عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: الشعر و الشعراء!!

الشعراء عبر العصور يجيدون التقرب لأرباب مغانمهم ومكرماتهم، وهذا لا ينتقص من جودة شعرهم وفرادة شاعريتهم، فالمتنبي كان لسان سيف الدولة ومدّاحه الأثيل، وأبو تمام كان صوت المعتصم، والبحتري كان متزلفا لخلفاء بني العباس في سامراء.

لكنهم شعراء إخترقوا الزمن وتواصلوا مع الأيام، وترسخ وجودهم وتقدموا على غيرهم ، مما يشير إلى أن قيمة الشاعر ربما بقدراته السلوكية التي تستولده شعرا متميزا يستطيع الخلود في وعي الأجيال المتوافدة.

هذا ما يبدو عندما نقرأ مسيرة الشعراء بمنظار نفسي وتقييم سلوكي.

فالبحتري من الشعراء الأفذاذ وصوت زمانه، لكنه من الذين عبّروا عن حقيقة السلوك البشري، وتحكمت به أمارة الرغبات المنفلتة المتحكمة فيه، وكشفت عن شراهته اللامحدودة للمال والتملك المادي.

فالشاعر الذي لا يمتلك مرتكزا قويا يكون مستترا ، فالتقرب لمراكز القوة يرفع من شأن الشاعر ويمنح قيمة لشعره ويساهم في شهرته وهيمنته على الوعي الجمعي.

والشعر إبن زمانه ومكانه، ولكل جيل شعره الناضح من حالته المرهونة به، فتتبدل المفردات والموضوعات لتتواكب مع معطيات الواقع الذي تولد من رحمه، ولهذا فلكل عصر صوته الذي يسوّقه وينطلق به في آفاق الحياة.

وربما للنرجسية دورها في نشر الشعر، فالشاعر الذي يتمكن من صياغة الشعر المؤكد على النرجسية والتضخيم الذاتي وإخراج النفس من قدراتها المحدودة إلى الفضاءات المطلقة يكون لشعره سوقا، كما هي الحالة في شعر المتنبي وأمثاله الذين إنطلقوا بقدرات الذات البشرية، وأوهموها بأنها فوق آفاق الخيالات والتوقعات.

فالشاعر المحابي مرزوق، والصامت والمعارض محروق، وفي غياهب المعتقلات مطلوق، فكل مخلوق يبحث عن زبائن في السوق.

قالَ شعراً بلسانِ العَجَبِ

ومَديحاً في صراطِ الأرَبِ

بنفاقٍ يَتنامى للعُلى

جعلَ الممدوحَ ربَّ العَربِ

بكلامٍ مُسْتَساغٍ طيّبٍ

غَنِمَ المَدّاحُ عِزَّ الطلبِ

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم