عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

محمد غاني: عبر محراب الغسق.. يفنى الحس ويبقى المعنى

إن المتأمل في لوح ملكوت السماوات والأرض بعين الفكرة والعبرة والبصيرة، يدرك أن حركة الأفلاك والاجرام والمجرات ليست في الحقيقة مجرد تعاقب ميكانيكي للزمن، بل هي إشارات قدسية ورموز علوية تخاطب الروح أكثر من كونها تخاطب العقل او الجسد في رحلة ابدية للانسان نحو سماوات العرفان القدسية . ومن أعظم هذه الرموز تجليا هو مفهوم الغسق؛ تلك اللحظة البرزخية التي يودع فيها النهار ضياءه المادي، ليفسح المجال لسواد الليل الذي ليس هو في الحقيقة عند أهل الشهود والمعنى إلا ستارا يسدل على عالم الشهادة ليفتح أبواب عالم الغيب.

لا غرو ان الغسق انما هو بوابة الانخلاع عن عالم الحس حيث يعد الغسق في المنظور العرفاني لحظة النزع الروحي من قيود المادة. فبينما تغيب الشمس الحسية، يبدأ العارف بالله الغارق بقلبه في شهود المعنى في استشعار غياب الأغيار عن مرآة قلبه.

 إن الضوء الباهر للنهار، برغم جماله، قد يكون حجابا كثيفا، لأنه يغرق النفس في تفاصيل الكثرة، ويشغل الحواس بصور المكونات وزخرفها.

أما الغسق، فهو بداية الخمول المحمود، حيث تبدأ الصور المادية في التلاشي، ويخفت ضجيج العالم الخارجي، مما يهيئ الروح لعملية الفناء عن الحس.

إن الليل لا يعطي للناظر في نظره سوى نفسه، فهو يدرك ولا يدرك به، فإنه غيب وظلمة.

 في هذه الظلمة، يفقد الحس أدواته، فالعين لا ترى، والأذن تسكن، واللمس يتراجع، وهنا تبدأ الروح في استعادة سلطتها. إن سواد الليل ليس عدما، بل هو امتلاء بالمعنى الذي لا تدركه الحواس المحدودة. انه هو الحالة التي يسود فيها نور الغسق، وهو النور الذي من شدة سطوعه في عالم الغيب، يظهر للعين الحسية كظلمة، تماما كما تبدو الشمس بقعة سوداء لمن حدق فيها طويلا.

لا مندوحة ان سواد الليل انما هو في الحقيقة بقاء بأنوار المعنى فعندما يتحقق الفناء عن الحس بسواد الليل، يشرق في باطن العارف فجر المعنى، هذا هو البقاء الذي يتلو الفناء، بقاء الروح بمشاهدة الحق منزهة عن شوائب التشبيه والصور المادية. إن الظلمة هنا تعمل كـ غرفة مظلمة (Camera Obscura) تتركز فيها أشعة الحقيقة لتنطبع على لوح القلب الصقيل.

***

د محمد غاني، كاتب - المغرب