عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: القلم الثرثار!!

ثرثرة: كثرة الكلام في مبالغة من دون جدوى، كثر الكلام في تخليط وترديد بسرعة وبلا فائدة.

في المدرسة الإبتدائية وفي أحدى مراحلها الأولية كانت في كتاب القراءة قصة "الحلاق الثرثار"، وهي قصة ممتعة لحلاق يرسم خارطة العالم على رأس زبونه، ويشرح بعضا من حوادث التأريخ.

هنا كذا وهنا كذا، وهنا إنتصرت القوة الفلانية وهنا إنهزمت الدولة الفلانية، ويمضي في ثرثرته ومقصه يعبث برأس الزبون، الذي إحتار كيف يتحرر من قبضته، وينجوَ ببعض شعره.

والحلاق المزعج هو الذي يكلم زبونه أثناء حلاقته لرأسه، والحلاق الثرثار مزعج لأنه يقبض على أنفاس الزبون، ويحصره تحت رحمة مقصه ولسانه المهذار.

وأقلامنا ثرثارة، لا تتوقف عن الكلام الخطيل، وأصحابها منابر معارف ودرايات إدراكية فائقة، فهم العلماء الأفذاذ ولا يقترب منهم ذو علم وعقل، لأن قولهم الفصل ورأيهم سلاف رأي.

كلام أخيلة مضطربة، وإستمطار سراب، وهرولة وراء خيوط دخان، في عالمٍ لا يستكين للهوان، ويسعى نحو رائدة الزمان، ويقتل المستحيل بالإمكان.

قالوا وما أكثر ما قالوا، وعندما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، صمتوا وفي كهوف رؤاهم إندسوا وزالوا.

يتباحثون بما يظهر من جبل الجليد العائم في بحر التفاعلات العاتية الجريان، وما فوق الطاولة يحسبونه فصل الختام، وعما تحتها هم في عماء واعتصام، لايدركون ما يقولون، ويحسبون كل شيئ كما يتصورونه، ويرغبونه، و"ما كل ما يتمنى المرء يدركه...".

أوهام مدونة، وأكاذيب معنونة، وبراهين مزيفة، بالضلال معرفة، وكلٌ يغني على ليلاه، وموطنها مدفون، في زمنٍ مأفون، بالغنائم مفتون، والفائز الملعون، والأجيال بلا عيون، وعقلها مرهون، وصوتها مسجون، ومن الخوف لا يتسألون.

أباطيلٌ مشرعنة، مبرهنة بعنعنة، وبأكاذيب ملقنة، والخرافات مهيمنة، والطوابير محيّنة، تخيفها البيّنة، الإبصار ممنوع، والخداع مشروع، والهدف الخنوع، لطامع يجوع، لأمة تستلطف الخضوع، وتنكر زمانها وتدّعي الرجوع، لغابر مقموع، وجهدها الدموع.

وتلك ثرثرة مؤزرة السطوع!!

نُثرثرُ من مَواجعِنا كَلاما

وما بَلغتْ مَساعينا مَراما

نَسينا فِعلنا فطغى قنوطٌ

يُكبّلنا ويُطعِمُنا خِصاما

بثرثرةً أصابَتْ مُرتقانا

تُبلّدنا فأنْستنا الحُساما

***

د. صادق السامرائي