عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عبد السلام فاروق: حارس أسئلة الله

ما الموسوعة؟.. سؤال ثقيل كجبل، يفرض نفسه اليوم في زمن صرنا فيه نحسب الكلمات بالتغريدات، ونقيس العمق بعدد الحروف. ما الموسوعة؟ هل هي مجرد خزان إسمنتي بارد، نصب فيه المعلومات صبّاً، كما نصب الماء في جرار الفخار الميتة، حتى إذا طال بها الزمن، فقدت روحها وعذوبتها، وتحولت إلى شيء راكد لا يصلح لظمأ السائلين؟ أم أنها روح حية تتجسد في الكلمات، ونبض خفي يتشكل بين السطور، وعقل نير يطل من علياء المعرفة على سهول الجهل فيحولها بقدرة قادر إلى حدائق غناء وارفة الظلال، يأوي إليها التائهون ويستظل بفيئها الحائرون؟

وهل الشخص الموسوعي الذي نبحث عنه هو الناسخ الأمين، الذي يكدس أقوال السابقين كما يكدس عامل البناء الحجارة فوق بعضها، بلا روح ولا سؤال، حتى يصبح الجدار أخرس لا ينطق؟ أم هو صاحب البصيرة التي تخترق الحجب، ذاك الذي يوحى إليه من عقله، فيحمل مشكاة النور في غياهب الظلام، ويقف كالشاهد العدل على ثغرة الوعي كي يصد عنا طوفان النسيان الجارف الذي يهدد بإغراقنا جميعاً؟

الموسوعة الحقة، في جوهرها الذي نبحث عنه، هي رؤية متكاملة للكون، محاولة يائسة ونبيلة للإمساك بالحقيقة الهاربة منا، للإجابة عن سؤال الوجود الأزلي. إنها سعي الإنسان، هذا المخلوق العجيب الذي جمع الله فيه من الطين ومن النفخة الربانية، لأن يقبض بيده المرتجفة على المعنى المتواري خلف ضباب الأيام، وأن يبني من شتات المعرفة المتناثرة حوله بيتاً مكيناً يسكنه العقل ويطمئن إليه القلب، فلا يضل الطريق بعدها أبداً.

وما الأديان؟

ها هو سؤال آخر يلح علي وعليكم. ما الأديان في حقيقتها وجوهرها؟ هل هي أبراج عاجية شامخة، نصعد إليها ثم نقفل أبوابها على أنفسنا، لننظر إلى الآخرين من شرفاتها الضيقة نظرة الشفقة أو الازدراء، وقد ظننا أننا وحدنا المهتدون، وأن الله محصور في حيزنا الضيق؟ أم أنها أنهار متعددة، تجري في أودية مختلفة، وتتشكل على قدر الأرض التي تمر بها، لكنها تتجه جميعاً، في سر خفي لا ندركه، إلى بحر واحد لا ساحل له، هو بحر الحقيقة المطلقة التي لا يدرك كنهها إلا الله؟

وهل خلق الاختلاف بين الناس في عقائدهم ومللهم ليكون نقمة تستحل بها الدماء، وتبرر بها الحروب، وتسوغ بها مذاهب الإقصاء والتكفير، حتى صارت كلمة الحق أداة للقتل؟ أم خلق الاختلاف ليكون آية من آيات الله الباهرة، كما تختلف ألوان الزهر في الروضة الواحدة، وكما تتعدد ألحان الطير على الغصن الواحد، كل منها يسبح الله على لسانه، ويتجه إليه بوجهته التي هداه إليها، ولا فضل لزهرة على أخرى إلا بعطرها، ولا لطائر على آخر إلا بتسبيحه؟

أسئلة تضطرب في الصدور كأمواج البحر الهائج، تضيء في العقل ولا تحرق، توجع القلب ولا تقتل، توقظ الضمير من سباته العميق. أسئلة هي ثمرة التأمل في ملكوت الله، وحصيلة النظر في سننه التي لا تبديل لها. وهنا يثور سؤال آخر هو لب الأسئلة وخلاصتها هل نحن، حقاً، طلاب حقيقة خالصة؟ أم أننا طلاب طمأنينة رخيصة ندفع ثمنها من جيوب عقولنا؟ هل نبحث عن وجه الله بحث الصادق المتجرد، الذي لا يبغي إلا الحق حيثما كان ومع من كان؟ أم نبحث عن صورنا في مرايا الكتب، فلا نرى منعكساً على صفحاتها إلا وجوهنا، ولا نسمع من أصدائها إلا أصواتنا، ولا نعبد من خلالها إلا أصناماً صنعناها بأيدينا من أوهامنا، ثم خررنا لها ساجدين باكين، نظن أننا نعبد الله؟

قديماً، كانت الموسوعات الكبرى تنبثق من صميم حضارتنا انبثاق النور من قلب الظلمة. كانت مرايا تعكس روح العصر، وتنحتها من صخر العدم نحتاً. كان "الفهرست" لابن النديم عالماً يفيض بالحياة، يشهد على أمة كانت المعرفة تجري في عروقها كما يجري الدم. وكانت رسائل "إخوان الصفا" مجرة مضيئة في سماء الفكر، تتلألأ بالعلم كشمس الصباح بعد ليل دامس. وكان "العقد الفريد" لابن عبد ربه عقداً من النجوم حقاً، تنظمه يد أديب بارع يعرف أن البيان من السحر، وأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. كانت تلك الموسوعات شوامخ كالجبال، ثقوباً من نور تخترق جدار الزمن، توقظ الوسنان وتذكر الغافل بأن هذه الأمة كانت أمة اقرأ، وما ضعفت إلا حين هجرت القراءة وأخلدت إلى التقليد الأعمى.

أما اليوم، فلدينا عمل موسوعي جليل، عنوانه الدال على مضمونه: "موسوعة الأديان العالمية"، نشرته جامعة محمد بن زايد، قضى صاحبه الدكتور محمد عثمان الخشت في محراب تأليفه أربعين عاماً كاملة. أربعون عاماً من عمر الروح والجسد، سهر فيها الليالي الطوال يقلب الصفحات، وينقب في المصادر، ويوازن بين النصوص. ثم لا يلقى هذا العمل منا إلا عبوراً خاطفاً، عبور كرام ثقيل، كأنه خبر صحفي عابر في زحمة الأخبار، في زمان أضعنا فيه هيبة الكلمة، وأصبح المرء يوزن فيه بما يملك لا بما يعلم. وهنا، أجدني مضطراً للتوقف طويلاً أمام مشروع الرجل، توقف المتأمل المتفكر، لا العابر المار، لأوجه إليه أسئلة من طينة الصدق لا المجاملة.

أولاً: فضاء المشروع وخرائط اللحظة

لا يمكن إدراك هذا الجهد إلا إذا تأملنا خريطة الوعي التي نقف عليها اليوم. إنها خريطة ممزقة الأوصال، تتصارع في فضائها ثلاث رياح عاتية لا تبقي ولا تذر. الريح الأولى: صعود خطاب ديني متطرف حصر الدين في جثة النص، وأجهز على روحه، وحول الإيمان إلى فقه تكفيري متحجر، وإلى نصل حاد في قبضة كل من ظن أنه المالك الأوحد للحقيقة. الريح الثانية: انحسار دور النخب المستنيرة، وانشغال ما تبقى منها بمعارك وهمية في فقاعات التواصل الاجتماعي، بينما يتراجع مشروع النهضة العربية ليغدو حلماً بعيداً. الريح الثالثة: أزمة المنهج، حيث يسود إما منهج دفاعي مذعور يبرئ الأديان من أي مساءلة معرفية، وإما منهج هجومي عدائي ينطلق من خصومة مسبقة للدين، يصوغ أحكامه قبل أن يبدأ رحلة البحث الصادق. في هذا السياق العاصف، يبزغ مشروع الخشت بزوغ الفجر، قائماً على قراءة الأديان من منظور المقارنة العلمية الواعية، لا من منطق الانتصار الأجوف لدين على دين. وهذا الفعل المنهجي في حد ذاته إنجاز تأسيسي، أشبه بمن يشيد بيتاً من العقل في عين الإعصار. ولقد دفع الرجل ثمناً باهظاً، إذ حين تجهر بأن "التنوع والتعددية سنة إلهية كونية" في زمن صار فيه التكفير بضاعة رائجة، فأنت تضع نفسك في الخندق الأمامي المواجه.

ثانياً: بين تأليه الحقيقة وأنسنة الرحمة

عند عبارة "التنوع والتعددية سنة إلهية كونية" أقف طويلاً. إنها تنطوي على ثورة في عالم الأفكار. فإثبات أن التعددية سنة كونية يضرب بجذوره في فكرة العدل الإلهي، فالإله الحق لا يمكن أن يكون "لاعب نرد" يخلق البشر مختلفين، ثم يحكم على من خالف هذا الطريق أو ذاك بالعذاب الأبدي. هذا تصور ينتقص من كمال العدل الإلهي. تصور الخشت البديل يقودنا إلى أفق أرحب للرحمة الإلهية، يتجاوز الحدود الضيقة التي وضعها البشر، ويقترب في روحه من فلسفات التعددية الدينية عند جون هيك، لكن بصياغة إسلامية صوفية عميقة تجمع بين أصالة المنبع وحداثة المنهج. على المستوى الديني، يدخل الخشت بشجاعة قلب الإشكالية الكبرى: كيف نوفق بين فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة، والاعتراف بشرعية وجود الآخر؟ إنه يفتح طريقاً ثالثاً بين اتجاهين مميتين: إلغاء كل الأديان إلا ديناً واحداً، أو القول بتساويها تساوياً مطلقاً. طريقه يقوم على تمييز بديع بين الاعتقاد الداخلي والسلوك الخارجي. يمكنني أن أعتقد أن ديني هو الحق، لكن في الفضاء المشترك أعترف بشرعية وجود الآخر، فأنا إن اعتديت عليه أكون قد اعتديت على سنة الله في خلقه. هذا موقف شجاع، وقد يكون حله هو العودة الخلاقة إلى نظرية المقاصد في الشريعة، التي تشكل أرضية مشتركة للتعاون على الخير، فالاختلافات في الفروع لا تلغي وحدة الأصل الإنساني.

ثالثاً: في متاهات النقد الداخلي

بعد هذا كله، اسمحوا لي ببعض النقد الداخلي الصادق، نقد من هو من أهل الدار.

أولاً، إشكالية التلقي: قضى الرجل أربعين عاماً يؤلف موسوعته. لكن السؤال الذي يلسعني: من يقرؤها اليوم في زمن الاستهلاك المعرفي السريع؟ أين ترجمة هذا المشروع إلى خطاب تعليمي للشباب التائه؟ أين الكتب الموجزة التي تقدم أفكاره بأسلوب يخاطب القلب قبل العقل؟ أخشى أن يظل هذا الإنجاز حبيس رفوف الأكاديمية، بينما يملأ المتشددون الفراغ بخطابهم السهل الممتنع.

ثانياً، غياب السياسي والاقتصادي: مشروع الخشت يركز بعمق على البعد الديني والفلسفي. لكن لماذا ينتشر التطرف تحديداً في المجتمعات الفقيرة المحرومة؟ ما العلاقة بين الأزمة الاقتصادية وتبني خطابات العنف؟ يمكنك أن تقدم أرقى خطابات التسامح، لكن إذا كان الشاب لا يجد قوت يومه، ولا يلمح شرارة عدالة اجتماعية، فسيبحث عن خطاب بديل يمنحه هوية وسيفاً. مشروع الخشت لا يتعامل مع هذا البعد إلا بشكل هامشي، وكأن الروح يمكن أن تزدهر بلا جسد يحميها.

ثالثاً، نقد النص الديني: هذه هي النقطة الأشد حساسية. يقوم مشروع الخشت على أن النصوص المقدسة تحمل في صميمها روحاً سمحة. لكن ماذا نفعل بالنصوص التي يبدو ظاهرها متناقضاً مع روح التسامح؟ منهجه يعتمد على آليتي التأويل والتاريخية، وهذا صحيح وضروري، لكنه لا يكفي. تظل الحاجة ماسة إلى نظرية متكاملة متماسكة في التعامل مع النص، تحدد لنا: متى نأخذ بالظاهر، ومتى نؤول؟ وما ضوابط التأويل المانعة من الانفلات؟ هذه النظرية لم تصمغ بعد صياغة شافية كاملة في هذا المشروع، وما تزال تمثل ثغرة ينفذ منها الخصم.

ويبقى السؤال الأعمق هو هل نحن، القراء والنقاد، على مستوى هذا المشروع؟ هل لدينا الجرأة على مناقشته دون تحيز، والصبر لنقرأ ألف صفحة في زمن التغريدات؟ هذا سؤال موجع، وجوابه ليس مضموناً. لكن، في هذه اللحظة، دعونا نعترف بأن السؤال قد وضع بقوة على المائدة. ويبقى الخبر الأجمل: أن هناك مثقفاً عملاقاً، في ركن من هذا العالم العربي الصاخب، قضى عمره يبني مشروعاً فلسفياً ضخماً يستحق أن ينظر فيه. ويبقى، رغم كل النواقص، شاهداً على أن جذوة الحياة الفكرية لم تنطفئ بعد في هذه الأرض، وأن في هذه الأمة بقية صالحة من فرسان الأسئلة الكبرى، الذين لا يخشون في الحق لومة لائم.

***

د. عبد السلام فاروق