عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

محمد غني: رقصة الروح بين دمعة الشوق وبسمة الوصال

في دروب العرفان، تتجلى المحبة الإلهية كأسمى مراتب الوجد، وأعمق ينابيع السعادة الروحية. إنها ليست مجرد عاطفة عابرة، بل هي حال وجودي يغمر القلب والروح، ويصبغ الحياة بألوان من الحلاوة لا يدركها إلا من ذاقها من المحبين للجناب المحمدي وللحضرة الإلهية، هذه الحلاوة تتجلى في أبهى صورها في تناقضات الوجود الإنساني، فمرة تبكي محبة، ومرة تضحك محبة، وفي كلتيهما يجد المحب لله تعالى حلاوة لا تضاهيها حلاوة.

"يقول عز من قائل في محكم التنزيل « و أنه هو أضحك و أبكى »(النجم: 43) فهذه الآية الكريمة من سورة النجم تحمل في طياتها سرا معمقا من أسرار الوجود والوشيجة بين الخالق والمخلوق. إنها إشارة إلى أن الله تعالى الحبيب المحبوب الذي هو مصدر كل الانفعالات و العواطف والأحوال، وهو الذي يقلب القلوب بين حالتي الضحك والبكاء. في سياق المحبة و العشق الإلهيين، فلا يكون الضحك في طريق القوم مجرد تعبير عن الفرح الدنيوي، ولا البكاء مجرد حزن على فوات حظوظ الدنيا، بل هما عند أهل الوجد وجهان لعملة واحدة، تعبران عن تجليات المحبة الصادقة لله.

فالضحك في حضرة المحبين و طريق الولهين العاشقين قد يكون ضحك سرور وغبطة بما من الله به على العبد من قرب، أو فرحا بنعمائه التي لا تحصى، أو بهجة باليقين الذي يملأ الفؤاد. إنه ضحك العارف الذي رأى جمال الحق وتجلياته في الكون، ففاض قلبه سرورا وابتهاجا.

أما البكاء، فهو ليس بالضرورة بكاء حزن ويأس، بل غالبا ما يكون بكاء توق وشوق، أو بكاء خشية وحنين، أو بكاء فرح بالوصول الى المرام بعد طول غياب. إنه بكاء المحب الذي يذرف الدموع شوقا إلى لقاء المحبوب، أو ندامة على تقصيره في حقه، أو خشوعا أمام عظمته وجلاله. وفي كل دمعة حلاوة، وفي كل شهقة راحة، لأنها كلها تصب في بحر المحبة الإلهية.

لتقريب هذا المعنى، يمكننا أن نتأمل في في حال محبة الوالدين للأبناء. فالأبوان يجدان في أبنائهما مصدرا لا ينفد للضحك والبكاء. يضحكان لضحكاتهم البريئة، ويفرحان لنجاحاتهم، ويشعران بحلاوة لا توصف في كل لحظة سعادة يشاركانها معهم.

 وفي المقابل، يبكيان لأجلهم، خوفا عليهم، أو حزنا على أوجاعهم، أو اشتياقا إليهم عند الغياب. هذه الدموع، رغم ألمها الظاهري، تحمل في طياتها حلاوة المحبة الصادقة، لأنها تنبع من قلب محب لا يرى وجوده إلا في وجود أحبابه. فكيف بمحبة الخالق الذي هو أصل كل محبة و معين كل شوق و توق؟

لقد أدركت الحكيمات والصوفيات من سيدات التاريخ هذه الحلاوة العرفانية، وعبرن عنها بكلمات خالدة:

رابعة العدوية، سيدة العشق الإلهي، قالت كلمتها الشعرية الخالدة التي ضمنتها انها ما أحبت اللهَ طمعا في جنته، ولا خوفا من ناره، ولكن أحبته لأنه أهل للمحبة, هذه الكلمات تلخص جوهر المحبة الصادقة، التي تتجاوز المصالح الدنيوية والأخروية، لتصل إلى مرتبة العشق الخالص للذات الإلهية. وعن مناجاتها، جيث قالت:

أحبك حبين؛ حب الهوى *** وحبا لأنك أهل لذاكا ·

 فأما الذي هو حب الهوى *** فشغلي بذكرك عمن سواكا ·

وأما الذي أنت أهل له *** فكشفك للحجب حتى أراكا.

في هذا الحب، تتلاشى الحدود بين الضحك والبكاء، فكلاهما تعبير عن الشوق والوجد.

سيمون فايل، الفيلسوفة الفرنسية، وإن لم تتحدث مباشرة عن الضحك والبكاء في سياق المحبة الإلهية، إلا أنها ركزت على مفهوم المحبة في الله، وهي محبة تتجاوز الذات والمصالح الشخصية لتصبح جزءا من الحب الإلهي الأكبر. هذا الحب، الذي يتطلب تضحية وتجردا، يمكن أن يولد في النفس حالات من الوجد العميق، قد تتجلى في دموع الخشوع أو ابتسامات الرضا.

هيلدغارد من بينغن، تلك الفيلسوفة الألمانية، رأت الكون كله تجليا لكلمة الله، وأن كل مخلوق يحمل في طياته جزءا من هذا الجمال الإلهي. هذه الرؤية الكونية للمحبة تجعل القلب يفيض بالبهجة والتوقير، وقد تدفعه إلى الضحك سرورا بجمال الخلق، أو البكاء خشوعا أمام عظمة الخالق.

إن المحب لله تعالى لا تقتصر محبته عز وجل فحسب، بل تتسع لتشمل كل ما خلقه الله. فمن أحب الخالق أحب خلقه، ومن رأى جمال الله في الكون، رأى جماله في كل كائن. هذه المحبة تتجلى في الرحمة بالضعيف، والعطف على المسكين، والإحسان إلى الجار، والبر بالوالدين، ومحبة الأقربين. إنها محبة شاملة، لا تفرق بين مؤمن وغير مؤمن، بل تسعى إلى الخير للجميع، لأن الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. وفي هذه المحبة الشاملة، يجد المحب حلاوة الإهداء، وحلاوة العطاء، وحلاوة الوصال، سواء كان ذلك بابتسامة صادقة أو دمعة رحمة.

إن حلاوة المحبة في الله هي سر الأسرار، وهي النور الذي يضيء دروب السالكين. إنها تجربة وجدانية متجذرة في الاعماق، تتجاوز حدود العقل والمنطق، لتستقر في سويداء القلب. وفي هذه التجربة، يصبح الضحك والبكاء مجرد تعبيرين عن حالة واحدة من العشق الصادق، الذي يرى في كل شيء تجليا للجمال، وفي كل حال قربا من الحبيب الأزلي وهي المصباح في زجاجة.

***

د محمد غاني - كاتب المغرب

 

في المثقف اليوم