ظل لوهم على جدار كهف رقمي؟
التنمر.. رياضتنا الأثيرة
في الفصل الثاني، يطل التنمر برأسه. التنمر صار رياضتنا الوطنية الضاربة جذورها، نمارسها باحتراف لافت، مثل كرة القدم والسكري وارتفاع الضغط. نمارسها في المدرسة، في الطريق، في دواوين الحكومة، تحت قبة البرلمان، وفي أحضان العائلة. السخرية من الهيئة، من طريقة النطق، من اللهجة، من اللباس، من التقاطيع. نحن شعب مولع بالسخرية، لا أدري لماذا. ربما لأن السخرية من الآخر هي أقصر الدروب إلى الشعور بالتفوق بلا كلفة، أو ربما لأننا نمقت أنفسنا في الخفاء، فنسقط هذا المقت على من هم أضعف، انتقاماً من مرايانا التي نكرهها. تتصدى المسرحية للتنمر المدرسي تحديداً، ذاك الذي يستشري في فسحة المدارس، وفي الحمامات، ذاك التنمر الذي يحيله المدرسون عادة إلى "شوية هزار" أو "دمه تقيل"، وكأن الرضا النفسي أوجع من رضا الجسد. والمخرج هنا، في ومضة ذكاء لاذع، لا يقف عند حدود شجب المتنمر، بل ينفذ إلى صلب العلة، ليدرك أن المتنمر ذاته ضحية؛ ضحية أسرة غافلة، أو محيط قاس، أو إعلام يصطنع نماذج مستحيلة للكمال الجسدي والاجتماعي. هذه الرؤية المركبة عزيزة حتى في أعمال الكبار، فكيف بها في مسرحية مدرسية!
ومع هذا، فإن ما يستدر ضحكاً مشوباً بمرارة العلقم أن المسرحية تقترح حلولاً للتنمر. حلولاً! في مدرسة مصرية! كأن تقول "رجاء كف عن التنمر". فيرد الآخر "حاضر، آسف، لم أكن منتبهاً". هل جرى مثل هذا في الواقع قط؟ بالقطع لا. بيد أن المسرح، كما نعلم، ليس مرآة لما هو كائن، بل نافذة لما ينبغي أن يكون. هذه هي رسالة الفن الجوهرية، أن يريك العالم كما ينبغي أن يكون، لا كما هو قائم، حتى تصاب بغضب معاف يدفعك نحو التغيير، لا باكتئاب سقيم يدفعك نحو الانزواء.
الخوف المزدوج.. وحوش على ساقين
في الفصل الثالث، ننتقل إلى منطقة أشد عتمة وأكثر التصاقاً بجنون هذا الزمن: التحرش واستدراج الأطفال. الغريب الذي يغري بالحلوى، ذاك الذي يعرض اللعبة المجانية، الذي يزعم بابتسامة صفراء: "أنا صديق بابا وماما، تعال معي". هنا، ساءلت نفسي سؤالاً مضنياً كيف تخبر طفلاً أن في هذا العالم وحوشاً تسعى على ساقين، دون أن تهدم كل ذرة ثقة في روحه الغضة؟ كيف تقول له "لا تأتمن أحداً"، ثم تطالبه مع حلول المساء أن يكون سوياً نفسياً، يلعب ويضحك ويحب الناس؟ المعادلة مستحيلة، أشبه بمحاولة تعليم سمكة المشي على اليابسة.
لكن المسرحية تسعى إلى حلها، لا بالتخويف الأجوف، لكن بالتمكين. لا ببث الهلع من كل غريب، بل بتعليم الطفل كيف يميز، كيف يتحسس رائحة الخطر قبل أن يفاجئه. المعضلة أننا في مصر حولنا التوعية إلى ترويع مرضي. نقول للطفل: "انتبه، الدنيا كلها ذئاب". فيكبر وهو يبصر الوحش كامناً في كل محيا، ثم نستغرب بعد عشرين عاماً لماذا أضحى الجميع عدوانيين، لا يثقون حتى في ظلالهم، جاهزين للانقضاض على بعضهم بعضاً؟ المسرحية تفعل النقيض، تخاطب الطفل بيقين، ثمة خطر، أجل، لكنك قادر على أن تحمي ذاتك. لست عاجزاً، أنت قوي. وهذا هو الحد الفاصل بين التوعية الذكية والتخويف الأبله.
فصول اليتم الأخيرة..
ثم يهل الجزء الذي كنت أترقبه بقرف العارف (الشائعات، والضغوط الدراسية). أو كما أحب أن أصفهما درس في "كيف ندمر مستقبل أبنائنا بمنتهى الشرعية والدستورية".
الشائعات! في بلد يستحيل فيه كل منشور على فيسبوك إلى "خبر عاجل"، وكل مقطع صوتي مجهول المصدر إلى "مصدر رفيع"، تجيء المسرحية لتخاطب التلاميذ: "تحققوا. تفكروا. لا تبتلعوا كل ما يلقى إليكم". يا لها من دعوة تحريضية! كأن المسرحية تطلق ثورة عقلية صغيرة في جمجمة كل طالب. أن تشك، أن تسأل، أن تبحث. هذه هي أداة الصمود في زمن الشائعات. غير أن المرارة تكمن في أن هذه الأداة لا تدرس في مدارسنا الحكومية. نظام التعليم قاطبة مؤسس على ألا تشك، وألا تسأل، وأن تحفظ وتردد كالببغاء، وأنت أخرس.
وهنا نبلغ "الحشو". الكلمة التي وظفها العرض، وأنا أحمد عليها صناعه من صميم القلب. الحشو! يا لها من كلمة دقيقة معبرة ! الحشو هو أن تملأ الشيء بما لا قيمة له، كجوف دمية من قش. هذا تحديداً ما تقترفه المناهج الدراسية بعقول صغارنا، تحشوها بمعلومات عقيمة لا تخلف أثراً غير الصداع واليأس والكره العميق لكل ما يتصل بالمعرفة. المسرحية تجاسرت ونطقت عالياً بما نجبن نحن عن النطق به: نظام التعليم عندنا يحيل الصغار إلى كارهين للمدارس، يحول فضول المعرفة الفطري إلى نفور مرضي، يحول حب الاستكشاف إلى فزع من ورقة الامتحان. والأمر الأشد إيلاماً أن المسرحية تطالب بإعادة الأنشطة: رياضة، رسم، موسيقى. أنشطة! في مدارس لا تكاد تظفر فيها بدورة مياه تصلح للآدميين. ورغم ذلك، تقولها المسرحية، كأنها تسوق خطاباً موجعاً لوزير لا يصغي، لمسئول حول أذنيه إلى مقبرة للأحلام: "اسمع يا سيدي الوزير.. اسمع يا من لا تسمع. اسمع صهيل الخيول قبل أن تتحول إلى جيف".
المخرج الذي تجاسر على الحلم
ثم يخرج المخرج هاني كمال ليدلي بكلمته، التي تكاد تكون بياناً ثورياً في زمن الجدب الثقافي العظيم: "المسرح المدرسي مشروع قومي لتحصين الوعي". ويستطرد بثقة العارف "أي دولة ليس بها فنون هي دولة فقيرة، ولو ملكت خزائن الذهب". تصور! رجل يجاهر بهذا القول الواضح الصريح في عصر غدت فيه الثقافة "بند رفاهية" يضحى به أول الأزمات، وفي زمن ينظر فيه إلى الفنان كبهلوان أو عالة، يقوله بيقين الأنبياء: الفن هو مرآة الأمم، الدليل على التحضر، السلاح الناعم الذي يصون العقول قبل أن يضطر المرء إلى صونها بالرصاص.
أعرف هذا الطراز من المبدعين. هم رجال مؤمنون ، يحبون هذا البلد بصورة عملية صامتة، لا بصورة "بحبك يا مصر" التي تتبدد مع انتهاء الأغنية الوطنية. هم رجال يشتغلون في العتمة. والمسرح المدرسي هو عتمة العتمة، لا يبصره أحد، لا يرصد له أحد ميزانية، لا يلوي إليه أحد عنقه. ورغم ذلك، هنالك من يكدح فيه كالنمل، كالنحل، يبني دون أن يرتقب شكراً أو تهليلاً.
وقبل أن أختم، لا بد لي من ذكر بقية الصناع وهم (الكاتب المبدع الصديق محمد بهجت، والمشرفة إيمان مجدي، ومساعد المخرج أدهم هاني)، والمصممين الذين لا تأتي على ذكرهم نشرات الأخبار، ولا تلتفت إليهم عدسات الكاميرات، لكنهم ينجزون شيئاً أجل من كل ما تنجزه برامج التوك شو مجتمعة؛ إنهم ينجزون وعياً. إنهم يزرعون الألغام في جدران السكون.
في الختام، يظل السؤال الذي طرحته المسرحية اسماً لها، ذاك الاسم المراوغ كحكمة أحمق "طب وآخرتها؟".
طب بعد كل هذا الركض المحموم وراء التريندات الجوفاء؟ بعد التنمر والسخرية؟ وبعد التصديق الأعمى للشائعات كالببغاوات؟ وبعد الحشو التعليمي الذي يذبح الروح داخل الجسد؟ طب وآخرتها إيه؟
المسرحية لا تقدم إجابة. وهذا هو الموقف الصائب، الموقف الوحيد الذي لا يشبه الأكاذيب. لأن الإجابة لو كانت ميسورة، لظفرنا بها منذ فجر التاريخ. الإجابة تستلزم ثورة حقيقية، لا مجرد هتافات. ثورة في التعليم، في الإعلام، في الثقافة، في كيفية تفكيرنا كمجتمع مأزوم، وفي أولويات الدولة التي لا تبصر في الثقافة سوى "مصروف قابل للتأجيل". حين تكف الدولة عن رؤية المسرح المدرسي بوصفه نشاطاً ترفيهياً، وتراه بوصفه مشروع أمن قومي، ستتبدل أمور جمة. لكن إلى أن يحل ذلك الحين المؤجل، يظل هاني كمال وأمثاله يقاومون، يقدمون مسرحياتهم في صمت، يلقون بذوراً في أرض صخرية، ويسقونها بالعرق والرجاء. مجانين، أجل، لكنهم مجانين النور.
رسالة إلى مسئول.. لن يقرأها
لو كان بوسعي أن أسوق رسالة إلى أي مسئول، لقلت له امض فشاهد هذا العرض. امض وحدك، بلا حراس ولا كاميرات ولا صحفيين. اقعُد في المقعد الخلفي من الصالة. أصغ إلى ما تقوله المسرحية. راقب عيون الأطفال وهم يتابعون، تلك العيون التي لم تلوث بعد. ثم سائل نفسك وأنت في عتمة القاعة ماذا أفعل لهؤلاء الأطفال؟ ماذا أفعل لمستقبلهم؟ ماذا أفعل لهذا البلد الذي يتسرب من بين أصابعنا كالماء، كالدم، كالوقت؟
لكنني أدرك أن هذا لن يقع. المسئولون عندنا لا يشاهدون مسرحيات مدرسية. هم مشغولون، أبداً مشغولون. في أي شيء؟ لا أحد يدري. لكنهم مشغولون. مشغولون بتأمل سررهم وهم يغنون أغنية الوطن بلا موسيقى.
المسرحية تنتهي. الستار ينزل. الصغار يصفقون بحماسة، ويخرجون إلى الشارع. في طريقهم إلى البيت، ربما فكر أحدهم لبرهة "طب وآخرتها؟". ربما تشبث السؤال بجمجمته الصغيرة. ربما كبر السؤال معه. ربما، بعد عشرين عاماً، يصبح هذا الطفل كاتباً، أو مخرجاً، أو مدرساً، أو حتى وزيراً. يومها، ربما يتذكر المسرحية. وربما يعقد العزم على أن يصنع "آخرتها" خيراً من "طبها". هذا هو الأمل. مجرد أمل شاحب كمصباح وحيد في عراء اليأس. لكنه، كما تدركون، كل ما نملك في هذا الزمن الشحيح. زمن نبيع فيه الأحلام لنشتري الخبز، ثم نكتشف أن الخبز كان مصنوعاً من قشور الكلمات.
***
عبد السلام فاروق








